رشا عوض

هذه الدراسة المنشورة ضمن سلسلة “قراءة من أجل التغيير” التي يصدرها “مشروع الفكر الديمقراطي” هي مساهمتي المتواضعة في الاحتفاء بثورة أكتوبر، فقد اخترت الاحتفاء  عن طريق إثارة الجدل  لا استثارة العواطف.  رشا عوض

مقدمة:

في سياق البحث عن مخرج للسودان من حالة عدم الاستقرار السياسي المزمنة، وتأسيس حكم ديمقراطي قابل للاستمرار والتطور، لا بد من تغيير جذري في الأفكار والمفاهيم، ومثل هذا التغيير بالضرورة سوف يسفر عن منهج جديد في تحليل وتقييم المحطات المفصلية في تاريخ السودان السياسي، حتى يكون العمل للمستقبل مسترشدا بدروس التاريخ، مما يجنب البلاد تكرار الأخطاء التاريخية ومن ثم إعادة إنتاج الأزمات، في بلد ظل الثابت الوحيد في مسيرته السياسية منذ استقلاله عام 1956 هو “الأزمة”! ممثلة في الحروب الأهلية، الفشل الاقتصادي والتنموي، انهيار الخدمات الأساسية، وإهدار حقوق الإنسان، وبكل تأكيد فإن كل هذه الأزمات مرتبطة عضويا بالأزمة السياسية.

هذه الورقة تهدف الى تسليط الضوء على  مسئولية الأحزاب السياسية عن انهيار النظام الديمقطراطي عقب “ثورة أكتوبر”، وسوف تركز الورقة عن قصد على الحزبين الذين حققا الأغلبية وتوليا السلطة(حزب الأمة، الوطني الاتحادي)، وهذا لا يعني أن أداء  أحزاب المعارضة والتنظيمات النقابية وصناع الرأي العام من مفكرين ومثقفين  وإعلاميين ليس له تأثير في (إنجاح أو إفشال) النظام الديمقراطي، لا سيما في البلدان التي تكون (ديمقراطيتها) في طور التأسيس وتطوقها معضلات واقع متخلف، فلا بد من التقييم النقدي لكل هذه المفردات ومدى فاعليتها في تحريك الواقع باتجاه أجندة التغيير ومدى إبداعها ومثابرتها في تكريس الديمقراطية، ولكن نظرا لأن من يحتل موقع صنع القرارالتشريعي والتنفيذي هو من يتحمل المسئولية المباشرة عن الأداء السياسي والإداري والاقتصادي في الدولة، وعن الدفاع عن النظام الديمقراطي وحمايته لأن زمام المبادرة في يده بحكم امتلاكه للسلطة وللتفويض الشعبي، فقد جاء تركيز الورقة على (أداء الأحزاب الحاكمة بعد ثورة أكتوبر)،

فأفضل طريقة لإحياء ذكرى أكتوبر  والاحتفاء بها هي إعمال الفكر في استكشاف أسباب ضياعها وسقوطها ثمرة ناضجة في أيدي العسكر عام 1969م، ومن ثم استكشاف السبل المثلى في بناء الديمقراطية  والحفاظ عليها.

 يجب أن يكون المنهج المتبع في تقييم “التجربة الأكتوبرية” بعيدا عن الهتافية والفوران العاطفي الذي الذي يختزل التجربة التي امتدت لخمسة أعوام في لحظتين:

لحظة سقوط النظام العسكري(نظام الفريق إبراهيم عبود) وانتصار الإرادة الشعبية، أي حدث الانتصار المحبب للنفس وفيه نتبوأ مقاعد الأبطال،

 ولحظة سقوط النظام الديمقراطي (بانقلاب 25مايو 1969  بقيادة جعفر محمد نميري)التي نتحول فيها بصورة دراماتيكية إلى ضحايا! وننسى أو نتناسى مع سبق الإصرار والترصد المسافة الزمنية الفاصلة بين اللحظتين! وما حدث فيها من أخطاء وخطايا وإخفاقات كانت السبب المباشر، او على أقل تقدير كانت من الأسباب المهمة في انهيار التجربة الديمقراطية.

فإذا أردنا بالفعل التأسيس لحكم راشد وديمقراطية مستدامة ووضع حد حاسم ونهائي لحالة عدم الاستقرار السياسي في السودان، فمن غير  المفيد ان نستهلك كل طاقاتنا في تصويب اللعنات إلى الدكتاتوريات والانقلابات العسكرية التي أتت بها، وهي بلا أدنى شك لعنات مستحقة بحكم ما جرته  تلك الدكتاتوريات على البلاد من كوارث ومآسي، ولكننا في مقام التواصي بالوطنية الراشدة والديمقراطية الراسخة يجب أن ندرك أن الانقلابات العسكرية لا تمطرها  سماء السودان! بل تنبتها أرضية الفشل السياسي والإخفاق التنموي والمكايدات والصراعات الحزبية التي تخرق قواعد اللعبة الديمقراطية قبل أن يخرقها البيان رقم(1)!

وهذا بالضبط ما حدث في العهد الأكتوبري، فالاحتفاء بأكتوبر وتمجيدها( الواجب بلا أدنى شك) لا يجب أن ينسينا حقيقة أن انقلاب مايو عندما وقع كانت البلاد تعيش أزمة دستورية، وفراغا سياسيا وإخفاقا في إدارة البلاد،  مما يستوجب مساءلة تاريخية للأحزاب السياسية التي كانت حاكمة في تلك الفترة.

إن تداول مثل هذه الحقائق في هذا المنعطف التاريخي الحرج الذي تجتازه البلاد الآن، وهي تدفع ضريبة الحكم الاستبدادي دما نازفا ودموعا حرى ونزوحا وتشردا وفقرا مدقعا لا بد أن يكون في سياق البحث عن البديل الديمقراطي الناضج، والذي لديه القدرة على الاستمرارية ومن ثم النماء والتطور، وليس في سياق تبرير النهج الانقلابي والتبشير بالبديل الشمولي الذي أورد البلاد موارد الهلاك، لأن هذه سباحة عكس تيار التاريخ يمارسها بعض سدنة الدكتاتورية، وبعض الذين يجهلون حقيقة أن توطين الديمقراطية في “ظروف التخلف” عملية معقدة وتراكمية تحتاج إلى الصبر والمثابرة والجهد الفكري، ولا يدركون أن عثرات أية تجربة ديمقراطية في بلادنا يجب أن تكون جزءا لا يتجزأ من رصيد التجربة الوطنية،  وتجب الاستفادة منه  في إثراء الوعي الديمقراطي، لا ان يكون ذريعة  لمصادرة الحق الديمقراطي.

مدخل:

تنطلق هذه الورقة من فرضيتين:

الفرضية الأولى: ان  الأحزاب السياسية التي تولت الحكم بعد “ثورة أكتوبر” شريك أساسي في المسئولية عن ضياع أكتوبر كفرصة تاريخية لتحقيق تحولات نوعية في المسار الوطني السوداني، عبر بلورة اتفاق قومي حول التوجه الكلي للبلاد فيما يتعلق بإنجاز”أهداف ما بعد الاستقلال” ممثلة في تحقيق الوحدة الوطنية عبر توافق وتواثق وطني يستوعب مكونات السودان المتعددة والمتنافرة، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للنهوض بمستوى حياة السودانيين،  والشرط الابتدائي لتحقيق هذين الهدفين الرئيسين هو تأسيس النظام السياسي المستقر والذي لديه الكفاءة لتحقيق هذين الهدفين، لا أعني بالطبع تحقيقهما ضربة لازب في دورة برلمانية واحدة مثلا، فهذا غير ممكن لأن هذه الأهداف التاريخية تتحقق عبر مراحل، ولكن ما أعنيه تحديدا هو ضبط بوصلة البلاد السياسية في الاتجاه المؤدي الى تحقيق هذه الأهداف، أي ان تكون المرجعية العليا في حكم البلاد ممثلة في الدستور، وهياكل النظام السياسي والإداري ومؤسساته ذات جدوى وكفاءة لوضع البلاد في بداية الطريق المؤدي لتحقيق الهدفين المذكورين، وانطلاقا من هذه الفرضية سوف يتم تقييم الورقة لدور الأحزاب التي حكمت بعد “أكتوبر”  في إجهاض التجربة الديمقراطية،  وذلك باستعراض أهم أوجه القصور في الأداء السياسي للاحزاب في تلك الحقبة، وسوف يتم تناول ذلك في المحور الأول من الورقة.

الفرضية الثانية:  ان “مأزق الديمقراطية في السودان” معضلة متعددة الأسباب، وهي أسباب لا تنحصر في أن الأحزاب التقليدية ذات القاعدة الشعبية الكبيرة التي تأتي بها الانتخابات إلى الحكم فاقدة الى حد كبير للتأهيل الديمقراطي وضعيفة الأداء في إدارة الدولة، بل تشمل كذلك غياب الديمقراطية كفلسفة وكثقافة سياسية حتى عن المرجعيات الفكرية للأحزاب الحديثة(اليسارية والإسلامية)، مما يجعل هذه الأحزاب تتعامل مع “الديمقراطية” تعاملا تكتيكيا، ولا تعتبرها من الثوابت الاستراتيجية، وهناك معطيات إقليمية ودولية لها أيضا تأثير سلبي على استقرار الخيارالديمقراطي في السودان، لا سيما في حقبة الستينات من القرن العشرين حيث كانت التيارات السياسية والفكرية  الصاعدة آنذاك(اليسار العروبي القومي واليسار الماركسي) لا تلقي بالا للديمقراطية بل كانت تناصبها العداء السافر! ولكن الورقة تحمل مسؤولية الفشل في استدامة الديمقراطية في السودان بالدرجة الأولى للسودانيين أنفسهم، وسوف يتم تناول ذلك في المحور الثاني.

أما المحور الثالث فهو(نحو الخروج من المأزق) وسوف يشرح وجهة نظر الورقة في أن “ترجيح كفة الخيار الديمقراطي في السودان” يجب ان يكون هدفا وطنيا استراتيجيا لقوى الاستنارة من مفكرين ومثقفين ونشطاء، وللفاعلين في الحقل السياسي على اختلافهم، وأن نقد الأحزاب وممارساتها في العهود الديمقراطية يجب ان يكون في سياق البحث عن البديل الديمقراطي الناجح وليس في سياق التأسيس لمشروعية الاستبداد والنظم الدكتاتورية باختلاف صورها.

ثم تطرح الورقة في خاتمتها عددا من الأسئلة المحورية المطروحة بإلحاح على الفكر السياسي السوداني في سياق رسم ملامح البديل الديمقراطي القادر على اجتياز معضلة الحفاظ على وحدة ما تبقى من السودان في ظل نظام سياسي متوافق عليه، قادر على تحقيق السلام والاستقرار والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وهذه للمفارقة هي ذات أهداف “ما بعد الاستقلال” التي كانت تتحدى السودانيين غداة انتصار”ثورة أكتوبر”! والاختلاف هو ان التحدي اليوم هو أكثر صعوبة وتعقيدا، وهذا أبلغ شاهد على عمق الأزمة الوطنية!البشير عبود نميري

 

المحور الأول: قصور الأحزاب الحاكمة بعد أكتوبر في تحقيق الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي:

 

التعامل مع قضية جنوب السودان:

 

عندما اندلعت ثورة أكتوبر كانت الحرب في الجنوب تصاعدت الى حد غير مسبوق وكان هذا أكبر مظاهر إخفاق نظام عبود الذي واجه مشكلة الجنوب بالحسم العسكري وسياسات القمع والأسلمة والتعريب، وبالتالي كان على رأس أهداف “ثورة أكتوبر” حل مشكلة جنوب السودان، وأهم قضيتين في هذا الإطار قضية الحكم الإقليمي، وقضية علاقة الدين بالدولة في دستور البلاد الدائم، وبالنسبة لقضية الحكم الإقليمي او اللامركزي لم تعد في العهد الاكتوبري مجرد مطلب جنوبي (مطلب الفيدرالية الذي جعله النواب الجنوبيون شرطا لتصويتهم لصالح استقلال السودان من داخل البرلمان عام 1955م وقد وافق الشماليون على هذا الشرط)   بل اصبح الحكم الإقليمي(ان تحكم الاقاليم نفسها ذاتيا ) مطلبا في مختلف أقاليم السودان توحد حوله الجنوب، وجبال النوبة ممثلة ب(اتحاد عام جبال النوبة)،والشرق ممثلا في مؤتمر البجا، والغرب ممثلا في جبهة نهضة دارفور. وبالتالي فقد كان واضحا ان استقرار السودان السياسي ووحدته الوطنية تتطلب الاستجابة لمطلب الحكم الإقليمي.

