خالد فضل
أنهت الفئة الحاكمة في السودان محاورة نفسها فيما عُرف تمويها بالحوار الوطني , وصفة الوطنية هذه مما فقد معناه من الألفاظ العربية ؛ فقد أُفرغ الوطن ذاته من خيرة عناصره البشرية بعدما تمّ إفراغه من أهمّ عناصر ركائزه المعنوية المتمثلة في الشعور بالعزّة والكرامة في الوطن .فقل لي بربّك هل غادر الجنوبيون بلادهم وأرضهم طوعا واختيالا وتيها وعجرفة ؟ وأعني ببلادهم السودان الكبير وبأرضه الممتدة من نمولي لحلفا ومن بورتسودان حتى الجنينة مرورا بما بين هذه الأصقاع المتباعدة جغرافيا , والمسؤولية عن حملات الإفراغ هذه تقع مباشرة على تنظيم جماعة الإسلاميين الذين تبدّلت لافتاتهم ولم تتغيّر أفعالهم أبدا , إنّ ضياع السودان وتيه شعبه لثلاثة عقود من الزمان جريرة لا تُغتفر وذنب إنساني ووطني لا يجبّه حوار تلفزيوني محبوك , يجترّ فيه رئيس الفئة المستبدة أبيات قصيد , أو يعلن وطنية نقد وفدائية فاطنة , فبقدر هذه الطيبة في مؤانسة الحسين , وبقدر هذا التواضع في طلب الرزق بالسعاية والرباية وغرس الثمر والخضروات وزيادة الدخل بحواشات السليت , إلاّ أنّ الجرائر الوطنية والإنسانية مما تنهد شاخصة , جبال من الأسى , ووهاد من الوحشة , وصقيع ممتد من الحزن .
ليس بدعا أنْ جاءت التوصية برفض المحكمة الجنائية الدولية , هذا طوق ملفوف حول الفئة المستبدة وزعيمها منذ أكثر من سبع سنوات , وفي سبيل الفكاك منه تمّ حتى (لبس فانلة ميسي) , وهذه التوصية بالتحديد هي خلاصة حوار الذات , فمن ذاك الماجد من الشعب السوداني الذي يسعى لتبرئة القتلة ؟ أم أنّ هولاء المقتولين لا آباء لهم وأمّهات , لا أهل أو أقرباء ؟ ليس غريبا البتّة أنْ بدأ حوار الذات , وشلالات الدم النازف من صدور وجباه أولئك الشباب والشابات في شوارع الخرطوم بمدنها الثلاث , يكلل مسيرة القوم بوزر جديد , دماء بشرية جديدة تُهدر قربانا لدوام الفلل الرئاسية !! والجاني كما هي العادة (مجهول) سيارات دفع رباعي تحمل الموت الزؤام في وضح النهار , تصطاد ضحاياها بطلقات على الصدور والجباه , وهي مجهولة الهوية لأنّها بدون لوحات , عبرت شارع المك نمر وشارع الحاج يوسف وشارع العرضة أم درمان بدون لوحات ومنها انطلق الرصاص المجهول ليصيب المعلومين من شبابنا وبناتنا وحتى أطفالنا فتأمل في أجواء الحوار ومناخاته النازفة ! بدأ الحوار إذا وجراح سارة عبدالباقي والسنهوري وغيرهم من شهداء هبّة سبتمبر المجيدة 2013م , لم يجفّ نزيفها , وانتهى المنولوج في 2016م ووالد الشهيدة د. سارة وبعض أسرتها يقسمون ألاّ يهدأ لهم بال حتى يصل المجرم القاتل إلى ساحة العدالة الحقيقية ذات القواعد الراسخة , فتتم تبرئته إنْ كان بريئا أو يجد الجزاء المستحق إنْ كان مذنبا , وفي سوح العالم ومؤسساته الدولية مظنة إنصاف ولو بعد حين , بعد أن انهدّ سقف العدالة في السودان وجُذّت أصوله بفؤوس المتآمرين من حزب الإسلاميين في اطار برنامج التمكين .
