تمر اليوم الذكرى الثانية والخمسون لثورة أكتوبر 1964 م التي أطاحت بنظام الفريق إبراهيم عبود العسكري، وقد كانت “أكتوبر” حدثا مفصليا في تاريخ السودان المعاصر فظلت بصماتها في الشعر والفن السوداني خالدة وما زالت أدبياتها  تلهب الحماس الوطني، هذا الحوار مع الشاعر هاشم صديق والفنان محمد الأمين “الذي نشرته صحيفة الميدان” يسترجع ذكريات “الملحمة” أحد الروائع الفنية الأكتوبرية.

 

الحوار والاعداد:- حسن الجزولي، محمد حيدر، عز الدين مبارك سلمان

بعد أن غرس العم صديق الملك شتلة النيم الصغيرة على الأرض في منتصف حوش منزله بجانب السوق الصغير بحي بانت شرق العتيق، لم ينس أن يدلق من ماء وضوء الإبريق بضع دلقات ويتمتم ببعض آيات من آي الذكر الحكيم، كما يفعل معظم السودانيين وخاصة أبناء الترابلة مع مزروعاتهم. كان ذلك في العام 1936، ثم تتالت السنوات التي تلاحقت وامتدت ومن ثم تعدت قرناً من الزمان!.

في نهار شتوي من عام 1968 عندما بدأت نسائم الشتاء تهب رويداً على العاصمة، حمل الشاعر هاشم صديق طاولة حديدية عريقة تعود لوالدته وجلس أمامها تحت شجرة النيم الظليلة تلك ووضع عليها أوراًقاً وأقلاماً، وبدأ يتأمل في تخطيط قصيدته. وإن هي إلا بضع ساعات حتى ولد مخاض القلم القصيدة مكتملة ، حيث شهدت أوراق شجر تلك النيمة العريقة مولد قصة شعب ،، أو نشيد الملحمة الشهير والذي فيما بعد كمارسيل الثورة الفرنسية بالنسبة لثورة الشعب السوداني في 21 أكتوبر 1964.

عندما دلفت صحيفة الميدان لمنزل الشاعر هاشم صديق لتسجل معه وقائع وملابسات كتابة ذلك النشيد إحتفاءاً بمرور ثمانية وأربعين عاماً على مولد النشيد الشهير، ورغم أن الحوار كان يجري داخل صالون الشاعر، إلا أن أوراق شجرة النيم تلك كانت تتراقص على مدخل باب الصالون وكأنها تسجل إفادة الشجرة العتيقة كشاهد عيان على مولد نشيد الملحمة في الحوار الصحفي مع هاشم، باعتبارها من أهم الأعمال الموسيقية في تاريخ الغناء السوداني.

هاشم صديق

+ قبال الملحمة كتبت قصيدتين عاطفيتين في بواكير تجاربي الشعرية.

هكذا استهل هاشم حديثه مع الميدان حول الملحمة، ثم مضى موضحاً:-

صدقوني إن قلت لكم بأني لم أكن معروفًاً كشاعر، في تلك السنوات، كنت معروفاً كممثل ومسرحي، كنت يا دوبك في بدايات المرحلة الثانوية عندما كتبت الملحمة، في عام الثورة الشعبية 1964 التي تفجرت، كان عمري حوالي 16 عاماً وأذكر أني ومعي شقيقي الأصغر د. حسن الملك كنا نشارك في المظاهرات بحس الصبا فقط، ولم نكن ندري من أمر ما يجري حولنا شيئاً، وأذكر عندما سقط الشهيدان حسن عبد الحفيظ وخالد نصار وهو إبن حينا بساحة القصر مع أعداد من شهداء ذلك الحدث، رأينا بأم أعيننا الدماء الغزيرة على أسفلت الشارع، وكان هذا الأمر مرعباً ومخيفاً بالنسبة لنا، فانطلقنا عدواً من منطقة القصر الجمهوري وحتى منزلنا ببانت شرق ونحن نلهث!.

الثورة

= ربما أن ذلك الحادث إختمر في ذاكرة الشاعر ليتفجر فيما بعد؟!.

+ نعم هذا هو ما حصل، بعد أربعة سنوات أي في العام 1968، وأنا أعمل بالمسرح القومي، تفتق ذهني على مقترح طرحته للأصدقاء وزملاء المهنة والذين كان من بينهم صديقي الحميم الممثل والمخرج المسرحي مكي سنادة، كان المقترح هو تخصيص ليلة إحتفالية بالذكرى الرابعة لثورة 21 أكتوبر، وسرعان ما تلقف الفكرة مكي سنادة الذي طورها في شكل أن تكون أوبريت موسيقي بطقس مسرحي، وهكذا ولدت فكرة الملحمة. وإذا بي أجد نفسي وأنا أحمل الطاولة الحديدية في أحد نهارات يوم شتوي وأجلس تحت ظل شجرة النيم الظليلة التي ترونها الآن في فناء المنزل لأكتب الملحمة.