كيف تعاملت الأحزاب الحاكمة بعد أكتوبر مع مطلب الحكم الإقليمي؟

 كان من توصيات لجنة الاثني عشر التي أعقبت مؤتمر المائدة المستديرة  تضمين الحكم الإقليمي في الدستور، فقد توحدت أحزاب سانو وجبهة الجنوب ومؤتمر البجا واتحاد جبال النوبة حول هذا المطلب، ولكن الأحزاب الحاكمة والصحف المؤثرة على الرأي العام اعتبرت مطالب الاقاليم بالحكم الاقليمي نزعة عنصرية، ووصفت التجمع الإقليمي الذي ينادي بهذه المطالب بالتجمع العنصري ورفضت في اجتماع “كل الاحزاب الذي ضم الاحزاب الشمالية” فكرة الإقليمية[1] وتأسيسا على ذلك اسقطت فكرة الحكم الإقليمي او اللامركزية من مشروع دستور السودان الدائم 1968 م، 

فقد تم انتخاب الجمعية التأسيسية المنوط بها وضع دستور السودان الدائم في يوليو 1965 م، ولم يكن في تلك الجمعية تمثيل لجنوب السودان سوى نائب واحد هو المرحوم جوزيف قرنق الذي رشحه الحزب الشيوعي في دوائر الخريجين، حيث تم استثناء الجنوب من إجراء الانتخابات بسبب الظروف الأمنية، وبعد ان تمت الانتخابات التكميلية في الجنوب، كونت الجمعية التأسيسية لجنة لوضع الدستور الدائم تبعها تعيين الحكومة للجنة فنية من القانونيين لصياغته عام 1967م، ولكن اللجنة لم تكمل جهدها، لأن الصراعات والانقسامات الحزبية أدت إلى حل لجنة الدستور، بل حل الجمعية التأسيسية نفسها في فبراير عام 1968م ، فعلق موضوع الدستور حتى انتخاب جمعية تأسيسية جديدة في مايو 1968م، ولكن اتجهت الأحزاب الحاكمة ليس فقط الى تجاهل مطالب الجنوب والأقاليم النائية في الحكم الإقليمي في مشروع الدستور، بل تضمن مشروع الدستور نصوصا تكرس للمركزية، كالمادة الثانية التي نصت على أن “جمهورية السودان دولة موحدة ذات سيادة على جميع الأقاليم الواقعة داخل حدودها الدولية” دونما أدني إشارة للامركزية او الحكم الإقليمي، والمادة الثامنة التي نصت على ان” تعمل الدولة على توطيد روح الوحدة والتضامن بين كافة السودانيين والقضاء على النعرات العنصرية والإقليمية”[2]   

وعبارة(النعرات العنصرية والإقليمية) هي الوصف الذي كانت تطلقه الاحزاب الشمالية  الحاكمة على تكتلات الاقاليم(الجنوب، جبال النوبة، دارفور، شرق السودان) خلف مطالب الحكم الذاتي والمشاركة الفعلية في السلطة المركزية ورفع المظالم السياسية والتنموية الواقعة عليها، واختزال مثل هذه المطالب في انها (نعرات عنصرية)، كان دليلا على قصور الاحزاب الحاكمة في استيعاب اخطر مشكلة واجهت وما زالت  تواجه الوحدة الوطنية في السودان، ففكرة (اللامركزية) في الحكم  بصورها المختلفة من فدرالية أو  حكم  إقليمي هي ضمانة قوية للوحدة الوطنية وليس العكس كما كان سائدا بين احزاب الشمال! لأن الدول الكبيرة المترامية الأطراف وذات التعدد العرقي والديني والثقافي مثل السودان، لكي تستمر موحدة لا بد ان تعترف الدولة  بهذه التعددية وتدفع استحقاقاتها كي لا يشعر اقليم من الأقاليم بالاقصاء او بهضم حقوقه بسبب هيمنة المركز، ولكن الاحزاب الحاكمة بعد أكتوبر رأت في إحكام القبضة المركزية صمام أمان للوحدة الوطنية! رغم أن  الجنوب كان يشتعل حربا بسبب التظلمات السياسية والاقتصادية، وقد اشتعل فيه القتال مجددا عام 1966م وما تلاه بسبب إهمال مقررات لجنة الاثني عشر، ورغم ان الاقاليم الاخرى دقت جرس الإنذار، وقد تطور هذا الجرس الى حروب شبيهة بحرب الجنوب منذ الثمانينات وحتى الآن!

ان استخفاف الأحزاب الحاكمة بعد أكتوبر بمطالب الأقاليم التي باتت تعرف الآن بالأقاليم المهمّشة فضلا عن أنه مثل قصورا بالغا في مفهوم (الوحدة الوطنية) لدى هذه الأحزاب، مثل كذلك “آفة العنصرية الكامنة” في العقل السياسي لتلك الأحزاب، فوصف من يطالب بحقوق سياسية واقتصادية في وطنه لإنصاف الإقليم الذي ينتمي إليه داخل الوطن ب”العنصرية” لا يعدو ان يكون “موقفا عنصريا” يستبطن فكرة ان الوضع الطبيعي لأقاليم السودان القصية جنوبا وغربا وشرقا هو ان تقنع بما تمنحه لها أحزاب الشمال وليس لها الحق في ان تكون لها رؤيتها المستقلة ومشاركتها في حكم نفسها ناهيك عن حكم السودان ككل.

غبوش

 الأحزاب الحاكمة بعد اكتوبر وعلاقة الدين بالدولة:

لقد شهدت السنوات التي أعقبت ثورة أكتوبر استغلالا للدين في الصراع السياسي بصورة كبيرة، وتحديدا في صراع الأحزاب الحاكمة(الأمة والوطني الاتحادي) مع الشيوعيين وهذا ما سنفصله لاحقا، وعلى خلفية هذا الصراع، وعلى خلفية تنامي تأثير جماعة”الاخوان المسلمين” على الأحزاب الحاكمة، جاء مشروع الدستور الدائم 1968م ينص في مادته الأولى على أن “السودان جمهورية ديمقراطية اشتراكية على هدى الإسلام” وينص في مادته الثالثة على ان “الإسلام هو دين الدولة الرسمي” ، وكان الدكتور حسن الترابي قد رفع مذكرة للجنة الدستور داعيا فيها الى ترجيح الالتزام بالدستور الإسلامي، لأن الجمهور في السودان جمهور مسلم، ولهذا لا بد ان يمثل دستور السودان قيمه، خاصة وأن الإسلام(عقيدة أهل السودان ) وبخلاف كل الأديان الأخرى، هو دين ودولة يأمر بالحكم بما أنزل الله[3]

وقد كان “الدستور الإسلامي” ضربة في الصميم للوحدة الوطنية، وتكريسا للتمييز بين المواطنين على أساس ديني، فضلا عن ان الحماسة لفكرة الدستور الإسلامي اعتمدت على تأجيج العاطفة الدينية ولم تكن مسنودة بأية تصورات نظرية وبرامج عملية لما يجب ان يكون عليه الحكم الإسلامي المزعوم، وقد اعتبر الاستاذ محمود محمد طه هذا الدستور ساقطا قبل التصويت عليه، منطلقا في ذلك من “الفكرة الجمهورية” التي ترى ان لا “ديمقراطية” في الشريعة الإسلامية القائمة على ما يسميه ب”آيات الفروع” ومنها آية الشورى، والشورى حسب “الفكرة الجمهورية” ليست هي الديمقراطية الدستورية بل هي “وصاية الرشيد على القاصر” التي كانت ملائمة لظروف القرن السابع الميلادي، وقد استدل الأستاذ محمود محمد طه على “المأزق الفكري” الذي يعانيه دعاة”الدستور الإسلامي” في ذلك الوقت من أحد  محاضر مداولات الجمعية التأسيسية، وتحديدا محاصرة فليب عباس غبوش(اتحاد عام جبال النوبة) للدكتور الترابي في قضية حق غير المسلم في تولي رئاسة الدولة :

السيد موسى المبارك: جاء في مذكرة اللجنة الفنية نبذة حول (الدستور الإسلامي) في صفحة (7) أن يكون رأس الدولة مسلما، أود أن أسأل هل لغير المسلمين الحق في الاشتراك لانتخاب هذا الرئيس؟
السيد حسن الترابي: ليس هناك ما يمنع غير المسلمين من انتخاب الرئيس المسلم، الدولة تعتبر المسلمين وغير المسلمين مواطنين، أما فيما يتعلق بالمسائل الاجتهادية فإذا لم يكن هناك نص يترك الأمر للمواطنين عموما، لأن الأمر يكون عندئذ متوقفا على المصلحة، ويترك للمواطنين عموما أن يقدروا هذه المصلحة، وليس هناك ما يمنع غير المسلمين أن يشتركوا في انتخاب المسلم، أو أن يشتركوا في البرلمان لوضع القوانين الإجتهادية التي لا تقيدها نصوص من الشريعة
السيد فيليب عباس غبوش: أود أن أسأل ياسيدي الرئيس، هل من الممكن للرجل غير المسلم أن يكون في نفس المستوى فيختار ليكون رئيسا للدولة؟
الدكتور حسن الترابي: الجواب واضح ياسيدي الرئيس فهناك شروط أهلية أخرى كالعمر والعدالة مثلا، وأن يكون غير مرتكب جريمة، والجنسية، وما إلى مثل هذه الشروط القانونية.
السيد الرئيس: السيد فيليب عباس غبوش يكرر السؤال مرة أخرى
السيد فيليب عباس غبوش: سؤالي يا سيدي الرئيس هو نفس السؤال الذي سأله زميلي قبل حين – فقط هذا الكلام بالعكس – فهل من الممكن أن يختار في الدولة – في إطار الدولة بالذات – رجل غير مسلم ليكون رئيسا للدولة؟
الدكتور حسن الترابي: لا يا سيدي الرئيس[4]

وإجابة الترابي القاطعة تلك كانت كافية لتلخيص المأزق الذي دخلت فيه الدولة السودانية، (أي تعريف نفسها بأنها دولة إسلامية من ضمن شروط تولي منصب الرئاسة فيها الاسلام، وعندما يضمن مثل هذا الشرط في الدستور فهذا بمثابة دق اسفين بين المواطنين المسلمين والمواطنين غير المسلمين). والترابي نفسه الذي قطع بعدم أحقية المسلم في رئاسة الدولة في الستينات، هو ذات الترابي الذي لم يجعل “الإسلام” شرطا لتولي رئاسة جمهوريته الإسلامية في دستور عام 1998 الذي كتبه بيديه! ولكن لا نستطيع الرهان على هذا التطور الحميد في موقف الترابي، لأنه غير مسنود بمنهج فكري متماسك ومنضبط، بل هو موقف ظرفي أملته “ضغوط الواقع السياسي”.

 المسئول الأول عن عدم حسم قضية الحقوق والواجبات في الدولة  السودانية على أساس”المواطنة فقط” وإغلاق الباب أمام الدخول في متاهات “الإسلام السياسي” التي ما زال السودان تائها فيها،   هو الأحزاب التي تولت الحكم بعد “ثورة أكتوبر” وتحديدا “حزب الأمة” و”الوطن الاتحادي”، فجبهة الميثاق التي يتزعمها الترابي في ذلك العهد والتي ضغطت بأقصى ما تستطيع في اتجاه الدستور الاسلامي مستخدمة الخطاب العاطفي التهييجي  لم تكن حزبا مؤثرا ووزنها في الجمعية التأسيسية كان ضئيلا جدا لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، ولكنها نجحت في فرض فكرة الدستور الإسلامي، وفي إقصاء الحزب الشيوعي من الساحة السياسية والسبب في ذلك هو ان الحزبين المؤتلفين في الحكم تجاوبا بحماس كبيرمع هذه الأهداف، ترجيحا لمصالح حزبية ضيقة تتمثل في إقصاء الحزب الشيوعي تماما من الساحة، ليس بسبب “كفره وإلحاده” بل بسبب التحدي السياسي الذي يمثله لهذين الحزبين، بسبب “نوع القضايا” التي يطرحها ويحشد الناس حولها، وبسبب نفوذه في الحركة النقابية، وبسبب اكتساحه لأغلبية دوائر الخريجين مما يمثل بروز قوة سياسية جديدة غير مرحب بها.

