بابكر فيصل بابكر

مرَّت هذا العام الذكرى السادسة لوفاة المفكر والفيلسوف الكبير الدكتور فؤاد زكريا الذي يُعتبرُ من أهم المفكرين العرب الذين تناولوا في كتاباتهم أزمة “العقل العربي” من النواحي الفلسفية والسياسية, كما أنه أولى جهداً كبيراً في النظر والتحليل المتعمِّق لمشكلة “الإستبداد” وغياب الديموقراطية في العالم العربي وقد كان من أوائل المفكرين الذين بحثوا في ظاهرة الحركات الإسلامية المعاصرة.

ويُعتبرُ كتابه “التفكير العلمي” من أهم كتبه على الإطلاق, وهو كتابٌ يؤسِّسُ لضرورة التفكير العلمي بوصفه الطريق الوحيد إلى الخروج بالإنسان من التفكير الخرافي وبإعتباره المسلك الذي لا مناص من إعتماده للنهوض والإنبعاث الحضاري, وقد برع في شرح أهمية و ملامح ذلك التفكير وتوضيح الأسس التي ينبني عليها ومدى قدرة وفعالية ذلك النهج في التفكير وما يمكن أن يقود إليه من نتائج.

سأتناول في هذه الكلمة إحدى مقالات الدكتور فؤاد زكريا التي تُظهِرُ قدرتهُ على التشخيص الفكري السليم لبعض علل العقل العربي, وأعني مقالته ( أسطورتان عن الحاكم والأعوان ) التي نشرتها مجلة العربي الكويتية في العام 1983 والتي ظهرت فيما بعد ضمن كتابه “خطاب إلى العقل العربي”.

الأسطورة الأولى التي تحدَّث عنها الدكتور فؤاد هى أسطورة “الحاكم الذي لا يعرف”, وهذه تنتشر في ظل الحكم الفردي, وفي أغلب الأحيان يُرَّوجها النظام الحاكم نفسه, أو المتعاطفون معه, كما أنَّ الحاكم ذاتهُ قد يلجأ إليها في نهاية المطاف حين لا يعود في الإمكان كتمان فضائح مالية  أو جرائم لا إنسانية  أو تصرفات قمعية إرهابية فعندئذ تعلو الأصوات قائلة إنَّ : ( الحاكم نفسهُ رجلٌ رحيمٌ ، تجيشُ نفسهُ بالإنسانيةِ والوطنية وحُبِّ العدل ، ولا يفكر إلا في مصلحةِ شعبهِ ، ولكنَّ العيب كلهُ في المحيطين به ، وعادة يُصَّورُ هؤلاء المحيطون بأنهم ، في غالبيتهم ، مجموعة من الأشرار الذين لا يكتفون بإرتكاب جرائمهم, بل يخفونها عن الحاكم ، ويُصوِّرون له الأحوال دائما بصورة وردية . وماداموا هم وحدهم الذين يستطيعون الوصول إلي الحاكم ، فإنَّ هذا الأخير يظلُّ علي غيرعلم بممارساتهم التي تشوِّه صورتهُ أمام الناس دون قصد منه . وهكذا يُساء إلي الحاكم الإنسان نتيجة لشرور الأعوان ). إنتهى

تنتشر أسطورة “الحاكم الذي لا يعرف” – كما يقول الدكتور فؤاد – عندما يُضطر أنصار الحاكم الفرد إلى الإعتراف بوجود تناقض صارخ في تصرفاته ويعجزون عن تفسير هذا التناقض ، فهو من جهة يبدو حاكماً وطنياً صامداً في وجه أعداء الوطن يتبع سياسة تستهدف مصالح “الشعب”, ولكنه من جهة أخري يتغاضى عن الفساد و يسجن بلا حساب ويعتقل بلا دليل  ويقمع كل معارض ولا يسمحُ لصوتٍ بأن يرتفع إلا صوته وصوت أتباعهُ.

فكيف يمكن تفسير هذا التناقض ؟ يقول الدكتور فؤاد : ( إنَّ النصير المُتحِّمس للحاكم الفرد لا يجدُ وسيلة تفسير سوى أن يلجأ إلي ” أسطورة الحاكم الذي لا يعرف ” ، فيؤكد أنَّ الإيجابيات من صنعه هو (أى الحاكم) ،أما السلبيات فهى فمن صُنع المحيطين به ، وهو لا يعلمُ عنها شيئاً ولو كان يعلم لما سمح بها ، وعلي هذا النحو يظلُّ النصير المتحمِّس محتفظاً بمثله الأعلى نقياً من كل شائبة ، بينما يعزو إلى غيره كل الآثام والنقائص والإنحرافات ، وتظلُّ صورة الحاكم الفرد ، في نظر معبوده ، أشبه بإله لا يصدر عنه إلا الخير ، بينما الشرُّ كله من صنع الشيطان ). إنتهى