= والتربيزة دي هل ما تزال موجودة؟.

+ ياريت لو موجودة ، الحاجات الزي دي بتضيع بسرعة وزمان ما كنا بننتبه ليها، التربيزة دي كتبت فيها الملحمة والحراز والمطر ونبتة وأعمال شعرية ومسرحية تانية.

= من الواضح أنك استدعيت مشاهد القصر والدماء والهتافات في ساحة القصر وإنت بتكتب في نص الملحة!.

+ بالضبط، ويبدو أن كلمات أكتوبر كانت قابعة لفترة طويلة جداً في داخلي، عدت بذاكرتي لأربع سنوات للخلف فكان المنظر الذي رأيته مع حسن شقيقي ماثلاً أمامي بكل تفاصيله، لقد قمت بوصف ما حدث وما شاهدته ولم أضف أي مشاهد لم تراها أعيني، وربما يلاحظ المتابع أنه في كتابتي للملحمة تغلب المسرحي على الشاعر في مشهد التأليف، فكما أشرت قد قمت برواية ما حدث داخل نص القصيدة بشكل درامي، وربما أن المقطع الأخير في العمل هو البعيد عن المشاهد الدرامية!. أحداث أكتوبر هزتنا في ذلك الزمن وكان العصر عصراً ثورياً في السودان والمنطقة وكل العالم، وهذا أعطانا وعياً بشكل أو آخر كأجيال واعدة.

= إذن كيف تحول الأمر ليصير نشيداً بالطريقة التي قُدم بها؟!.

+ في ذلك الوقت كانت الامكانيات ضعيفة لتقديم أوبريت موسيقي إستعراضي، وبعد أن عرضت ما كتبته لمكي سنادة تشجع أكثر للمضي في تحقيق المقترح. فاقترح علي أن يتم تقديم العمل ضمن أعمال أخرى كأناشيد لأكتوبر بالمسرح القومي وتطرح الأعمال للمنافسة في مسابقة برعاية وزير الثقافة والاعلام وقتها.

=………!

+ في تلك الفترة كان الفنان محمد وردي كقامة فنية كبيرة يأتي لتوقيع بعض بروفاته بالمسرح القومي على عادة غالبية مطربي تلك الفترة، وكان قد قدم أعمالاً ممتازة وناجحة كأناشيد لثورة أكتوبر، فتذكرناه واقترح علي مكي سنادة أن يتولى وردي تقديم الملحمة.

= ومن وردي لمحمد الأمين ،، كيف؟.

+ شاءت الظروف والصدف ألا نلتقي بمحمد وردي وتم الاعلان عن المسابقة بالفعل، في تلك الفترة كان الفنان محمد الأمين يسكن جاراً لنا ومعه أبوعركي البخيت وخليل إسماعيل وآخرين من العازفين على ما أذكر، كان منزلهم يقع في شارع الأربعين على ناصية شارع منزلنا ببانت شرق، ود اللمين ظهر فجأة في سماء الغناء السوداني بطريقة جديدة في الألحان وبالسلم السباعي الممزوج بالخماسي ،، كان قد قدم أناشيداً ممتازة لأكتوبر واشتهر بها، فاتفق رأيي مع مكي أن محمد الامين عندو الحس الدرامي كمطرب جديد في الساحة، فاقترح مكي سنادة الاتصال بمحمد الأمين، طالما أن الوقت أصبح لايسعفنا والزمن للمسابقة تتناقص أيامه. فذهبنا إليه.

محمد الأمين

= هل كان يعرفك؟

+ والله ربما من بعيد ،، في تلك الفترة، كنت ممثلا ومسرحيا أكثر مني شاعر، التلفزيون كان مع بداياته ولا يقدم أعمالنا بكثرة والتي كنا نقدمها في شكل تمثيليات واسكتشات قصيرة ، أنا لا أبالغ إذا قلت بأن الملحمة هي التي قدمتني للشعب السوداني وعرفته بي كشاعر. والنص الموازي للملحمة موسيقياً أنجزه محمد الأمين كموسيقار مقتدر.

= والتقيتم بمحمد الأمين في منزله إذن!.