الحماس لفكرة “الدستور الإسلامي” بالنسبة للحزب الوطني الاتحادي بزعامة السيد إسماعيل الأزهري كان محض انتهازية سياسية لإقصاء الشيوعيين، لأن الحزب أسسه مثقفون لبراليون علمانيون، ولم يتأسس على مرجعية دينية، اما بالنسبة لحزب الأمة، فرغم ان قاعدته الاجتماعية هي “طائفة الأنصار” ، ورغم ان مؤسس وراعي الحزب هو الإمام عبد الرحمن المهدي إمام الأنصار، إلا ان مؤسسي حزب الأمة الأوائل من مثقفين وتكنوقراط اختطوا للحزب نهجا أقرب ما يكون للعلمانية، اما بعد ثورة أكتوبر فقد تبلور في حزب الأمة توجه إسلاموي يمثل الإمام الهادي نسخته التقليدية المحافظة، ويمثل السيد الصادق المهدي نسخته التجديدية الحديثة، وبقراءة متأنية لتاريخ تلك الحقبة وما تلاها، نستطيع استنتاج ان ذلك التوجه الإسلاموي لحزب الأمة لم يكن مفيدا، لا للإسلام، ولا للسياسة السودانية، حيث لم يتبلور في ذلك الحين، بل وحتى هذه اللحظة مشروع سياسي واضح ومفهوم مستمد من الاسلام له قدرة على مجابهة إشكالات الواقع السوداني، فذلك التوجه الإسلاموي لم يكن له من مردود سوى انه ادخل “الإرهاب الديني” للخصوم السياسيين كآفة جديدة في الصراع السياسي وظلت هذه الآفة ملازمة للسياسة السودانية منذ ذلك الحين وحتى هذه اللحظة.    

لم يقتصر الضرر الذي تسبب فيه  استغلال الدين في إقصاء الخصوم السياسيين وإقحامه في مشروع الدستور الدائم بتلك الصورة، ثم استبعاد مطالب الأقاليم المظلومة سياسيا وتنمويا ممثلة في الحكم الإقليمي  من ذلك المشروع، لم يقتصر على إفشال التجربة الديمقراطية الأكتوبرية فحسب، بل إن الضرر كان أبعد وأعمق من ذلك! إذا أخذنا في اعتبارنا واقع تفكك الدولة السودانية الماثل أمامنا الآن، فمن أسباب هذا التفكك ان القوى التي كان واجبها التاريخي يحتم عليها  تقوية رابطة المواطنة بين السودانيين بحيث يكون “الانتماء للسودان هو الرابطة الأقوى بين السودانيين” انهمكت هذه القوى بسبب قصورها الفكري وتغليبها للمصالح الحزبية في إطار الصراع على السلطة، انهمكت في كل ما من شأنه إضعاف هذه الرابطة.

 وفي موضوع “علاقة الدين بالدولة” شهدت أكتوبر تراجعا كبيرا  في موقف “حزب الأمة” الذي اتسم في عهد الديمقراطية الأولى(1956- 1958م) بقدر من العقلانية والحرص على الوحدة الوطنية، ففي بدايات عهد الاستقلال(1956 – 1958م) لم يستخدم الدين كأداة في الصراع السياسي من قبل الأحزاب السياسية ذات الثقل والتأثير(حزب الأمة، الوطني الاتحادي، حزب الشعب الديمقراطي)، فلم يشهد ذلك العهد حديث عن دولة إسلامية يحكمها دستور إسلامي وتطبق فيها الشريعة الإسلامية، بل كانت قيادات الأحزاب الكبيرة حريصة على إبقاء الدين بعيدا عن الصراعات السياسية، صحيح لم يخل ذلك العهد تماما من دعوات ومطالبات بأسلمة الدستور، و”الحكم بما أنزل الله”، فقد طالب مشايخ المعهد العلمي بأن يتم تمثيلهم في “اللجنة القومية للدستور” التي أرسلوا لها مكتوبا ورد فيه( كل دستور لا يستمد من الشريعة الإسلامية فهو حكم بغير ما أنزل الله، ولذا فهو حكم باطل بمقتضى قوله تعالى(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)) كما طالب هؤلاء المشايخ زعماء الأحزاب ومشايخ الطرق الصوفية وزعماء العشائر بمساندتهم في تلك الدعوة[5]، ولكن لم تستجب القيادات السياسية والقيادات الدينية لتلك الدعوة، 

وعندما تحدث الأستاذ بابكر كرار – وهو من الاخوان المسلمين – عن الدستور الإسلامي في مداولات اللجنة القومية الثانية للدستور رد عليه الأستاذ محمد صالح الشنقيطي[6] رئيس اللجنة بأن(الحديث عن الدستور الإسلامي حديث غوغائي)[7]

في 22/ مايو/ 1958م عقدت الجمعية التأسيسية لوضع الدستور أول اجتماع لها للتدارس في المشروع الذي تقدمت به اللجنة القومية التي أنيط بها وضع مسودة الدستور، وكان من بين المقترحات التي تسلمتها الجمعية مقترح من القوى الإسلامية بزعامة الاخوان المسلمين تدعو فيه إلى تبني دستور إسلامي للحكم، وجاء في ذلك المقترح ان بلدا كالسودان حيث الهيكل الاجتماعي قائم على العادات العربية والسنن الإسلامية ، وحيث إن غالبية أهله من المسلمين، فمن الواجب ان تستقى المبادئ العامة للدستور من الإسلام، وأن القوانين التي تحكم البلاد ينبغي ان تسن وفقا لمبادئ الإسلام الأساسية، وأن الإسلام دين ودولة[8]، ولكن تمت معارضة هذه المقترحات من الاحزاب الكبيرة في البرلمان، حيث صوت أعضاء حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي في  الجمعية التأسيسية ضد هذه الآراء مرتين، رغم أن الأخوان المسلمين أسسوا ما أسموه (الجبهة الإسلامية للدستور)،و لوحوا بالتأييد الذي تلقوه من كل من: السيد عبد الرحمن المهدي زعيم طائفة الأنصار، والسيد علي الميرغني زعيم طائفة الختمية، وقاضي القضاة الشيخ حسن مدثر الذي بعث مذكرة للجمعية التأسيسية يدعوها لوضع دستور إسلامي

ردت الجمعية التأسيسية بان (السودان يتألف من أهل معتقدات وأديان مختلفة الأمر الذي يتطلب البحث عن هوية أوسع ينتمي لها المواطنون بدلا من الانتماء لديانة معينة. كما ذكرت ان مبدا المساواة أمام القانون يحتم عدم إقامة الدولة على أساس ديني. جاء أيضا في التقرير حول الدستور المقترح ان جميع الحضارات ساهمت بنصيب وافر في صوغ الأفكار التي قامت عليها الأنظمة الديمقراطية ، ولهذا ليس من الضروري بالنسبة للسودان أن يرجع إلى الإسلام لتعريف الديمقراطية، وأخيرا قالت إن ثمت مخاوف تنتاب الجنوبيين نتيجة لإصدار دستور قائم على أساس ديني، فالدين لله والوطن للجميع)[9]

وقد كان وراء هذه الآراء كل من محمد صالح الشنقيطي(من حزب الأمة)، الذي عمل قاضيا شرعيا، وكان على دراية بتعقيدات الموقف في الجنوب منذ مؤتمر جوبا، وأحمد خير(من حزب الشعب الديمقراطي) الذي رفض رسالة التأييد للدستور الإسلامي المنسوبة إلى السيدين المهدي والميرغني، قائلا ان السيدين ليسا عضوين في لجنة الدستور ولا ينبغي ان تتأثر اللجنة بأية ضغوط خارجية[10]

ومن المفارقات ان مشروع الدستور الإسلامي  عارضه حزب الامة عبر ممثله في لجنة الدستور القاضي محمد صالح الشنقيطي، وعارضه حزب الشعب الديمقراطي عبر ممثله في لجنة الدستور أحمد خير، وعبر ممثله في البرلمان الشيخ احمد عبد الرحمن، رغم تأييد زعيمي الطائفتين اللتين تدعمان الحزبين، بينما أيد هذا المشروع الحزب الوطني الاتحادي رغم توجهه العلماني، وقد كرر الحزب الوطني الاتحادي مساندة الدستور الإسلامي في الستينات، وهذه المفارقة تعكس خللا كبيرا في السياسة السودانية هو انعدام المبدئية في قضايا استراتيجية بطبيعتها لا تحتمل التلاعب والمساومات الظرفية.   

إسماعيل الأزهري

الأحزاب الحاكمة بعد أكتوبر وقواعد اللعبة الديمقراطية:

حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان:

شهدت الساحة السياسية السودانية حالة من “الهيجان” بسبب أن طالبا في معهد المعلمين العالي تحدث في ندوة بحديث تضمن إساءة لبيت النبوة، (وقدم الطالب نفسه باعتباره شيوعي)، عقب هذه الندوة نظم الاخوان المسلمون المظاهرات المنددة بالشيوعية والمطالبة بحل الحزب الشيوعي، ورغم ان الحزب الشيوعي تبرأ من ذلك الطالب وحديثه، إلا ان ذلك لم يكن مجديا، حيث تمت تعبئة الشارع بدوافع ظاهرها(الدين) وباطنها السياسة، وانخرط في تلك التعبئة خصوم الحزب الشيوعي في الأحزاب الحاكمة، ومما يجدر ذكره هنا حادثة مشابهة في مضمونها لحادثة (ندوة معهد المعلمين العالي) وقعت قبيل استقلال السودان، حيث قام أحد منسوبي جماعة الاخوان المسلمين بتوزيع منشور تحريضي ضد الحزب الشيوعي في مسجد الأنصار، يتهم أحد أعضاء الحزب الشيوعي بأنه شتم الرسول صلى الله عليه وسلم وأساء للعقيدة الإسلامية، واحتشد الأنصار الغاضبون في تأهب لمهاجمة الشيوعيين، ولكن الإمام عبد الرحمن شكك في صحة ذلك المنشور، وامتص غضب الأنصار بحديث خلاصته وجوب الابتعاد عن الفتنة بين أبناء الوطن الواحد وان السودانيين بمن فيهم الشيوعيون يؤمنون بالله ورسوله[11] 

وهذه الواقعة تدل على أن القيادات الدينية والسياسية في مقدورها احتواء الفتن والاستقطاب الديني في المجتمع إن شاءت، ولكن قيادات الستينات اختارت ان تستثمر سياسيا في الفتن بدلا من احتوائها،

فقامت الجمعية التأسيسية بتعديل المادة الخامسة من الدستور التي تنص على ضمان حرية الأديان وحق تأليف الاتحادات والجمعيات دون شرط غير التزامها حدود الآداب والنظام والصحة وفق ما يقتضيه القانون، عدلت تلك المادة بإضافة حكم شرطي إليها يحرم ترويج الشيوعية أو الإلحاد، وأضيف إليها نص آخر تصبح بمقتضاه أية منظمة تخالف ذلك الحكم الشرطي منظمة غير مشروعة، هذا النص أباح للبرلمان حق إصدار أي تشريع مناسب لتنفيذ أحكامه، وبموجب تلك الإباحة قرر البرلمان حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان[12]  

وبلا شك فإن هذا خرق بائن لقواعد اللعبة الديمقراطية، وقد أتبعت الأحزاب هذا الخرق بخرق آخر هو عدم الامتثال لحكم المحكمة الدستورية التي أبطلت قرار حل الحزب الشيوعي، حيث اعتبر السيد الصادق المهدي  رئيس الوزراء آنذاك حكم المحكمة “تقريريا” فيما هاجم الازهري رئيس مجلس السيادة الحكم وشكك في نزاهة القضاء،  ومن المعلوم من مبادئ الديمقراطية بالضرورة وجوب الامتثال لأحكام القضاء.

اما اعتقاد الاحزاب ذات الأغلبية في البرلمان ان من حقها استخدام أغلبيتها لإلغاء وجود نواب منتخبين لانها تختلف فكريا مع حزبهم، فهذا دليل على غياب فلسفة الديمقراطية عن هذه الأحزاب بما فيها حزب الوطن الاتحادي الذي قاد رئيسه إسماعيل الأزهري التظاهرات المطالبة بحل الحزب الشيوعي بنفسه! وهو حزب لبرالي علماني التوجه!

