رشا عوض

في البدء، تحية إجلال وإكبار لكل طبيب وطبيبة، مشارك في الإضراب الذي نظمته “لجنة أطباء السودان المركزية” منذ الثالث من أكتوبر الجاري، وكامل التضامن معهم، لأنهم يؤدون فريضة مقدسة تتمثل في تنظيم الصفوف لانتزاع حقوق المواطن عبر وسيلة مدنية سلمية وحضارية هي الإضراب، فهذا هو الاتجاه الذي يجب ان تُضبط عليه بوصلة كل القوى الحية في المجتمع، ولذلك توالت بيانات التضامن مع الإضراب من قوى سياسية ونقابية وإعلامية تعزيزا لمشروعية هذا العمل النضالي المسؤول.

إن  أفضل ما فعلته “اللجنة” المنظمة للإضراب هو رسائلها الواضحة للمواطن السوداني عبر بياناتها وبوستراتها التي أبانت بوضوح لا لبس فيه أن الهدف الرئيس للإضراب هو “إصلاح بيئة العمل وتوفير معينات العمل الطبي وخصوصا أدوات الإسعاف وانقاذ الحياة ،وتحسين شروط خدمة الاطباء وتوفير الحماية لهم خلال أداءهم لواجباتهم،و تطوير مناهج التدريب وتحسين شروطه”، وأن هذا الهدف يصب مباشرة في مصلحة المرضى الذين يقصدون المستشفيات طلبا للعلاج الذي يستحيل ان يتوفر لهم بصورة كريمة في ظل افتقار المستشفيات للأدوية المنقذة للحياة ولأسطوانات الأكسجين واجهزة قياس الضغط، وندرة سيارات الإسعاف، وتكدس أكوام الزبالة داخلها وبجوارها مع نقص كبير في كل التخصصات الطبية فضلا عن فنيي المعامل والممرضين! أضف إلى ذلك الظاهرة التي تنامت مؤخرا وهي الاعتداء على الأطباء بالضرب أثناء تأدية أعمالهم، بل إطلاق الرصاص عليهم وسحلهم واختطافهم من داخل المستشفيات من قبل عناصر أمنية وشرطية لا تسأل عما تفعل!

ورغم كل هذه الظروف المزرية التزم الأطباء المضربون التزاما صارما بأخلاقيات مهنتهم وحصروا الإضراب على الحالات الباردة والعمليات غير المستعجلة وألزموا أنفسهم قبل ان يطالبهم أحد بعلاج الحالات الطارئة وتقديم الخدمة لأي مريض في حاجة لتدخل طبي عاجل،  وذلك  كله منشور في بيانات ممهورة بتوقيع “اللجنة”.

ولكن رغم كل ذلك برز ثعالب النظام في ثياب الواعظين بالقيم الإنسانية، والمشفقين على المواطن السوداني الذي دخل بقدرة قادر إلى دائرة اهتمامهم بعد إضراب الأطباء!  ومن هؤلاء مأمون حميدة وزير الصحة بولاية الخرطوم وأحد كبار المستثمرين في الصحة الذي وصف الأطباء المضربين بعدم الأخلاق واتهمهم بارتكاب جريمة القتل العمد! ونسي جريمة القتل العمد التي ارتكبت في حق الزينة رحمها الله في مستشفى الزيتونة الذي يملكه! ولا  يعلم الوزير الهمام أن القتل العمد وغير الرحيم هو سياسات وزارته.

ونظرا لأن وسائل الإعلام المحلية من صحف وإذاعة وتلفزيون خاضعة لجهاز الأمن الذي أملى عليها الخط التحريري في قضية الإضراب، وهو دق إسفين بين عامة المواطنين والأطباء المضربين، فإن على “الإعلام البديل” تكثيف رسائله إلى المواطنين وتضمينها الحقائق الآتية:

أولا: العزف على وتر ان “إضراب الأطباء” عقوبة للمواطن وصولا إلى تجريم المضربين، مغالطة غبية، لأن الإضراب هو رد فعل على حالة التدني المريع في مستوى الخدمات الصحية نتيجة لتقصير الحكومة الفاضح في الالتزام بواجبها، لدرجة أن المستشفيات الحكومية التي يقصدها الفقراء وهم غالبية الشعب انحدرت الى درك من القذارة ونقص معينات العمل ونقص الكادر لدرجة يتعذر معها تقديم أي خدمة، وللمفارقة حتى”ثعالب النظام” الذين تحدثوا للإعلام معظمهم اعترفوا بهذا الواقع، ولم يستطيعوا نكران  انهيار بيئة العمل في المستشفيات وأمنوا على عدالة مطالب المضربين، وما دام الحال كذلك، فالمنطق يقول أن الذي عاقب المواطن هو الحكومة التي خلقت بقصورها وتقصيرها ظروفا دفعت الأطباء دفعا لهذا الخيار، فلا يستقيم عقلا ولا خلقا تجريم الإضراب وهو رد فعل مشروع جدا ، وتبرئة الحكومة صاحبة الفعل.