+ نعم ،، في صالون منزله وكان يوجد معه عدد من الموسيقيين والملحنيين أصدقاءه، ربما تعرفنا على بعضهم، أخذ محمد الأمين القصيدة مكتوبة بعد أن شرح له مكي سنادة موضوع المسابقة وأن الاختيار وقع عليه لتقديم النشيد، مكثت القصيدة لدقائق في يده وبعدها طلب مني أن أقرأها له ثم قرأها هو أيضاً مرة ثانية، وكانت بمثابة ميلاد بالنسبة لي عندما رفع رأسه مبدياً إعجابه بالنص وموافقته على تقديمها، بل حدد البروفات منذ يوم الغد!. بالفعل بدأت ورشة التلحين في صالون منزل محمد الأمين، في البداية بدأت الورشة صغيرة وسرعان ما بدأت تكبر وتنضم لها أعداد من الموسيقيين والملحنين، ( يقول الفنان محمد الأمين في إفاداته حول الملحمة بأنهم ووجهوا بضغوط في الزمن، كانت البروفات تبدأ من الخامسة مساء كل يوم وتنتهي عند التاسعة، كان من المفترض تقديم العمل يوم 21 أكتوبر عام 1968 بالمسرح القومي بأم درمان، في خلال 15 يوماً كانت الملحمة جاهزة للتقديم، وما كان يمكن أن أقدم العمل منفرداً لوحدي، إنضم لي الموسيقار موسى محمد إبراهيم مدير أوركسترا الاذاعة وهو الذي تولى توزيع العمل، إختار خيرة الموسيقيين من موسيقى البوليس وسلاح الموسيقى إلى جانب أوركسترا الاذاعة وآخرين مستقلين وجاء العديد من أمهر الموسيقيين، بدأ التلحين والتوزيع وبدأت البروفات تستعدل. فوقع الإختيار على مجموعة المطربين التي قدمت العمل، الإختيار نفسه لم يكن عشوائياً، كان لكل واحد مقطع تم تلحينه وتوزيعه له حسب خامة صوته وطريقة آداءه، عثمان مصطفى+ بهاء الدين ابو شلة + أم بلينة+ خليل اسماعيل + موسى إبراهيم كموزع)، أما بخصوص الكورس فقد ساهم العازف الراحل علي ميرغني كمعلم في اختيار مجموعة من طلاب وطالبات المدارس بالعاصمة، وكان يصطحب معه محمد الأمين فيطوفا تلك المدارس حتى أكتمل اختيار مجموعة الكورس المتناسق. يقول محمد الأمين (كنا في تخطيطنا الموسيقي مع موسى محمد إبراهيم نسابق الزمن، ما أن ننتهي من مقطع لا نعود إليه فنبدأ مقطعاً جديداً وهكذا حتى انتهينا). كان ود اللمين يواصل العمل لوحده أحياناً، عندما يذهب بقية الزملاء، فكان وما أن يحس بالتعب والارهاق حتى يصطحبه صديقه حمدي خاطر اللاعب السابق وحارس مرمى فريق المريخ لنهر النيل تحت الكبري لقضاء وقت يبدد السأم ثم يعود به لمواصلة التلحين.

لمحمد الأمين طرفة في جانب التلحين،، يقول:- (من الطرائف أننا بعد ما انتهينا وأنجزنا قفلة العمل فوجئنا إنو العمل ناقص، حيث نبهني موسى متسائلاً عن مقدمة العمل،، أنا عادة بهتم بالميلودي في الحاني، بهتم بتلحين الكلام وفي النهاية بضع الموسيقى، أقوم بتلحين الكلام وأشوف وين الكلام محتاج لموسيقى فاختارها ،، مسكت العود ،، في العمل مقطع موسيقي إخترناهو فبدأت أعزف جملة وموسى يكتب وعملناهو صولو للترومبيت).

ولهاشم صديق أيضاً طرفة من طرائف الإعداد للعمل، يقول أنه لم يعتاد أن يحضر بروفات أعماله التي يتم الاعداد لها مطلقاً وحتى اليوم، وحدث أن طرق بابهم في ساعة متأخرة في تلك الأيام طارق، وعندما فتحت والدته الباب منزعجة وجدت من يقول لها أن الفنان محمد الأمين يريد هاشم صديق لأمر عاجل، قال هاشم أنه ارتدى ملابسه على عجل وعندما خرج وجد العازف عوض مبروك فذهب معه للبروفة، وهناك وجد كمية من العازفين ودخاخين السيجائر والعمل يجري على قدم وساق، فأوضح له محمد الأمين بأنه طلبه لتعديل كلمتين في القصيدة لـ”أنهما لم تنسجما معي في التلحين” وبالفعل يوضح لنا هاشم صديق بأن الأمر لم يأخذ معه وقتاً طويلاً، فغير الكلمتين ووافق عليهما محمد الأمين واستمر التلحين، يوضح هاشم بأن نص قصيدة الملحمة نفسه كان طويلاً جداً، وبما أن الوقت يضيق في إنجاز اللحن وإعداده فقد طلب محمد الأمين إختصاره كسبً للزمن، فانتحى كل من هاشم ومكي سنادة ركناً قصياً بصالون المنزل وعدلا في النص دون ابتسار لبنائه الشعري، بحيث يكون الاختصار محكماً Adaptation))، وفي إفادة الفنان محمد الأمين حول استشارة الشعراء الذين يغني لهم في تعديل النص أو كلمات القصيدة يوضح قائلاً:- (أنا لا تدخل في أي مقطع شعري بدون الشاعر ومراجعته، فهو الذي يغير وبموافقته وإشرافه، لذا فكثيراً ما كنت أتصل بهاشم أو يتصل بي هو للتنسيق حول تغيير كلمة كلمتين في نص الملحمة).