فالصراع في الديمقراطية هو صراع النسبي مقابل النسبي وإذا حسم لصالح طرف ما، فإن ذلك يعني انتصارا مؤقتا لهذا الطرف لأن من أهم خصائص الديمقراطية أنها آلية دورية وتناوبية(فبمقتضى نوع من عقد ضمني يتعهد كل فريق يصل إلى السلطة بألا يسد الطريق على فريق آخر يعقبه، فليس في الديمقراطية من معارك نهائية. فالربح هو دوما جزئي والخسارة هي دوما جزئية، وأقلية اليوم تحتفظ بحقها كاملا في أن تصير أكثرية الغد، والمعارضة كالحكومة جزء لا يتجزأ من السلطة ومن آليتها)[13]  

حل البرلمان وعدم احترام القضاء:

خرق قواعد اللعبة الديمقراطية لم يقتصر على التعامل مع الحزب الشيوعي بل تعددت مظاهره في الصراعات والمكايدات الحزبية بين حزب الأمة بجناحيه والحزب الوطني الاتحادي، ومن أبرز الأمثلة على ذلك، قرار حل الجمعية التأسيسية في فبراير 1968م الذي تم بالاتفاق بين حزب الوطني الاتحادي بقيادة الأزهري وحزب الأمة (جناح الهادي) بقيادة المحجوب، في مخالفة واضحة للدستور المؤقت الذي ينص على”استمرار الجمعية التأسيسية لمدة لا تتجاوز سنتين من بداية أول دورة انعقاد لها ولا يجوز حلها” ، وقد أقدم الأزهري والمحجوب على ذلك لقطع الطريق امام الصادق المهدي من العودة الى رئاسة الوزراء ثانية بعد ان نجح في تكوين تحالف جديد داخل الجمعية التأسيسية بين حزب الأمة(جناح الصادق) وجزء من كتلة النواب الجنوبيين بقيادة السيد وليام دينق، هذا التحالف الجديد ضم   عددا من النواب يسمح بحجب الثقة عن حكومة رئيس الوزراء آنذاك محمد أحمد المحجوب، ولذلك لجأ الأزهري وبإيعاز من الشريف حسين الهندي إلى حل الجمعية التأسيسية! ورفع الصادق المهدي والنواب المناصرون له  دعوى قضائية ضد مجلس السيادة ومجلس الوزراء متهمين اياهما بتجاوز أحكام الدستور بحلهما للبرلمان، وفي البداية لم تقبل المحكمة اعتبار مجلس السيادة طرفا في الدعوى المرفوعة ضد الحكومة باعتبار ان لمجلس السيادة حصانة تحول دون مراجعة القضاء لقراراته، ولكن الصادق المهدي استأنف هذا الحكم وقبلت المحكمة العليا الاستئناف، واصبح مجلس السيادة الذي يترأسه الأزهري طرفا في الدعوى، فأدلى الأزهري بتصريحات اعتبرها القضاة مسيئة للقضاء[14] وتصريحات الأزهري ضد الحكم القضائي ادت الى بروز أزمة جديدة  في تلك الحقبة هي “الصراع بين القضاء ورأس الدولة” وفي معرض تعليقه على ذلك يقول الدكتور منصور خالد” أصبح شغل الناس الشاغل أزمة جديدة اسمها الصراع بين القضاء ورأس الدولة وكأن ليس فيما يعيشه السودان من صراعات ما يكفي …صراع الشمال والجنوب، وصراع المركز والأقاليم، وصراع حزب الأمة (أ) مع حزب الأمة (ب)، وصراع الألف والباء مع الجيم(والجيم في علم الجبر السياسي السوداني هو الحزب الوطني الاتحادي المؤتلف والمختلف مع كليهما)، ثم هناك صراع الألف والباء والجيم مجتمعين مع الحزب الشيوعي السوداني. إلا ان أسوأ ما في هذا الصراع المستجد هو ما كشف عنه من قلة صبر عند لاعبي السياسة على احترام أحكام اللعبة السياسية التي تراضوا عليها، لعبة الديمقراطية التعددية وسيادة حكم القانون وحماية الدستور وفق ضوابط معينة يناط تطبيقها بأجهزة معينة وتلتزم كل الأطراف بما تحدده هذه الضوابط وتقضي به هذه الأجهزة. ويأخذ الأمر بعدا أعمق عندما يجئ المروق على أحكام (اللعبة) ليس فقط من أفراد الفريقين المتصارعين وإنما أيضا من “الحكام” و”رجال الخط”. “[15]

بعد ان حلت الجمعية التأسيسية، أجريت انتخابات في مايو 1968 وفي هذه الانتخابات،  خسر الصادق المهدي مقعده في البرلمان حيث أسقطه المرشح المدعوم من قبل الإمام الهادي في الجزيرة ابا (محمد داؤود الخليفة ) ، وبعد ذلك تم توحيد حزب الأمة.

الأحزاب الحاكمة بعد أكتوبر وأهداف الثورة:

“جاءت ثورة 21 أكتوبر 1964م تعبيرا عن توق حقيقي للديمقراطية بين السودانيين، دون تملك لأدوات مؤسسية ناجعة تضمن استدامة الديمقراطية وتعميقها في الثقافة السياسية السودانية. وكان الأمل عظيما في تغيير جذري وصامد، ينقل البلاد لمرحلة جديدة تحقق فيها غايات الاستقلال الوطني في كل مجالات الحياة. ودشنت الثورة صراعا مكشوفا بين “قوى الحداثة والتجديد” مقابل القوى الرجعية التقليدية والمحافظة. وحملت شعارات أكتوبر مبادئ ومطالب لدولة ديمقراطية حديثة بدء من قانون انتخابات جديد وممثل للتطلعات، مرورا بالوحدة الوطنية وحل مشكلة الجنوب، ثم إلغاء الإدارة الأهلية، نهاية بالتنمية المستقلة والمتوازنة، واعتبرت القوى الرجعية ان القضية مسألة حياة او موت، لذلك لجأت لكل أسلحتها وأساليبها لوأد مبادئ أكتوبر. ولم يتردد حزب الأمة في التلويح بالعنف وممارسة الابتزاز في العمل السياسي، فقد حشد مليشياته في ضواحي العاصمة لتسيير المواكب، وجاء بهم من الأقاليم البعيدة .فالحزب لا يملك قواعد في المدن والمراكز الحضرية. وتحالفت هذه القوى فيما سمي(جبهة قومية متحدة)، ضمت الى جانب حزب الأمة الوطني الاتحادي، وجبهة الميثاق الإسلامي. وقد نجحت في إجبار سر الختم الخليفة على تقديم استقالته في 18 فبراير 1965م”[16]

“تركزت استراتيجية القوى التقليدية على إجراء انتخابات عاجلة، مستبقة الوصول إلى قانون انتخابات جديد أكثر ديمقراطية وتمثيلية للقوى الحديثة. وقد جاءت تشكيلة حكومة (الخليفة) الثانية انقلابا على أجواء الثورة الشعبية التي فرضت في حكومة ثورة أكتوبر وجود جبهة الهيئات والنقابات بالذات تمثيل العمال والمزارعين في مجلس الوزراء مع زيادة واضحة لعدد اليساريين. وجاءت الوزارة الثانية خالية من تمثيل العمال والمزارعين مع زيادة في وزارات الأحزاب التقليدية والجنوبية. وحددت الحكومة مهمتها في موضوعين: مشكلة الجنوب وإجراء الانتخابات النيابية . ونتوقف عند المهمة الثانية: الانتخابات لأنها كانت الأكثر إلحاحا بالنسبة للأحزاب. فقد نصت المادة الثانية من الميثاق الوطني(الصادر في 30 أكتوبر1964م) على إجراء انتخابات عامة لقيام جمعية تأسيسية في موعد أقصاه مارس 1965. وشكلت الحكومة الانتقالية في 17 نوفمبر 1964م لجنة مستقلة للإشراف على الانتخابات.

كان من أهم القرارات تخصيص 15 دائرة للخريجين بالإضافة للدوائر الإقليمية في الشمال(158 دائرة)، لأن ظروف الجنوب اقتضت قيام انتخابات تكميلية لاحقة. ومرة أخرى استبعد نظام الانتخاب بالقائمة دون تقديم أسباب مقنعة. ومن إنجازات الثورة منح المرأة حقها الانتخابي كاملا. كما تم خفض سن الناخب إلى ثمانية عشرة عاما. وقد جرى التصويت يوم 21 أبريل 1965، حيث بلغت نسبة المصوتين الى المسجلين 54%. فقد كان عدد السكان 8449938 وعدد المسجلين 1869111 والمصوتين 1126140.

ومن الجدير بالذكر أن حزب(الشعب الديمقراطي) قاطع هذه الانتخابات وحاول تعطيلها في بعض الدوائر بشرق السودان. فقد رفضت الحكومة الاستجابة لطلبه بتأجيل الانتخابات حتى تشمل المديريات الجنوبية. وقد جرى التصويت فيها في 8 مارس 1967 وانتهى في 8أبريل 1967 وأعلنت النتيجة في منتصف أبريل. وهذا يعني انضمام نواب المديريات الجنوبية الثلاث إلى الجمعية التأسيسية بعد مضي 22 شهرا من بداية الدورة البرلمانية وقبل انقضاء عمرها بشهرين. وهذا وضع يعكس الاستخفاف بحق الجنوبيين في المشاركة السياسية. وكانت (جبهة الجنوب) قد قاطعت الانتخابات أيضا.

تمكن حزب الأمة من تحقيق أكثرية وليس أغلبية وذلك بسبب انشقاقات الاتحاديين. فقد أحرز 93 دائرة إقليمية ولم يحرز أي دائرة من الخريجين.ونال الحزب(الوطني الاتحادي) 73 مقعدا بينها دائرتين من الخريجين، ونال حزب سانو 10 مقاعد، والمستقلون 18 مقعدا، وكتلة جبال النوبة 10 مقاعد، وجبهة الميثاق الإسلامي(الاخوان المسلمون) 5 مقاعد بينها اثنان من الخريجين، ومؤتمر البجا 10 مقاعد، والحزب الشيوعي 11 مقعدا كلها في دوائر الخريجين.ومن تأثيرات ثورة أكتوبر هذا الفوز الكاسح للشيوعيين وبروز التكتلات الجهوية أو الإقليمية في الجمعية التأسيسية، التي قامت بانتخاب مجلس السيادة برئاسة(إسماعيل الأزهري) وعضوية أربعة آخرين بينهم جنوبي،ثم انتخب ممثل الحزبين المؤتلفين (محمد أحمد المحجوب) الذي نال 143 صوتا، وشكل حكومة ائتلافية استمرت حتى 25 يونيو 1966 فقد طرح صوت ثقة في رئيس الوزراء ووقف الى جانب الاقتراح 126 نائباوعارضه 30 وامتنع عن التصويت 15 نائبا.وقدم (المحجوب) استقالته في خطبة درامية تداولها المهتمون بالأدب وليس السياسة. وتنافس المرشحون على المنصب في جلسة 27 يوليو حيث نال الصادق المهدي 138 صوتا و(محمد أحمد المحجوب) 29 صوتا، و(حسن الترابي) 7 أصوات”[17]

في انتخابات عام 1968 تم إلغاء دوائر الخريجين، حيث صدر قانون انتخابات ينص على ذلك، وبهذا تم تقويض هدف مهم من أهداف ثورة أكتوبر وهو “تمثيل القوى الحديثة في السلطة” ،

إذن أهداف ثورة أكتوبر كلها تم تقويضها، فكما فصلنا أعلاه، تم تقويض هدف “لا مركزية الحكم”، وفي قضية الحرب الأهلية في الجنوب، رغم النجاح في عقد مؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الاثني عشر، إلا أن توصيات لجنة الاثني عشر لم تنفذ، وتجددت الحرب بضراوة، وحتى الأهداف التي أعلنها كل من الحزبين المكونين للائتلاف الحاكم(الأمة، الوطن الاتحادي) وتضمنتها برامجهما الانتخابية مثل  “تصفية الإدارة الأهلية” لم يكن حظها من الالتزام السياسي بأفضل من أهداف اكتوبر الأخرى، بل إن الإدارة الأهلية في اواخر عام 1968 أنشأت اتحادا كان على رأس أهدافه كما جاء في برنامجه (تقوية الإدارة الأهلية وتحقيق ما يضمن استمرارها وحل المشكلات الإدارية والمالية التي تعترض سبل أدائها)، وأعلن “الاتحاد عزمة تأييد النواب الذين يؤيدون برنامجه، كما أعلن انه سيؤيد في انتخابات رئاسة الجمهورية المرشح الذي يقف وراء برنامجه، وهذا ما جعل الأحزاب تتبارى لكسب ودهم، حيث حضر المؤتمر الذي أقامه اتحاد الادارة الاهلية الشيخ علي عبد الرحمن نائب رئيس الوزراء، والسيد حسن عوض الله وزير الداخلية، والشريف حسين الهندي وزير المالية، والدكتور عمر نور الدايم وزير الزراعة، وأقام رأس الدولة السيد إسماعيل الأزهري حفل تكريم للاتحاد الوليد، وأعقب ذلك التكريم تصريح صحفي للشيخ علي عبد الرحمن لصحيفة الرأي العام قال فيه(إن شعار تصفية الإدارة الأهلية شعار خاطئ)[18] وهذا التناقض بين ما تقوله الأحزاب وتعلنه في برامجها وما تفعله على أرض الواقع يقف شاهدا على عدم احترام الأحزاب لبرامجها  وعدم التزامها بوعودها.