ثانيا: الطبيب لكي يعالج المرضى بكفاءة لا بد من توفر معدات الفحص والتشخيص،الأدوية، الكادر الفني، المكان النظيف والآمن، وقبل ذلك لا بد ان يكون الطبيب نفسه نال تعليمه في جامعة مؤهلة، وخضع لتدريب عملي جيد، هذه الشروط الموضوعية توفرها الحكومات لا الجمعيات الخيرية، وبالتالي فإن عدم توفرها يجعل من واجب الطبيب الانخراط  في حملات الضغط على الحكومة عبر التكوينات النقابية، وبوسائل العمل المدني المشروعة بمنطق حقوق الإنسان، ابتداء من رفع المذكرات مرورا بالمظاهرات وصولا للإضرابات والاعتصامات، ولا معنى للمزايدات والابتزاز باسم الإنسانية على افتراض أن “الطبيب الإنسان” هو من يعمل تحت أي ظرف ويصبر على الأوضاع المقلوبة! فالإنسانية التي يتحدث عنها “ثعالب النظام” هي التطبيع مع الأوضاع “غير الإنسانية” وعدم الاحتجاج عليها صونا لخاطر الحكومة.

والسؤال لماذا يحتمل الأطباء والمواطنون السودانيون هذا الانهيار الصحي في الوقت الذي تهدي فيه حكومتهم مستشفى لجيبوتي بتكلفة 20 مليون دولار، وتتبرع لقطاع غزة بسيارات إسعاف ويتبرع رئيسها ب 750 ألف دولار لحجاج يوغنديين.

ثالثا: من حقنا أن نسأل المزايدين على الأطباء بالعزف على وتر الإنسانية ، لماذا لم تتأذى انسانيتهم عندما خصصت حكومتهم للصحة 799 مليون جنيه فقط في الموازنة بينما خصصت لمنصرفات القصر الجمهوري وحده  في ذات الميزانية 711 مليون!! لماذا لم تتأذى من الفساد الضارب بأطنابه في كل المؤسسات الصحية؟ لماذا لم تعترض على ان يكون وزير الصحة في ولاية الخرطوم أكبر مستثمر في الخدمات الطبية ويمتلك كلية طب؟ لماذا لم تشمئز من الثراء الفاحش الذي تحقق من المضاربة في الدواء والتلاعب في مواصفاته؟ لماذا لم تحتج على حرمان شباب وشابات السودان من فرص التعليم الطبي المتطور والتدريب الجيد؟ لماذا لم تكترث لهجرة ألاف الأطباء وأساتذة الجامعات فرارا من الجوع والمذلة فيما أصبحت المستشفيات معتمدة الى حد كبير على أطباء الامتياز لعلاج المرضى وهو ظلم للطبيب والمريض معا! كيف يتباكى شخص على “حرمان مؤقت” من الخدمات العلاجية المعتادة بهدف الضغط لتوفير الإمكانات اللازمة لمكافحة “الحرمان المستدام” في وقت يبارك فيه كل السياسات المتوحشة التي حرمت المواطن السوداني من الرعاية الصحية المتكاملة وتسببت له في هذا “الحرمان المستدام”.

رابعا: درجت ثعالب النظام على ابتزاز أي تحرك مطلبي بان له أجندة سياسية أو تقف وراءه جهات سياسية، وكأنما معاقرة السياسة باتت منكرا وخطيئة مخجلة لكل السودانيين باستثناء النظام الحاكم! بدلا من اتخاذ موقف دفاعي والتبرؤ من السياسة لا بد من قلب الطاولة ومحاكمة النظام نفسه على تسييسه لكل شيء في البلاد تسييسا خبيثا حرم الخدمة العامة في البلاد من ذوي الكفاءة والنزاهة وأتى بذوي الولاء السياسي وان كانوا فاقدين للتأهيل والخلق.

أي عمل مطلبي هو عمل سياسي بامتياز! يجب ان لا يكون حزبيا، ويجب ان يكون محور الاصطفاف النقابي حول مطالب محددة متفق عليها وان يكون مستقلا عن اي حزب! هذا صحيح، ولكن يستحيل ان يكون منزوع السياسة! بمعنى ان الحراك المطلبي يعمل في بيئة سياسية يؤثر فيها ويتأثر بها،

ممارسة السياسة حق مشروع بل واجب على القوى الحية في السودان، والحكومة التي تخوف الشعب من السياسة هي كائن سياسي بامتياز، مشكلة من حزب سياسي، فالمؤتمر الوطني ليس جمعية خيرية! وجهاز الأمن الذي يتحكم فيما تنشره الصحف حول اي قضية  يفعل ذلك تغليبا لمصلحة سياسية! وتعيين إدارات المستشفيات وإدارات الجامعات والبنوك وكل مؤسسات الخدمة العامة مدنية وعسكرية تتحكم فيه اعتبارات سياسية صرفة دون وجه حق! ولذلك لا بد من هزيمة مخططات النظام السياسية في التقسيم  تجاه هذا الإضراب التي بدأت بمواطنين في مواجهة الأطباء، ثم تقسيم الأطباء أنفسهم إلى مسيسين وغير مسيسين وكذلك محاولة دق إسفين بين منظمي الإضراب والقوى السياسية لدرجة الانزعاج حتى من بيانات التضامن!

النظام يفعل كل شيء مع سبق الإصرار والترصد السياسي ولذلك لن تنجح أي جهة في انتزاع حق من هذا النظام دون أن تكون “واعية سياسيا” حتى وإن لم تكن حزبية.