وأحياناً يتم تحوير الأسطورة قليلاً, فبدلاً من الحاكم الذي لا يعرف, تصبح “الحاكم الذي لا يقدر”, وفي هذه الصيغة المُعدَّلة ، تكون رغبة الحاكم أيضاً متجهة دائماً إلي الخير ، غير أنَّ : ( الذين يُحيطون به يفرضون عليه إجراءات ظالمة لا يكون هو ذاتهُ راضياً عنها ، ولكن لا مفر من ذلك من أجل مراعاة “توازن القوى” في الحكم، وضمان إرضاء كافة الأطراف ذات الوزن بين الفئة الحاكمة ، حتى تسير الدفة بأكبر قدر ممكن من الهدوء والإنسياب . وهكذا يضطر الحاكم ، برغم قوته وجبروته ، إلى توزيع بعض السُّلطات على الأعوان الذين يملكون بدورهم قدراً من القوة ، ويترك لكل منهم الحرية في ” قطاعه ” الخاص ، فإذا أساء أحدهم التصرف فإنَّ الحاكم لا يمكن أن يكون مسئولاً عما فعل ، بل هو مُضطرٌ الى المضي في “لعبة التوازن ” بلا توقف ، لأن سلامة الحكم وتوازنه تُحتِّمُ ذلك ). إنتهى

الأسطورة الثانية هى أسطورة ” الحاكم الذي لا يتنازل “, وهذه تسير في الإتجاه المُضاد للأسطورة الأولى, فهى لا تهدف للدفاع عن الحاكم المُستبد عن طريق نسبة كل أخطائه للأعوان, ولكنها تهدفُ للدفاع عن هؤلاء الأعوان عن طريق تأكيد أنَّ الحاكم لم يترك لهم شيئاً. ففي هذه الأسطورة يُصوَّر الحاكم : ( ممسِكاً بزمام كل شئ ، والتابع ـ حتي لو كان الرجل الثاني ـ لا يملك إلا أن ينظر الى ما يحدث في صمت ، لأنَّ رأيهُ غير مطلوب ، وإذا طُلب فهو غير مسموع ، فإذا سألت هذا التابع : ألا ترى كل هذه المظالم ؟ ألست أنت أيضاً مسئولاً عنها ؟ كان رده : إنني مغلوبٌ على أمري ، ” فالرجل الكبير ” هو الذي يفعل كل شئ ، وما عليَّ إلا أن أرقب الأمور صامتاً ). إنتهى

من الواضح أن هذه الأسطورة تقلب إتجاه الأسطورة السابقة : ففي الحالة الأولى كان الحاكم هو الطرف الصالح دائماً ، على حين أنَّ الفساد كله يأتي من الأعوان ، وكان الحاكم لا يعلم عن السلبيات شيئاً ، بينما الأعوان يعرفون عنها كل شئ لأنهم هم الذين يرتكبونها ، وكان الحاكم لا يهتم إلا بالعموميات والقرارات الحاسمة ، ويترك التفاصيل للأعوان الذين يسيئون إستخدامها . أما في الحالة الثانية فإنَّ الحاكم وحدهُ هو صاحب القرار وصاحب القدرة ، وأقوى أعوانه لا يملك إلي جانبه شيئاً ، ولا يستطيع أن يغير من الأمر كثيراً أو قليلاً ، حتى في التفاصيل والجزئيات.

ولكن الأمر الذي يدعو للدهشة – كما يقول الدكتور فؤاد – هو أنَّ هاتين الأسطورتين : ( على الرغم من تناقضهما ، كثيراً ما يطلقان على حاكم واحد . فأنصاره يروِّجون الأسطورة الأولى ، وربما إعتنقوها عن إيمان ، فيلتمسون له العذر عن أخطائه المنسوبة دائماً إلى المحيطين به ، وخصومه ينشرون الأسطورة الثانية ويلتمسون العذر لأنفسهم لأن الحاكم لم يكن يقبل ” التنازل” عن شئ . فهل يُعقل أن يكون الحاكم نفسه عارفاً بكل شئ ، وغير عارف بالكثير ؟ وهل يُعقل أن يكون ، في آن واحد ، خيِّراً وشريراً ، رحيماً وطاغية ، مشاركاً للغير ومستحوذاً على كل شئ ؟).