الأحزاب الحاكمة بعد أكتوبر وصراعات”اقتسام الكعكة السلطوية”

كانت الانقسامات والصراعات  الحزبية ابرز سمات الأداء الحزبي بعد أكتوبر، وكانت هذه الظاهرة متفاقمة لدرجة شلت الأحزاب عن أي إنجاز اقتصادي او تنموي في تلك الفترة، والأهم من ذلك انها شلت الأحزاب عن بلورة عقد سياسي اجتماعي متراضى عليه بين السودانيين، فاستقرار السودان يتطلب حسم كثير من القضايا على أساس التراضي الوطني وليس على أساس منطق الأغلبية والأقلية، وقد وثَق الدكتور منصور خالد في الجزء الأول من كتابه “النخبة السودانية وإدمان الفشل” لتلك الانقسامات والصراعات منذ بداية الثورة حتى وقوع انقلاب مايو بالتفصيل، وذهب الى ان محورها لم يكن ما أسماه ب “جوهر الحكم” بل كان الأطماع السلطوية.وفي هذا السياق يقول الدكتور منصور خالد” عكفت الأحزاب متحدة ومؤتلفة لوضع الدستور، ولم يكن بين جمعهم هذا كله (أمة، اتحاديين، شعب ديمقراطي) خلاف حول المشكلات المشتجرة في ذلك الدستور، كلهم كان يدعو لإسلامية الدستور، وكلهم كان ينكر حق القوى الحديثة في التمثيل النيابي، وكلهم كان لا يعترف بالحركات الإقليمية لأن الإقليمية(رديف للعنصرية) وكلهم كان عازفا عن إعادة هيكلة الإدارة التقليدية بل ذهب بعضهم للقول بأن(شعار إلغاء الإدارة الأهلية شعار خاطئ)، فما هو مبرر الخلاف والصراع فيما بينهم إذن؟ أكثر الباحثين يسعى لان يلوي عنق الحقيقة ليحلل ذلك الصراع الحزبي وتلك التحالفات الحزبية وفق المناهج المستحدثة: صراع بين اليمين واليسار، وتحالف بين القوى التقدمية ضد القوى الرجعية، وتوحيد لأنصار الشعب ضد أعداء الشعب، إلى آخر ما توحي به الأوهام والظنون، وما الرأي بالتظني. بيد أن الصراع الدائر يومذاك كله كان صراعا بين رجال يقفون في خندق واحد على المستوى الاجتماعي والمستوى السياسي والمستوى الطبقي، إلا انهم كانوا يتعاركون جميعا على أنصبتهم من الكعكة السلطوية”[19]  

وكمثال آخر على “العبثية” في صراعات الأحزاب وانقساماتها ثم اتحادها من جديد، بصورة لا يحكمها منطق سياسي ولا يفسرها سوى منطق”الاعتبارات الشخصانية البحتة والمصالح الذاتية للقيادات” أشار الدكتور منصور خالد الى توحد الحزب الوطني الاتحادي مع حزب الشعب الديمقراطي(حزب الطائفة الختمية الذي كان يرعاه السيد علي الميرغني ومن بعده السيد محمد عثمان الميرغني)، فقد كان بين الحزبين عداء مستحكم، عبرت عنه صحيفة صوت السودان(لسان حال الطائفة الختمية) في افتتاحيتها بعد الانقسام عن الحزب الوطني الاتحادي يوم 28 يونيو 1956، حيث ورد في تلك الافتتاحية: “لقد كتب الشعب أمس اسمه في سجل الخلود بعد ان ظل واقعا تحت تضليل تجار السياسة من البلطجية والمتنكرين لكل عرف وخلق، لقد تحلل الشعب من قيود الإرهاب والذل والعبودية الأزهرية والدكتاتورية الحزبية البغيضة، لقد انطلق المارد الجبار من عقاله هاتفا بأعلى صوته(لا فساد ولا محسوبية بعد اليوم) لقد شيع الشعب أمس الأول جثمان الحكم الدكتاتوري الأزهري غير مأسوف عليه”[20]

وفي فترة الستينات ظلت مواقف حزب”الشعب الديمقراطي” مناقضة للحزب الوطني الاتحادي، فقد أيد حزب “الشعب الديمقراطي نظام عبود، حيث كان رئيسه الشيخ علي عبد الرحمن على رأس من وقعوا على برقية التأييد للفريق عبود المذيلة بتوقيع “كرام المواطنين” وهذا التأييد للنظام العسكري من قبل قيادات النظام الديمقراطي وجه آخر من وجوه أزمة الديمقراطية في السودان. أما بعد ثورة أكتوبر فقد كان حزب الشعب الديمقراطي معارضا شرسا لسياسات الحزب الوطني الاتحادي.

ومع ذلك عاد “حزب الشعب الديمقراطي” وتوحد مع الحزب الوطني الاتحادي الذي ما زال تحت قيادة الأزهري الموصوف بالدكتاتورية وممارسة الإرهاب والإذلال والبلطجة. مما يدل على عبثية الصراعات الحزبية.

وهذا ما ذهب إليه أيضا الدكتور حيدر إبراهيم علي، في كتابه (الديمقراطية السودانية.. المفهوم.. التاريخ.. الممارسة)، حيث قال في تعليقه على (الصراع بين الصادق المهدي والمحجوب) :” كان الصراع بين محمد أحمد المحجوب والصادق المهدي نموذجا لفهم الساسة السودانيين للديمقراطية، وهي تعني السلطة، وهذا مطلب شرعي لأي حزب لأن اهدافه هي الحكم، ولكن هذا لا يعني الإضرار بالديمقراطية والاستقرار. فالمحجوب والمهدي ينتميان الى حزب واحد، ويفترض وجود برنامج حزبي ينفذه أي عضو في الحزب، ورغم إمكانية اختلاف القدرات واللتي قد تكون سببا في التفضيل، فإن المحجوب لم يكن متوسط القدرات لكي يزاح من السلطة لإحلال(الصادق) مكانه” وبعد ان يستعرض الدكتور حيدر تفاصيل الصراع يخلص إلى القول” هذه حقبة لممارسات سياسية مؤسفة وغير مسئولة، أدت لعدم الاستقرار، في بلد لم تتوقف فيه الحرب الأهلية، ولا خرج من أزمته الاقتصادية، فقد كانت النخبة السياسية في الخرطوم مشغولة بصراعات أنانية شخصية وحزبية ضيقة. ولم يجد لا (المحجوب) ولا (الصادق) الوقت ولا الإرادة ولا الرغبة في تحقيق أهداف ثورة أكتوبر التي أعادتهم للسلطة والسياسة عموما، ولم تنجح الديمقراطية الثانية في وضع دستور دائم بل تعرض الدستور المؤقت لتعديلات لا تخدم المصلحة العامة، ومن أهمها رئاسة (الأزهري) لمجلس السيادة، ثم حل الحزب الشيوعي”[21]

ولكن تجدر الإشارة هنا إلى ان صراع (الصادق، المحجوب) الذي توج بانقسام حزب الأمة الى جناحين، احدهما بقيادة الصادق والآخر بقيادة المحجوب ورعاية الإمام الهادي، في جانب منه كان صراعا بين تيار تجديدي في حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي الذي كان من جيل ثورة أكتوبر وقد تفاعل مع موجة التغيير الأكتوبري  التي اجتاحت الواقع السياسي، وكان يريد ان يحدث تطورا في الأداء السياسي في حزب الأمة، حيث كان يخشى ان تفقد الأحزاب السلطة إذا لم تطور نفسها- حسب ما قاله الأستاذ أمين التوم في مذكراته (ذكريات ومواقف)[22] ولكن مساعيه اصطدمت بتقليدية الإمام الهادي، وبالنزعة المحافظة للمحجوب، فقد كان تعامل المحجوب مع حزب الأمة مكرسا للطائفية على عكس ما كان متوقعا من مثقف لبرلي مثله، والشاهد على ذلك انه عندما أقدمت الهيئة البرلمانية لحزب الأمة على مساءلته حول أدائه في الحزب والحكومة، رفض ذلك، واستنجد بالإمام الهادي بعد ان أقنعه أن مساءلة الهيئة البرلمانية تهدف إلى إسقاطه هو(أي الإمام الهادي) وليس المحجوب، وعلى اثر ذلك برز الشعار(سقوط محجوب سقوط الإمام)![23]  

ولكن مآلات الصراع في حزب الأمة بعد ذلك، ترجح فرضية “الكعكة السلطوية” أكثر من ترجيحها لفرضية “التجديد” لأن حزب الأمة (جناح الصادق) عاد وتوحد مع حزب الأمة (جناح الإمام الهادي) دون أن يطرأ أي تغيير في توجهات الامام الهادي الفكرية او نهجه الطائفي أو موقف حزبه من شعارات ثورة أكتوبر، وكل الذي تغير هو ان “طبخة الدستور” استوت على ان يكون السودان جمهورية رئاسية، وتوحيد جناحي الأمة تم على أساس ان يتم ترشيح الإمام الهادي لرئاسة الجمهورية، وترشيح السيد الصادق المهدي لرئاسة الوزراء، وتحسر  محمد أحمد المحجوب على هذا القرار حيث قال في كتابه “الديمقراطية في الميزان” :” بدا أنهما يعتبران الحكم مغنما يتوارثانه ويقتسمانه بعيدا عن بقية أعضاء الحزب الذين لا ينتمون إلى عائلة المهدي، غير انني وافقت على ذلك لأن الأهم كان وجوب اتفاق الجانبين”

وحتى لو سلمنا بفرضية  ان السيد الصادق المهدي كان يهدف من صراعه مع المحجوب الى التجديد على مستوى حزب الامة وعلى مستوى الأداء السياسي للحزب في الحكومة، فإن الطريق الذي سلكه، اي (طريق استعجال الصعود إلى قمة السلطة) لم يكن الطريق المناسب إلى تحقيق ذلك الهدف، فالإطاحة بالمحجوب كانت بداية لطاحونة صراعات زعزعت استقرار الحكم، وأضعفت أداء النظام الديمقراطي، فالأزهري الذي تحالف مع الصادق لإسقاط المحجوب عام 1966 ، عاد وتحالف مع المحجوب لإسقاط الصادق عام 1967، وهذا الأزهري نفسه هو الذي حل البرلمان في فبراير 1968 ليقطع الطريق أمام الصادق المهدي(الذي تحالف معه بالامس) من العودة الى رئاسة الوزراء مجددا بعد ان أعد عدته لحجب الثقة عن حكومة المحجوب! ونتيجة لهذه الدوامة وما ترتب عليها من حالة “عدم الاستقرار”  لم يسجل في دفاتر أكتوبر اي انجاز اقتصادي او تنموي! حيث انحصرت الإنجازات التنموية في خطب الزعماء ووعودهم فقط!  

ولكن حتى لو صرفنا النظر عن حالة عدم الاستقرار التي تسبب فيها صراع (الصادق، المحجوب)، ونظرنا الى هذا الصراع من زاوية أخرى هي زاوية “التقاليد الديمقراطية” نجد ان هذا الصراع بالصورة التي تم بها كان مضرا  بالتقاليد الديمقراطية، فالسيد الصادق المهدي عندما انتخبت الجمعية التأسيسية لم يكن قد بلغ السن القانونية التي تسمح له بالترشح، وبمجرد بلوغه هذه السن تم إخلاء أحد مقاعد الجمعية التأسيسية له باستقالة احد نواب حزب الأمة ليترشح بدلا عنه، ثم شرع فور دخوله البرلمان في عملية الإطاحة بالمحجوب من رئاسة الوزراء عبر حجب الثقة عن حكومته في البرلمان، فهل هذه بداية منطقية للتجديد على أسس ديمقراطية؟ ألم يكن الأجدر ان ينتظر السيد الصادق المهدي الانتخابات المقبلة ليترشح فيها بدلا من إخلاء مقعد له بأن يستقيل احد النواب؟ حتى لو كانت هذه الاستقالة طوعية فإن الرسالة التي تبعث بها الى الرأي العام هي رسالة سالبة، مفادها(استعجال الصعود الى القمة)،  والإطاحة بالمحجوب بالطريقة التي تمت بها هي الأخرى تبعث برسالة أكثر سلبية مفادها (ان هناك امتياز لأسرة المهدي في قيادة حزب الأمة، حيث يخلي نائب في البرلمان مقعده لكي يترشح السيد الصادق المهدي بدلا عنه)، وهذا بالطبع ليس مفيدا في تعزيز الثقة في ديمقراطية حزب الأمة ومن ثم في الديمقراطية السودانية بوجه عام، حتى لو كانت العملية برمتها صحيحة من الناحية الاجرائية، وحتى لو كان المحجوب في ذلك الصراع يقف في الموقف الخاطئ بمنطق الديمقراطية(وقوفه ضد مساءلة الهيئة البرلمانية وتكريسه لوصاية الإمام الهادي على الحزب)، فإن هذا الاستعجال الى اعتلاء قمة السلطة ليس صحيحا لأن عملية “الإصلاح والتجديد السياسي” في الأحزاب يجب ان تبدأ بالعمل القاعدي والاشتغال على البنية التحتية للأحزاب حتى يكون للمناهج الجديدة سيقان تقف عليها، ولا بد من التدرج الذي يجعل اعتلاء قمة السلطة تتويجا للمشروع التجديدي وليس تدشينا له!  لأن من يحتلون مواقع السلطة -لا سيما ان كانوا بقامة الاستاذ محمد أحمد المحجوب وهو ذو باع طويل في العمل السياسي والدبلوماسي وله وزنه وتاريخه – بالتأكيد لن يستسلموا دون رد فعل! وكل فعل ورد فعل في الصراعات السلطوية في الأحزاب الحاكمة تسدد فاتورته من حساب “المصلحة العامة للبلاد”.