حوار الذات لم ولن يبارح طبطبة الأمنيات الطيّبة , بالمدن السياحية والموانئ البحرية والاسفلت الشبكي وقضبان السكة الحديد, والعيادات البيطرية الجوّالة , ولكنه لم ولن يبلغ العقدة الأساسية , يتمنى نهاية الحرب لكنه لا يناقش أبدا جذورها وممارساتها واشعالها , يرفض حوار الوثبة الذاتي أي تفاوض جاد ومنتج مع الثوّار المناضلين الذين يمتشقون الحسام , ويتوعد رئيس القوم في خطابات الهراء المعتادة بملاحقة الرافضين لحواره الممتنعين عن الخوض في أوحال الطبطبة المترفعين عن وضعية الديكور في مسرح الممثل الواحد , وأنعم بتراجي مصطفى , وصديقنا كمال عمر وزمر التابعين الطامعين في تراب (الميري) , ومع احترامنا لبعض ذوي المواقف الوطنية المشرّفة ممن خاضوا في الحوار ضمن الشخصيات القومية تحديدا بيد أنّهم مع الأسف مثّلوا دور الآخر دون أنْ يكون لمشاركتهم أثر فيما يريد القوم المستبدون فلم يتم كفكفة غلواء جهاز القمع بمسمياته المائة بما فيها الجنجويد , ولم تغلّ أياد القهر خلف الظهر , كما في حداء محجوب شريف حتى آخر شهقة في الحياة , لا بل كانت تراجي مصطفى هي الأعلى صوتا لأنّها تسبُّ الماكرينا من أمثال ياسر عرمان ورفاقه في الجبهة الثورية , فترى مهرجانات الإستقبال تُعدُّ في حواضر الولايات لتخاطبها ( رئيسة جمعية الصداقة السودانية الإسرائيلية ) , وفي جاكت كل مُستقبِل لها جواز سفر مختوم عليه ( كل الأقطار عدا إسرائيل ) , ومات درويش وسميح ومعين وحتى أبوعمار وفي أعينهم بقايا دمع على فلسطين السليبة , وفي خُطب وعنتريات (ليكم تدربنا ) هنا في الخرطوم نصيب , ولكن سلاح إيران لحماس تُبطل مفعوله الطيّارات الطافية نورا وجات بالليل أو كما قال !!
ابتدأ الحوار وصقيع القاهرة يُضني جسد مبدعنا بهنس سليل التشريد والنجعة فيسلم الروح لبارئها فوق دكّة , كانت من نصيب صديقنا العامل المكافح (دُكة) أحمد سليمان الذي مات ولم تمت فيه جذوة الحلم الإنساني بالعدالة الإجتماعية وانصاف الفقراء والانحياز للمعذبين من بني الإنسان , وما بين دكّة بهنس ودُكّة ينفتح جرح عويص قوامه البشر من السوادنة الذين ضيّقت عليهم الفئة المستبدة أرض بلادهم فاختاروا كًرها إعادة التوطين وليل اللجؤ الطويل , تُرى هل في بال من تحاوروا سبب هذه الدياسبورا غير المسبوقة في أوساط السودانيين ؟ ما غرقت مركب بمهاجرين غير شرعين في صخب البحر الأبيض المتوسط أو حتى بحر الصين القصي إلاّ وكان ضمن ضحاياه بشر من بني السودان , فهل طرأ على السودانين طارئ وتلبّستهم روح المغامرين والمستكشفين فجابوا الصخر بالواد أم نجعوا جراء ممارسة وتطبيق برنامج الإسلامين ؟ هل أجاب المتحاورون عن هذا السؤال ؟ ثمّ هل أجابوا عن سؤال تلك المليارات التي أنفقت في قاعة الصداقة لزوم الفطور والشاي والحليب , بينا أطباء السودان يضربون عن العمل في المشافي الحكومية جراء نقص معينات وضروريات عملهم حتى في أقسام الطوارئ ؟ أسئلة وجراح منوسرة في قلوب الأمهات الثكالى من كجبار لجبل مرّة ومن الدلنج لبورتسودان , ولكن الكورس عن كل ذلك مشغول طالما أجاد ترديد قافية القصيد المرسوم .