خالد فضل
قدّم الأطباء السودانيون تجربة مدنية سلمية راقية في التنظيم وممارسة الضغط على السلطات الحكومية حتى تستجيب للمطالب المشروعة والمعقولة التي سببوا بها إضرابهم المشهور منذ بداية الإسبوع الماضي , وقد كانت درجة الإلتزام والإستجابة عالية جدا وسط قطاع الأطباء , مما سبب صداعا حادا واضطرابا واضحا وسط جهاز الأمن الحاكم فمارس حرفته الوحيدة المكررة , التعتيم والتكميم والتشتيت , وتبارت أبواقه الإعلامية في التزيؤ بثياب الواعظينا وهم من همو ممن لا يحتاج صبيٌ غرٌّ لكثير جهد ليفهم سبب ظهورهم المفاجئ في الإنحياز إلى جانب حقوق المواطنين في الصحة والعلاج والحق في الحياة , فهذا انحياز مظهري بات المواطن يعرفه , مثله مثل حالات التلبُّس بالوطنية والسيادة عندما يواجه سدنة نظام الإبادات وتصدر ضدهم مذكرات التوقيف الجنائية الدولية وتنهمر على سلطتهم قرارات الإدانة الأممية , لقد عشنا قرابة ثلاثة عقود من الزمان الأردأ على الإطلاق في تاريخ السودان منذ بدء الخليقة في أرضه , وصارت الأشياء كلها إلى ضدها . وكأن الناس بلا ذاكرة حاضرة أو كأنّما التطور المذهل في مجال الإتصال والتواصل لم يغش السودان, نقرأ ونشاهد ونتابع هرطقات تنابلة السلطان وأثرياء الغفلة من المستثمرين في الصحة والعلاج والتشخيص والتعليم الطبي وهم يصفون الأطباء المضربين ب (عدم الأخلاق) , أو أنّ الإضراب سياسي !
وهنا مربط الفرس كما يقولون , فقد تحوّلت المهنية السودانية العريقة التي تم وراثتها من العهد الإنجليزي الإستعماري إلى ملطشة في عهد الإنقاذ , وهنا نسأل السيد البروفسير مأمون حميدة وزير الصحة بولاية الخرطوم , مالك ومؤسس مستشفى الزيتونة الكائن في شارع السيد عبدالرحمن قبالة أطلال مستشفى الخرطوم التعليمي (سابقا), وجامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا قبالة مطار الخرطوم من الناحية الجنوبية الشرقية , وتبعها معامل يستبشرون ويستشفون والإذاعة الطبية وصحيفة التغيير وتبعها المستشفى الأكاديمي في وسط مربعات حي الصحافة , نسأله باسم الأخلاق والوطنية والقيم الرفيعة عن مصير أولئك الأساتذة الشبان في جامعة الخرطوم ومنهم من كان مساعد تدريس ومنهم المحاضر الذي عاد للتو من بعثته الدراسية , هل يذكرهم ؟ أين كانت المهنية والأخلاق والسياسة الحزبية التمكينية البغيضة تجعله يبدأ عهده في إدارة جامعة الخرطوم قُبيل منتصف التسعينات من القرن الماضي بفصل وتشريد تلك العناصر الكفؤة من أبناء السودان ليضربوا في مناكب الأرض حيث تلقّفتهم البلدان فصاروا أعلاما في مجالاتهم بعد أنْ حمل بعضهم جوازات وجنسيات الأوطان البديلة , على الأقل أعرف واحدا منهم من أبناء قريتي ودفعتي صار رقما عالميا في تخصصات طبية رفيعة لكنه _مع الأسف_ أصبح مواطنا أمريكيا !! أليست هذه تصاريف السياسة القذرة التي مارستها سلطة الإنقاذيين الإسلاميين , فلماذا تراهم يتبارون الآن في ذمّ سياسية الأطباء المضربين عن العمل وقد شرحوا ووضحوا الأسباب التي دفعتهم للتوقف عن العمل في المشافي الحكومية التي آلت إلى حيازات وزارة الصحة في ولاية الخرطوم فكان مصير مستشفى الخرطوم التعليمي وحوادث مستشفى جعفر بن عوف للأطفال إلى محاق , لقد صار مرأى المستشفى العتيق يُذكّر بدمن زهير, وأطلال امرئ القيس , وغول ورجام لبيد , فهل هي ضرورات البناء الإنقاذي المستندة على هدم كل إرث سوداني راسخ وتليد , سواء أكان البناء ماديا أم معنويا ؟ فقد تمّ تشليع جامعة الخرطوم لصالح جامعات أكابر المستثمرين الإنقاذيين , فنبتت كالسلعلع نبتة والرازي و و و وغيرها من اللافتات الجامعية , مثلما تمّ تشليع مستشفى الخرطوم لصالح زيتونة الوزير وأضرابه , تحت زعم نقل الخدمات للأطراف وكأنّ وسط الخرطوم دار أجداد أحدهم ؟ وعندما استقال مدير مستشفى ابراهيم مالك قبل نحو عام ذكر في أسباب استقالته تردى بيئة العمل , وتسرّب المياه تحت مباني قسم الطوارئ وانعدام معينات العمل وغيرها من أسباب ترقى لدرجة محاسبة الوزير ورهطه من سياسيّ الخدمات الطبية والصحية والعلاجية , ولكن سيادة الرئيس انتصر للوزير السياسي الذي يستنكف على الأطباء المضربين ممارسة السياسة المنحازة لصالح المواطن , وقد كان سند الرئيس لمامون حميدة مثلما ساند من قبل الجناة من أفراد الشرطة الذين نشر لهم شريط فيديو مشهور وهم يعذبون فتاة بالضرب المبرح بزعم ارتكاب الفاحشة واقامة حدود الله عليها , يومها أعلنت رئاسة الشرطة تكوين لجنة تحقيق للتحقق من الواقعة , بيد أنّ خادم القرآن , رمز كرامة إفريقيا والحائز على إعجاب ميسي , أعلن في خطاب جماهيري إلغاء لجنة التحقيق لأنّ أولئك الجنود هم جند الله ينفذون أوامره بجلد الفتيات البغايا !!
لقد انهارت المهنية في السودان دون شكّ , حتى صار وكيل النيابة والمستشار العدلي في وزارة العدل يملي على شاهد الإتهام ما يقوله كما في وقائع محاكمة الطالب الجامعي عاصم عمر حسبما نُشر في أخبار الإسبوع الفائت , الآن يمكن الزعم أنّ القيادات على الأقل في كل مهنة ممن لا يثق غالبية الشعب في مهنيتهم إذ تعلو عندهم ميكافيلية سياسة حزبهم على واجبات المهنية , وبالطبع لم يسلم قطاع الأطباء من أمثال هولاء , أمّا الغالبية من المهنيين السودانيين الشرفاء فقد توزعوا في أركان الأرض يبغون أرزاقهم التي قطعها عهد المستبدين من سدنة الإنقاذ , ومن بقي منهم حُرّا أبيا صامدا , نموذج الأطباء , يواجهون بالبذاءة والضرب والإعتداء من جانب أفراد نظاميين في معظمهم حسب الإفادات المتواترة عند كل واقعة , فما ذنب الطبيب أو الكادر الطبي المعاون في نقص الشاش أو انعدام الأكسجين أو عدم وجود سيارة اسعاف ؟ ما ذنب المهني السوداني خاصة من أجيال الإنقاذ الحالية وقد تخرّج في جامعة هجرها خيرة المعلمين وتدرّب في مؤسسة يقودها الجنجويد , وشبّ في وطن على رأسه مطلوب للعدالة الدولية ؟