محمد أحمد المحجوب

عبد الخالق محجوب  

الصادق 64

 

المحور الثالث: نحو الخروج من المأزق:

العودة إلى منصة التأسيس:

إن دولة ما بعد الاستقلال في السودان لم يقتصر فشلها على الاخفاقات السياسية واندلاع الحروب الأهلية و التردي الاقتصادي والفشل التنموي فحسب، بل ان هذه الدولة بدأت تتفكك وتتقلص حدودها السياسية الموروثة! وهذا التفكك والانكماش الذي بدأ بانفصال الجنوب، هناك مؤشرات إلى أنه لن يتوقف عند هذا الحد وربما تكرر سيناريو الانفصال في أجزاء أخرى.

هذا الواقع الكارثي يؤكد ان الدولة السودانية في حاجة ماسة إلى حلول غير تقليدية لأزماتها العميقة، وفي حاجة للعودة إلى منصة التأسيس لبلورة مشروع وطني قادر على إنهاء الحرب الأهلية عبر  تحقيق المصالحة التاريخية والتحول الديمقراطي وإعادة هيكلة الدولة السودانية بصورة منصفة لكل مكونات الشعب السوداني ومن ثم تجميع الطاقات المهدرة حاليا في الحروب المتطاولة والمتفاقمة وتوجيهها للعمل  في تغيير واقع التخلف الذي يطوق البلاد، وهذه العملية التاريخية المعقدة، أي عملية “إدارة الانتقال  الديمقراطي في السودان” يجب ان تبدأ بأسرع ما يمكن لاستباق سيناريو التمزق والانهيار،  ولأن “خروج السودان من مأزقه التاريخي” رهين لإنجاز هذه العملية، التي يتطلب نجاحها الاستيعاب الجيد لدروس التاريخ، ولو تساءلنا ما هي أهم الدروس المستفادة من تجربة “ضياع ثورة أكتوبر” وما هو الهدف من التحديد الدقيق لمسئولية الأحزاب السياسية عن ضياعها ؟ وما هو المطلوب فعله في سودان  المستقبل لإقامة نظام ديمقراطي قابل للاستدامة؟ باستلهام التجربة الأكتوبرية نستطيع الوصول إلى الخلاصات الآتية:  

لا ديمقراطية بدون أحزاب ديمقراطية:

إن تشريح الأخطاء التاريخية التي ارتكبتها الأحزاب التي تولت الحكم بعد “ثورة أكتوبر” ومواجهتها بحقيقية فشلها في الوفاء باستحقاقات المرحلة التاريخية التي تولت فيها الحكم، ومواجهتها بمواطن ضعفها وقصورها ، كل ذلك لا يعني على الإطلاق الدفاع عن انقلاب مايو بوجه خاص، او  تبرير النهج الانقلابي والدكتاتوريات بوجه عام، ولا يهدف إلى الاغتيال المعنوي للأحزاب التي لا بديل لها في تنظيم التنافس السياسي الحر والتعبير عن المشاركة الشعبية، فلا ممارسة ديمقراطية بدون أحزاب.

 بل إن هذا النقد الصارم للأحزاب  يهدف إلى استكمال عملية تشخيص الأزمة الوطنية، فبدون دقة التشخيص وشموله تستحيل المعالجة ومن ثم تصحيح المسار الوطني، كما يهدف إلى إدارة حوار جاد ومسئول في قضية الإصلاح الحزبي الجذري، وهي قضية يتوقف عليها نجاح الإصلاح السياسي الشامل في البلاد بل يتوقف عليها إقناع المواطن السوداني ابتداء بجدوى العمل السياسي وجدوى الانخراط في الأحزاب السياسية وهذا شأن في غاية الخطورة إذا أخذنا في الاعتبار(وضعية تفكك البلاد إلى عواملها الأولية من قبليات وعشائريات وجهويات تتصارع بالحديد والنار) مما يجعل استعادة الثقة في الأحزاب وعودتها إلى صدارة العمل السياسي ضرورة لحفظ الكيان الوطني من التفكك والانهيار الكلي، وليس فقط ضرورة للإصلاح السياسي.

و المشكلة الكبرى هي أن الإصلاح الحزبي ذاته أضحى عبارة مستهلكة وشعارا يلوح به في الصراعات الداخلية للأحزاب دونما التزام مبدئي ودونما تحديد منهجي ومفاهيمي لطبيعته ومعاييره، ونظرا لأن المرحلة التاريخية الحرجة التي تجتازها البلاد الآن تتطلب اختراقات نوعية في العمل السياسي وطرائق تفكير جديدة في إدارة الشأن العام فلا بد من أن تخاطب عمليات الإصلاح الحزبي جذور المشاكل لا أعراضها وظواهرها، وأن تستهدف بالمعالجة النواقص والعيوب البنيوية والاختلالات الهيكلية في الأحزاب، ابتداء من المراجعات الجذرية لل”الفكرة المركزية” التي ينطلق منها كل حزب وفحص جدواها في مخاطبة الواقع الماثل، فالأحزاب الإسلامية هل لا زالت فكرتها المركزية هي أسلمة الدولة السودانية والمجتمع السوداني أم أنها سوف تتجه لتجديد فكري تبلور بموجبه تصورا مختلفا لاستلهام قيم الاسلام ليس من لوازمه “أسلمة الدولة”، ومن ثم تقبل بفكرة “دولة المواطنة” وهي بالضرورة “دولة علمانية”؟ والحزب الشيوعي هل سيظل بهذا الاسم؟ هل فكرته المركزية هي “الاشتراكية العلمية”؟ هل ما زال سائرا على درب لنين؟ هل ما زال متمسكا ب”المركزية الديمقراطية”؟ والأحزاب “البعثية ” ماذا تريد ان “تبعث” في هذا السودان؟ والأحزاب الاتحادية ماذا تريد ان توحد وهي التي استمدت هذا الاسم من فكرة “الاتحاد مع مصر” وهي فكرة تبخرت يوم ان صوت”الاتحاديون” لصالح استقلال السودان من داخل البرلمان عام 1955م؟ وما هي الفكرة المركزية ل”حزب الأمة القومي” وما هي الفكرة المركزية للحركة الشعبية لتحرير السودان؟ هل هي “السودان الجديد العلماني الفدرالي الموحد”؟ لقد تراجعت الحركة الشعبية عن هذه الفكرة يوم ان قررت قياداتها الانحياز لخيار انفصال الجنوب، فما هي الفكرة الجديدة؟ ونفس السؤال مطروح على حركات دارفور وشرق السودان.

ولا بد ان يخاطب الاصلاح الحزبي كذلك معالجة الإشكالات التقليدية للعمل الحزبي كالتمويل والإعلام وتوطين المناهج العلمية الحديثة في إدارة عمل الحزب وتصميم برامجه وفي وضع معايير الرقابة على الأداء الحزبي ومن ثم التقييم والمساءلة والمحاسبة، أي الانتقال بالممارسة السياسية من العشوائية والعفوية إلى التخطيط العلمي والمهارة الاحترافية والكفاءة المقاسة بمعايير ضبط الجودة!! وفي هذا الصدد فإن الأحزاب السودانية لن تعيد اختراع العجلة، بل عليها أن تقارب آليات عملها بما هو معهود في التجارب الحزبية الناضجة والناجحة على مستوى العالم مع أخذ خصوصيات الواقع في الحسبان.

  فلا ينبغي أن تنصرف جهود الإصلاح الحزبي كلية إلى الحشود والمهرجانات الخطابية والبروتوكولات والجوانب الإجرائية لتأكيد أن هناك مشاركة ومؤسسية، بل يجب أن تنصرف جل المجهودات إلى تأسيس بنية تحتية صلبة للعمل الحزبي تضمن وفاء الحزب بالعهود التي يبذلها لجاهيره وتضمن قدرته على الالتزام ببرامجه التي تجيزها مؤتمراته العامة، ولا بد أن تكون سيرة الحزب في شأنه الداخلي مصداقا لما يطرح من شعارات ومبادئ.

 فإذا رفع الحزب شعار التداول السلمي الديمقراطي  للسلطة على مستوى الوطن فلا بد أن يطبق ذلك عمليا على نفسه، وإذا أعلن انحيازه للفقراء والمهمشين  ووعد برفع المعاناة عنهم ورفع شعار مكافحة الفقر والبطالة فلا بد أن يكون ذلك مصحوبا بخطة اقتصادية واقعية مفصلة بالبيانات الكمية والوصفية  وذات سقف زمني محدود توضح على وجه التحديد كيف سيتم التصدي للفقر؟ وإلى أي نسبة مئوية سيتم تخفيض نسبته؟ وكم عدد فرص العمل التي سيتم توفيرها للعاطلين عن العمل وكيف سيتم ذلك؟ وما هي الخطة العملية لإعادة هيكلة الدولة لصالح المهمشين؟ وبذات المنهج يجب أن يكون تعامل الحزب مع كافة القضايا التي يتصدى لها.

 

الديمقراطية في السودان تحتاج إلى عملية توطين:  

إن الديمقراطية ليست نظاما للحكم فحسب، وإنما هي أيضا أفق فلسفي وتربوي، وتركيب اجتماعي واقتصادي، وبهذا المعنى فإن شروط الديمقراطية غائبة عن المجتمع السوداني، ابتداء من النظام الأبوي الصارم في الأسرة، مرورا بالتركيبات العشائرية والإثنية والقبلية، فالطائفية السياسية وانتهاء بنخبوية وانتهازية المتعلمين الكسالى فكريا ونضاليا، فالنظام الديمقراطي الذي يمثل مضمون الدولة الحديثة تم تصديره إلينا ك”شكل” ليتم إلباسه ل”مضموننا” المختلف ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا وفلسفيا، وبسبب غياب”المضمون الديمقراطي” أو ضآلته في مجتمعاتنا فإن المزاوجة بين عناصر”الشكل” و”المضمون” تكون لها ضروراتها الإضافية في عملية التنظير ومحاولات تطبيق الديمقراطية في واقعنا[24]

ما هي الديمقراطية؟

يمكن تعريف الديمقراطية بأنها (شريعة الاختلاف) التي تؤسس لواقع التنافس المفتوح على السلطة ومتلازماتها، وليس الصراع(المغلق) عليها. [25]

واللفظ من أصل يوناني، ويعني حكم الشعب، وفي حقل العلوم السياسية للديمقراطية  تعريف جامع مانع، بل هي مفهوم سياسي له مبادئ أساسية تميزه عن غيره، فنظام الحكم الديمقراطي اختصارا يمكن وصفه بأنه النظام الذي يقوم على حزمة من المبادئ الجوهرية وهي:

  • الشعب مصدر السلطات فلا سيادة لفرد أو قلة من الناس على الشعب باعتبار أن ممارسة السلطة تتم بإرادة بشرية وتفويض السلطة من الناحية الواقعية تعبير عن إرادة بشرية مهما كان الادعاء بغير ذلك.
  • مبدأ المواطنة والمساواة السياسية والقانونية.
  • حرية التعبير والتنظيم.
  • مبدأ فصل السلطات.
  • سيادة حكم القانون.
  • الشفافية والمساءلة.
  • تداول السلطة عبر آليات انتخابية حرة ونزيهة[26].

مطلوبات توطين الديمقراطية في السودان:

العمل المنهجي لرفع مستوى الاستنارة في المجتمع:

إذا أردنا توطين الديمقراطية كفلسفة حكم، وكثقافة سياسية في المجتمع فلا بد من عمل”ممنهج، دؤوب وصبور، ومدعوم بخطط وبرامج عملية” لتجذير الفكر الديمقراطي في المجتمع بشكل عام، وفي أوساط النخب القائدة والقوى الفاعلة بوجه خاص، ولحسن الحظ هناك عدد من المفكرين والمثقفين السودانيين الذين يطرحون قضية “الاستنارة” كقضية محورية في بناء الديمقراطية في السودان في الظروف الراهنة، وأذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر الأستاذ عبد العزيز حسين الصاوي، وقد أفرد لهذه القضية مقالات مطولة حواها كتابه “لاديمقراطية بدون استنارة” الذي يعرف “الاستنارة” بالانفتاح الذهني والنفسي على الحداثة وأهم منجزاتها الديمقراطية، وحسب الصاوي، فإن من معوقات الديمقراطية في الواقع السوداني الراهن انحسار الطبقة الوسطى بسبب عوامل تجريف اقتصادي واجتماعي، ويجعل الصاوي من “الإصلاح التعليمي” وتقوية”المجتمع المدني” مدخلا رئيسا لتجذير الديمقراطية.