 

في تحليله وتفكيكه لهاتين الأسطورتين يقول الدكتور فؤاد : ( لقد أطلقنا إسم “الأسطورة ” على هذه التفسيرات التي تشيع في نظم الحكم الفردية التسلطية لأنها لاتعدو بالفعل أن تكون وهماً كبيراً تسلط على العقول وشوَّه نظرتها الى عملية الحكم وعلاقة الحاكم بأعوانه وبالمجتمع الذي يحكمه ، فنحن نخدع أنفسنا ونكشف عن قصور تفكيرنا في كل مرة نبرِّر فيها أخطاء الحاكم بأنها وقعت لأنه لم يكن يعرف ، ونحصر مسئولية الأخطاء في التابعين والمعاونين ، أو نلتمس فيها العذر لتابع الحاكم على أساس أنه كان مغلول اليد ، ونحصر مسئولية الأخطاء في الحاكم الفرد الذي لا يتنازل عن شئ).

إنَّ تصوير الحاكم في صورة الإنسان الوطني, الرحيم, الذي تحيط به مجموعة من الأشرار هو خرافة لا مكان لها إلا في عقول السذج ذلك لأنَّ ( الحاكم الذي يكون في هذا النمط من الحكم الفردي المتسلط ـ هو الذي يختار معاونيه ، وهو الذي يملك قدرة تغييرهم ، ولولا أنه يرتاح لعملهم ، ولأسلوبهم في التعاون معه ، لما بقوا في مناصبهم لحظة واحدة ، ومعاونوه هؤلاء إما أن يكونوا على شاكلته ، وإما أن يكونوا مكملين له في عملية توزيع للأدوار يعهد فيها إليهم بالأعمال التي لاتتناسب مع مكانته أو مشاغله ، والصورة التي يتخيلها البعض ، في أنظمة الحكم التسلطية ، عن حاكم خيّر يحيط به معاونون من الأشرار هي – ببساطة – صورة تتنافر أجزاؤها ويستحيل أن تتجمع عناصرها ، إذ أن السلطة المطلقة للحاكم تحتم عليه ألا يعمل إلا من خلال أشباهه أو المتكاملين معه ). إنتهى

النظرة الواقعية الي الأمور – كما يقول الدكتور فؤاد – تثبت أنَّ الحاكم المتسلط يعرف كل شئ عن معاونيه المحيطين به ، وعن جرائمهم التي تسمى في لغتنا التي إعتادت علي التهذيب المنافق ” إنحرافات” أو حتي “تجاوزات” ، ولكنه يغض الطرف عنهم ماداموا يسايرونه ويخدمون أهدافه ، أما اذا خالفوا أوامره فإنَّ الملفات المحفوظة تخرج من الأدراج ، وتبدأ الفضائح ، وهكذا فان الحاكم هنا ” يعرف ” ، ولكنه لا يستخدم معرفته لمنع الضرر عن الشعب ، بل يوظفها من أجل إحكام سيطرته وضمان طاعة معاونيه ، أي من أجل تحقيق مصالحه الخاصة في نهاية الأمر.

أما الأسطورة الأخري – أسطورة التابع المغلوب على أمره لأنَّ الحاكم يمسك بيده زمام كل شئ ولا يريد أن يتنازل ، فهي بدورها ظاهرة – بحسب الدكتور فؤاد – لا تقوم إلا في ظل نظام تسلطي يجعل من التابعين أذناباً طائعين، أو شهوداً صامتين. وأبسط فهم لطبيعة المشاركة في عملية الحكم يقنعنا بأنَّ التابع يظل مسئولاً ، حتى لو كان يقف متفرجًا ولا يشارك في الجرائم أو الإنحرافات ، لمجرد أنه قبل البقاء في السلطة.

إنَّ ذيوع هذه الأساطير، بين جموع شعبية هائلة إنما يعكس قصور الوعي السياسي ، الذي هو حصيلة عقود غير قليلة من الحكم الفردي التسلطي . وهو يكشف عن نسيان الانسان العادي ، في أحيان كثيرة ، لأبسط مبادئ الديموقراطية، ومعنى مسئولية الحكم ـ وهو نسيان لا يمكن أن يعد هذا الإنسان ذاته مسؤلاً عنه. وإنما هو نتيجة تربية سياسية تراكمت أخطاؤها على مدي عشرات السنين.

ويختم الدكتور فؤاد زكريا مقاله بالقول : ( لا أودُّ أن أختتم مقالي هذا إلا بعد أن أوجه الى القارئ العربي تنبيهًا مماثلاً لما نجده في مقدمة بعض القصص والأفلام التي هي عادة أقرب من غيرها الى التعبير عن حقائق الواقع المرير. هذا التنبيه هو أنَّ أي تشابه قد يجده القارئ بين مضمون هذا المقال وبين حالة هذا البلد العربي أو ذاك ، لم يأت إلا بمحض الصدفة).