ومن أهم حلقات مشروع الاستنارة التجاوز المنهجي للفكر السلفي المسيطر على المجتمع الى حدود كبيرة، والفكر السلفي هو” الاعتقاد بأن السلف الصالح من فقهاء ومفسرين ومحدثين وكتاب سيرة أنجزوا مهمة تبيان كل حقائق الدين، وحددوا تحديدا قاطعا الحلال والحرام وما يجوز وما لا يجوز في كل شأن من شؤون العقيدة والعبادة والمعاملات، والالتزام الصحيح  بالإسلام لا يتحقق إلا باتباع هؤلاء السلف” والنهاية المنطقية لهذا الفكر هي رفض الديمقراطية بل ورفض كل مفردات الحياة السياسية المعاصرة رفضا مطلقا باعتبارها تناقض الإسلام، وهذه السلفية هي اكبر روافد الإسلام السياسي الذي يشكل مهددا حقيقيا للديمقراطية، ولذلك لا بد ان يكون تحرير المجتمع من هذه الافكار جزءا لا يتجزأ من اي مشروع جاد للاستنارة الشاملة.

التثقيف الحزبي في اتجاه تعميق الالتزام بالديمقراطية:

من معوقات الديمقراطية في السودان كذلك ان الثقافة السياسية للنخب الحديثة، وتحديدا اليسارية، لم تكن الديمقراطية من ثوابتها الاستراتيجية، بل كانت ترى في الديمقراطية اللبرالية، أوالبرلمانية أوالبرجوازية نمطا غير صالح لتطوير وتنمية السودان، وفي هذا السياق يقول الأستاذ عبد العزيز حسين الصاوي:” إن الاهمية التاريخية الكبري فعلا لثورة اكتوبر هي انها حررت الارادة السياسية السودانيه من قبضة نظام عسكري وبوسيلة شعبية مائة في المائه ولكن وجهها الاخر الذي بقي محجوبا في غمرة الاعجاب الطاغي والاجماعي بها كان عكس ذلك لان النقد اليساري الصائب للاحزاب الكبيرة انتخابيا وقتها بكونها مصدر الخطر الرئيسي علي نمو التجربه الديموقراطية بحكم تقليديتها وتكوينها الطائفي والطبقي، كان يحمل في طياته خطراً اخر علي المدي الابعد، لان ماركسية الحزب الشيوعي حينئذ كانت تضع اكتوبر حلقة رئيسية ضمن ماتسميه مرحلة  الثورة الوطنية الديموقراطية التي تقود الي مرحلة الاشتراكية، ولكل من هاتين المرحلتين تحالفاتهما الطبقية التي تنتهي الي صدارية دور الطبقة العاملة.  والترجمة الفصيحة الصريحة لهذه النظريه هي توزيع الحريات السياسية  حسب اهمية الطبقة المعينة في المرحلة المعينة، والاحزاب السياسية التي تمثلها، فهي ديموقراطيه مقيدة وموجهة وباختصار ليست  ديموقراطية.  تثقيف النخب السودانية بهذا النوع من التحليلات أضعف التأهيل الديموقراطي لعقلية هذه النخب الذي اكتسبته من نشاطها الفعال ضد الدكتاتورية الاولي،  لاسيما وان الاقسام اليسارية الاخري، بما فيها حزب البعث الذي ساهم كاتب هذا  المقال في تأسيسه ومواكبة مسيرته بعد ذلك، كانت تروج لتحليلات مشابهة مزايدةٍ في رفضها للديموقراطيه بمعناها الحقيقي المفتوح الذي لايقبل قيودا من خارجها.” [27]

ويخلص الصاوي إلى القول:” ان قطبي اليسار السوداني، علي الاختلاف الكبير في الاوزان بينهما، ظلا يتنافسان في حرث عقلية القوي الحديثه التي صنعت انتصار اكتوبر 64 الديموقراطي الكبير وبذر البذور الاولي للشمولية فيها بدلا من الاستمرار بدور اليسار التحديثي والنهضوي التاريخي بالتركيز علي كيفية استزراع الديموقراطيه في الواقع السوداني”[28]

وهنا تجدر الإشارة  الى ان الديمقراطية لكي تستقر، فلا بد من ان تتطور مختلف الأحزاب فكريا حتى تتكيف إيجابيا مع “النظام الديمقراطي” ، ففي اوروبا حيث النماذج المرجعية للديمقراطية، تطورت الأحزاب الشيوعية منذ الخمسينات والستينات مما أنتج ما سمي بالشيوعية الأوروبية (Euro- Communism)، وبالتالي فلا بد من مراجعات وتطوير للمرجعيات الفكرية للأحزاب يسارية كانت او يمينية في اتجاه التخلص من الأفكار اللاديمقراطية الكامنة فيها.

نقد الأحزاب إضافة للديمقراطية وليس خصما منها

إن أهم ما يجب التأكيد عليه في سياق نقد الأحزاب هو “ترجيح كفة الخيار الديمقراطي كهدف وطني استراتيجي”،  فإذا توافقنا على حقيقة أن لا بديل في الحكم  للديمقراطية كما عرفتها الخبرة  البشرية حتى الآن، أي التفويض المقيد بفترة زمنية محددة والخاضع لمنافسة مفتوحة مع آخرين ذوي رؤى وتوجهات ومصالح مختلفة، وهذه المنافسة تتم في ظل تعاقد اجتماعي واضح المعالم، وإذا توافقنا على ضرورة الالتزام بالديمقراطية كشرط ابتدائي غير قابل للمساومة في أي تعاقد سياسي اجتماعي وأن ذلك مطلوب بإلحاح لإنجاح أي مشروع للنهضة في مجتمعاتنا، لا سيما وأن التجارب السياسية في السودان وغيره من دول العالم  أثبتت بطلان فكرة مقايضة الديمقراطية بالأهداف النبيلة الكبرى من تنمية اقتصادية أو معارك تحرير أو وحدة وطنية ، لأن هذه المقايضة في الغالب تقود ليس فقط الى قهر الشعوب وحرمانها من الحرية والكرامة وحقوق الإنسان  التي لا سبيل لتحقيقها إلا في ظل “النظام الديمقراطي”، بل تقود وهذا ما أثبتته التجربة السودانية نفسها  إلى  خسران الأهداف النبيلة  التي من أجلها صودرت الديمقراطية.

إذا توافقنا على هذه الحقائق، فإن هذا التوافق يقتضي الإقرار بحقيقة أن لا مجال لتمجيد أي انقلاب عسكري، ومحاولة التماس الشرعية له من إنجازاته الاقتصادية والتنموية، كما يفعل كثير من المدافعين عن نظام عبود، وبدرجة أكبر المدافعين عن نظام مايو، وللمفارقة المدافعين عن نظام الإنقاذ رغم انه خرب ودمر أضعاف ما أنجز!، حيث كانت السمة الأبرز لعهد الإنقاذ تدمير القطاعات المنتجة في الاقتصاد( الزراعة والثروة الحيوانية والصناعة) وانحصر انجازه في “الانتعاشة الزائفة” في فترة عشرة سنوات هي فترة إنتاج النفط وتصديره، وقد تلاشت تلك الانتعاشة  فور انفصال الجنوب وفقدان العائدات النفطية، التي تبدد جلها بسبب الفساد، ونصفها بالزائفة بسبب انها مجرد إغراق للأسواق بالسلع الاستهلاكية والكماليات نتيجة ظهور طبقة من الأثرياء وأنصاف الأثرياء مرتبطة بأموال النفط وليست تطورا حقيقيا في مستوى المعيشة ناتج عن تطوير القاعدة الانتاجية وتوليد فرص حقيقية للعمل والاستثمار الاقتصادي والتنموي الحقيقي، أما الطرق والجسور والسدود فكلها تمت بقروض أجنبية سوف يسددها الشعب السوداني بالإضافة إلى فوائدها.

ولكن حتى في حالة وجود انجازات حقيقية  في مجالات التنمية والخدمات الاجتماعية ومشاريع البنية التحتية في العهود العسكرية، فإن ذلك ليس مبررا لمصادرة الديمقراطية، نعم الانجازات التنموية  أمر جوهري في تقييم الأداء السياسي، ولكن لا توجد حتمية تربط الانجاز التنموي بالدكتاتورية، بل ان التقييم الموضوعي للإنجازات التنموية في عمر السودان المستقل، إذا أخذنا في اعتبارنا حجم الموارد الاقتصادية المتاحة للسودان، وقارنا حجم الإنجازات الاقتصادية والتنموية بحجم الدين الخارجي الذي يطوق عنق البلاد (أكثر من أربعين مليار دولار) ، وإذا أخذنا في الاعتبار أن سبعة وأربعين سنة من عمر الاستقلال البالغ ثمانية وخمسين سنة حكمت فيها أنظمة عسكرية دكتاتورية، سوف يقودنا ذلك الى استنتاج ان دكتاتوريات السودان فاشلة اقتصاديا وتنمويا بامتياز فضلا عن فشلها الذريع في تحقيق السلام والوحدة الوطنية!

وبالتالي فإن السودان وانطلاقا من محصلة تجاربه الخاصة ،يحتاج في هذه المرحلة من تاريخه الى حسم وجهته السياسية “نظريا وعمليا” باتجاه “الحكم الديمقراطي  الراشد “، أي أن يتجاوز الدكتاتورية، وفي ذات الوقت يتجاوز تكرار”تجارب الحكم الديمقراطي غير الراشد” وهذا يتطلب   حشد الطاقات في سبيل بناء  وتطوير البديل الديمقراطي، كما يتطلب جهدا كبيرا في تعميق الثقافة الديمقراطية في أوساط “النخب السياسية والفكرية القائدة” حتى لا يجد التفكير الشمولي من يتعهده بالرعاية وبإضفاء المشروعية السياسية أو الأخلاقية من جديد.

إن أحد أسباب الفشل في استدامة الديمقراطية في السودان، إضافة الى الأسباب المذكورة أعلاه، هو التربة الثقافية والاجتماعية غير الملائمة لاحتضان بذرة الديمقراطية بحكم انها – اي الديمقراطية – تحتاج لحزمة من التطورات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية وهذه غير متوفرة في السودان، وهذا السبب هو الذي يفسر حالة اللا مبالاة أو  الارتياح واحيانا الترحيب الذي يحظى به كل انقلاب عسكري في السودان في بدايته، فالارتياح والترحيب ليس فقط بسبب الاحباط من ضعف الأداء الحزبي، بل السبب الاكثر جذرية هو ان الثقافة السياسية في المجتمع ليست ديمقراطية إلى الدرجة التي تجعل المواطن او المواطنة يستنكر الاستيلاء على السلطة بالانقلاب العسكري مثل استنكاره للسرقة والقتل والانحرافات الاخلاقية المختلفة، فالنضج الديمقراطي لم يصل للدرجة التي تجعل الشعب يشعر بأن مجرد إقدام عناصر من القوات المسلحة على الاستيلاء على السلطة بالقوة وإلغاء نتائج صناديق الاقتراع بجرة دبابة هو إهانة بالغة له تستوجب الثورة او الغضب والاحتجاج وذلك أضعف الإيمان! ليس هناك تواطؤ جمعي في مجتمعنا على ان الأساس الوحيد المقبول لشرعية الحكم هو  التفويض الشعبي عبر صندوق الاقتراع الحر النزيه، فالانقلاب العسكري ليس عارا سياسيا يخجل الناس من تأييده، أو يتحرج حتى قادة المجتمع من دعمه والرهان عليه، وعلىى ضوء هذه الحقيقة يمكن تفسير تأييد السيدين (الإمام عبدالرحمن المهدي والسيد علي الميرغني) – تغمدهما الله بواسع رحمته –  لانقلاب عبود، وتفسير انخراط نخبة متميزة من المثقفين السودانيين في النظم الانقلابية المختلفة،  وتفسير هتاف بعض المواطنين للرئيس الراحل إبراهيم عبود (ضيعناك وضعنا وراك)!! وكان ذلك عقب “ثورة أكتوبر”!! وهو ما يفسر كذلك هتاف البعض للرئيس الراحل جعفر نميري بعد عودته من منفاه (وجع وجع نميري رجع)!!

غياب الموقف المبدئي الصارم ضد الانقلابات لا ينحصر في عامة الشعب، بل الادهى والامر ان النزعات الانقلابية مستوطنة  في عقول النخبة والاحزاب العقائدية التي تستبطن مشاريع الوصاية على المجتمع في مرجعياتها الفكرية وهذا موضوع يحتاج لبحث مستقل. 

لكل ذلك هناك حاجة ماسة لمجهودات تعليمية وتربوية وثقافية ممنهجة للنهوض بوعي المجتمع حتى يكون الانقلاب العسكري منبوذا ومستنكرا وإن فرش الأرض بالورود والرياحين وليس بالدماء والأشلاء والمآسي كما فعلت كل انقلابات السودان وهو ديدن الانقلابات العسكرية في كل مكان في العالم! وحتى يكون (الرادع المجتمعي) من الكوابح الفعالة للتفكير الانقلابي  سواء من قبل الاحزاب او من قبل ضباط الجيش المسيسين.

 

إصلاح الأحزاب يقتضي الانتقال من “العقلية التبريرية” الى “العقلية النقدية”:

من إشكالات الاحزاب السياسية السودانية غياب “العقلية النقدية” ومن ثم غياب النقد الذي يقترب من جذور الازمات ويتناولها بعمق! وهذا جعل الاحزاب لا تقيم تجاربها إلا في سياق تبريري غايته التهرب من تحمل المسئولية التاريخية عن اخطاء فادحة، ليس هذا فقط بل تحويل الاخطاء نفسها الى انجازات أحيانا!!

ولكي تتطور الأحزاب ديمقراطيا يجب على  العناصر النشطة داخلها  ان تتفحص تجربة كل حزب سياسي، وتحاول قدر الإمكان تنحية العواطف وأسر الآيدولوجيا جانبا، وتجعل بوصلتها في التقييم هي المصلحة الوطنية العليا،وعلى هذا الاساس يرتفع الحزب وينخفض بمقدار ما قدمه من إنجازات سياسية واقتصادية وتنموية  محسوسة ومجسدة في الواقع خدمة للمصلحة الوطنية، وطبعا القدرة على الإنجاز  تتناسب طرديا مع التطور الفكري والتنظيمي للمؤسسة الحزبية نفسها.

 ان أسباب الفشل التاريخي في توطين الديمقراطية في السودان واستدامتها عديدة ومركبة يجب ان تحظى جميعها بالدراسة في سبيل معالجتها،

 

ولكن ليس من المعقول ان نسلخ جلد النملة في كل الاسباب التي ادت إلى انهيار الديمقراطية في السودان، ونتجاهل سببا من أهم الأسباب وأقواها أثرا وهو كيفية تصرف الاحزاب السياسية التي فوضها الشعب للحكم في ذلك التفويض! فما دامت الديمقراطية في مجتمعنا ليست من المسلمات أصلا، فإن مستوى الاداء السياسي ودرجة النجاح وحجم الإنجازات في النظم الديمقراطية هو أهم وسيلة لجذب التعاطف والاحترام  الشعبي إلى ذلك الكائن المغترب في بيئتنا الثقافية والاجتماعية والسياسية المسمى “الديمقراطية”! ولا مجال هنا لمصادرة مشروعية التساؤل عن إنجازات العهود الديمقراطية بحجة ان الديمقراطية لم تجد الفرصة الكافية بسبب الانقلابات ، صحيح أن  الدكتاتورية بحكم انها انفردت بالحكم لمدة أطول فإنها تتحمل القسط الاكبر من المسئولية عن تخريب السودان، ولكن هذا لا يمنع مساءلة الاحزاب عما فعلته في سنوات حكمها المحدودة عددا ولكنها ذات أثر كبير وحاسم في مصير البلاد وفي مستقبل الديمقراطية، وكذلك عما فعلته في سنوات معارضتها، وما فعلته في توطين الديمقراطية في داخلها،

علينا ان ندرك ان جزءا مهما(جزء وليس كل) من فهم وتفسير عملية تكرار الانقلابات العسكرية في السودان هو المعرفة الدقيقة بما كان يدور في أروقة الحكم الديمقراطي وفي اروقة الاحزاب السياسية عشية وقوع كل انقلاب، ليس لتبرير الانقلاب او الدعوة الى السباحة عكس تيار التاريخ والرضا بالدكتاتورية، بل الهدف من ذلك هو ان تعرف الأحزاب ما هي اوجه قصورها وما هي ثغراتها التي يجب ان تعمل بجد لسدها تطويرا لتجربتها.

ان ما نحن فيه من أزمات يستوجب إعادة النظر في كل شيء، ان السودان لم يتحقق فيه إنجاز سياسي عظيم وملهم  كذاك الذي حققه حزب المؤتمر الوطني في جنوب أفريقيا من تجربة رائدة ومتفردة في  التحول الديمقراطي والعدالة الانتقالية، انجاز توجه العظيم نلسون ماندلا بأن اكتفى باربع سنوات فقط في الحكم وبعدها سلم رئاسة الحزب العملاق لشاب لم يتجاوز السادسة والثلاثين من عمره! لم تتحقق في السودان معجزة تنموية كتلك التي حققها مهاتير محمد لماليزيا التي انتقلت في ظرف عشرين عاما الى مرتبة الدولة السابعة عشر عالميا من حيث قوة اقتصادها، وقد كانت مجرد دولة فقيرة تصدر المطاط وبعض المواد الخام!

لم يتحقق شيئ في السودان سوى الحروب الطاحنة وانقسام الوطن الى وطنين متناحرين، والجوع والفقر وانهيار التعليم والصحة والخدمات رغم انف الموارد الضخمة التي لا مثيل لها في كثير من الدول التي سبقتنا بسنين ضوئية!!

ما دام الحال كذلك فإن الثابت الوحيد الذي يجب ان نتواطأ عليه جميعا في كل فضاءات العمل العام هو التغيير، ولا تغيير ناضج الا بتوطين العقلية النقدية في تلك الفضاءات وفي مقدمتها الأحزاب السياسية.

 

خاتمة:

لعل أهم درس من التاريخ السياسي المعاصر في السودان يجب استذكاره جيدا من قبل السياسيين  والمفكرين والمثقفين لأهميته في التخطيط للمستقبل هو ان إهدار أية فرصة تاريخية لتحقيق هدف وطني استراتيجي سوف يترتب عليه ارتفاع كبير في تكلفة إنجاز ذات الهدف في مراحل لاحقة وأحيانا يترتب عليه استحالة تحقيق هذا الهدف بشكل نهائي! وأبلغ مثال على ذلك  قضية جنوب السودان، ففي الستينات كانت تكلفة وقف الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب في ظل سودان موحد هي أن يكون السودان  دولة علمانية فيدرالية ديمقراطية، فشل السودانيين في تحقيق هذا الهدف في “في الوقت المناسب” ادى الى تحويل هذا الهدف (وحدة الشمال والجنوب) الى هدف مستحيل عام 2011م! وحتى لا يمضي الجنوب الجديد في طريق الجنوب القديم، يجب ان يبدأ العمل بجدية في تحقيق ما ينبغي ان يكون الهدف الرئيس لهذه المرحلة التاريخية في السودان، أي (بلورة مشروع وطني قادر على إنهاء الحرب الأهلية عبر  تحقيق المصالحة التاريخية والتحول الديمقراطي وإعادة هيكلة الدولة السودانية بصورة منصفة لكل مكونات الشعب السوداني ومن ثم تجميع الطاقات المهدرة حاليا في الحروب المتطاولة والمتفاقمة وتوجيهها للعمل  في تغيير واقع التخلف الذي يطوق البلاد وهو مشروع بدايته الصحيحة هي إنهاء النظام الشمولي الحاكم)، وفي هذا الإطار ثمت تساؤلات ملحة تحاصر كل الفاعلين السياسيين في السودان ولا سيما الأحزاب السياسية المدنية والمسلحة المعارضة،  وعلى رأس هذه التساؤلات هل هناك إجماع على ” الهدف الرئيس لهذه المرحلة التاريخية في السودان” المذكور أعلاه؟ هل من التزام استراتيجي مجمع عليه  وغير قابل للمساومة بوحدة ما تبقى من السودان؟  ماذا أعدت الأحزاب المدنية والمسلحة من خطط عملية لإنهاء الدكتاتورية الماثلة؟ وما هو برنامجها لإدارة المرحلة الانتقالية وسوف تكون أعقد وأخطر وأصعب مرحلة انتقالية في تاريخ السودان، فسوف تواجهها معضلة إعادة تأهيل المناطق المتأثرة بالحرب ، ومعضلة الخدمة العامة(التي تشمل الخدمة المدنية والعسكرية) فاقدة القومية والكفاءة، ومعضلة المليشيات المتمرسة في السلب والنهب وانتهاكات حقوق الإنسان، وسوف تواجهها معضلة الاقتصاد المنهار والفقر والبطالة، ومعضلة تدني مستوى التعليم العام والعالي؟ ما هو برنامج كل حزب سياسي وكل حركة مسلحة لمواجهة معضلة الانقسام العميق بين السودانيين على اسس عرقية وجهوية وقبلية الذي يعوق عملية الاصطفاف القومي خلف اهداف وطنية مشتركة ويتعارض مع الديمقراطية؟

هذه التساؤلات لا بد ان تكون محور تفكير كل “قوى التغيير” في السودان، فالاستعداد بالرؤى الواضحة، وبرامج العمل المناسبة، شرط لازم لنجاح الأحزاب السياسية في الحكم، وأهم معيار لهذا النجاح هو تحسين نوعية حياة المحكومين وهذا يقتضي ان يكون محور العمل السياسي هو القضايا الجوهرية المرتبطة بنهضة الوطن وتقدمه، وقد رأينا كيف أدى سقوط الأحزاب التي حكمت بعد أكتوبر بهذا المعيار إلى انهيار التجربة، فهل من سبيل إلى ثورة سودانية تتقدم ولا تتراجع؟

 

 * ورقة منشورة في كتيب” ديمقراطيات بلا ديمقراطيين.. الأحزاب والديمقراطية بعد ثورة أكتوبر 1964″  الصادر عن مشروع الفكر الديمقراطي، سلسلة قراءة من أجل التغيير

هيبان

نازحون من جنوب كردفان

 ثورة 3

[1] منصور خالد،دكتور، النخبة السودانية وإدمان الفشل، الجزء الأول، ص255 ، دار الأمين للنشر والتوزيع

[2] نفس المرجع السابق، ص250- 256

[3][3] نفس المرجع السابق ،ص 258-259

[4] محمود محمد طه، الدستور الإسلامي نعم ولا، موقع الفكرة، على الرابط http://www.alfikra.org/book_view_a.php?book_id=13

 

[5] د. منصور خالد، النخبة السودانية وإدمان الفشل ص 234

[6] من قيادات حزب الأمة

[7] نفس المرجع السابق ص235

[8] د.منصور خالد، السودان أهوال الحرب وطموحات السلام.. قصة بلدين، ص288

[9] د.منصور خالد، السودان أهوال الحرب وطموحات السلام.. قصة بلدين، ص292

[10] نفس المرجع السابق

[11] [11]   الدكتور محمد سعيد القدال معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني. دار الفارابي بيروت 1999م

[12] منصور خالد، دكتور، النخبة السودانية وإدمان الفشل ص121-122

[13] د. جورج طرابيشي، الآيدولوجيا الثورية واستحالة الديمقراطية، ورقة منشورة ضمن كتاب الديمقراطية والأحزاب في البلدان العربية المواقف والمخاوف المتبادلة، منشورات مركز دراسات الوحدة العربية

[14] منصور خالد، دكتور، النخبة السودانية وإدمان الفشل، ص157-162

[15] نفس المرجع السابق ص163

[16] الدكتور حيدر إبراهيم علي، الديمقراطية السودانية المفهوم. التاريخ. الممارسة. الحضارة للنشر، الطبعة الأولى نوفمبر 2013م ص253- 255

[17] نفس المرجع السابق ص255

[18] الدكتور منصور خالد، النخبة السودانية وإدمان الفشل، الجزء الأول، ص108-109 ، دار الأمين للنشر والتوزيع، القاهرة، 1993

[19] الدكتور منصور خالد، النخبة السودانية وإدمان الفشل، الجزء الأول، ص173 ، دار الأمين للنشر والتوزيع، القاهرة، 1993

[20] نفس المرجع السابق ص170

[21] نفسه ص256

[22] الدكتور منصور خالد، النخبة السودانية وإدمان الفشل، الجزء الأول، ص155 ، دار الأمين للنشر والتوزيع، القاهرة، 1993

[23] الدكتور حيدر إبراهيم علي، الديمقراطية السودانية.. المفهوم. التاريخ. الممارسة، ص76-77 الحضارة للنشر، القاهرة، 2013

[24] الدكتور أبكر آدم إسماعيل، الديمقراطية وإشكال الهوية في السودان، ص12، 13،14، الناشر: المجموعة السودانية للديمقراطية أولا، الطبعة الاولى 2013

[25] نفس المرجع السابق

[26] الديمقراطية والأحزاب في البلدان العربية، مشروع دراسات الديمقراطية – أكسفورد 1999م

[27] عبد العزيز حسين الصاوي، ثورة أكتوبر:زرع اليساريون وحصد الإسلاميون، مقالة نشرت بصحيفة سودانايل الإلكترونية، اكتوبر 2009

[28] نفس المرجع السابق