= حسناً وهكذا كان الاعداد للتلحين ،، لننتقل الآن للتقديم.

+ بخصوص التقديم دخل المنافسة عدد من أرفع المطربين في تلك الفترة محمد وردي بنشيد أكتوبر الأخضر وكذلك كل من كابلي وإبراهيم عوض وعثمان حسين وآخرين لا أذكرهم، وما هو طريف أيضاً فقد كان وردي يجري بروفات أكتوبر الأخضر في كواليس المسرح القومي بأم درمان بينما انتقلت بروفات الملحمة في الأيام الأخيرة للتدرب عليها على خشبة المسرح القومي أيضاً، فلاحظت أن وردي كان يترك بروفته فيأتي لمتابعة بروفة الملحمة وهو صامت، وكنت أرى عليه علامات الدهشة والاعجاب من الآداء، فيما بعد سنحت لي فرصة لأسأله، فأسر لي بأنه لم يكن كذلك فحسب بل أنه كان يأتي لمحمد الأمين بمنزله ويتناقشا حول الملحمة موسيقياً ويبدي له بعض الملاحظات التي يوافق عليها محمد الأمين!.

= وجاء يوم تقديم العمل!.

+ وجاء تقديم العمل ،، عندما وصلت مع والدتي وشقيقاتي وجدنا المسرح مكتظ عن بكرة أبيه ،، رئيس مجلس السيادة والسادة الوزراء بما فيهم عبد الماجد أبو حسبو وزير الثقافة والاعلام وقتها بالبلكونة الرئيسية، جلسنا في الصف قبل الأخير، وبدأ تقديم الأعمال المنافسة ، كانت كلها تقريباً على مستوى من الجودة في الآداء والتلحين، وأذكر أن الجمهور كان يستقبل مقاطع تقديم الملحمة بالتصفيق الحار وهو وقوفاً، وعند النهاية سمعت من ينده لي بصوت عالي، فأوضح لي أن رئيس مجلس السيادة والسادة الوزراء يودون تهنئتي، فذهبت معه، ولتواضعهم جميعاً نهضوا من مقاعدهم وكان يتوسطهم المحجوب فهنئوني وصافحوني مباركين، وقد كنت صغيراً في عمري ونحيفاً وأنا أتلقى منهم التهاني!. خرجت مع والدتي وشقيقاتي، فوجدت كل من الأستاذين مبارك حسن خليفة والطاهر شبيكة وكانا من أساتذتي الذين تتلمذت على أياديهما ينتظرانني أمام بوابة المسرح القومي فأخذاني بالأحضان وهنئاني، وهي اللحظة التي تأكد لي فيها النجاح منقطع النظير للعمل الذي قدمته، في الحي وزعت والدتي الحلوى والتمر فرحة بنجاح النشيد!. فيما بعد تم تكريمنا بواسطة أبو حسبو في وزارة الثقافة والاعلام ووكيل الوزارة إبراهيم حسن خليل، فوجدنا بعض الصحفيين الذين غطوا المناسبة ( وتوجد صورة فوتوغرافية شهيرة لي مع الوزير ومحمد الامين)، قدموا لنا جوائز عبارة عن ظرف فيه مبلغ مية جنيه لي وظرف آخر لمحمد فيهو خمسمية جنيه.

حول انطباعات الفنان محمد الأمين أفاد:- (الملحمة أصبحت بداية لعمل مسرحي غنائي في ذلك الوقت وناقشت هاشم صديق واتفقنا على تقديم أعمال لمسرح غنائي، وكنت أتمنى تقديم عمل ملحمي وطني، الملحمة نفسها ناقصة، كان مفروض يكون فيها حركة ويكون فيها دراما، فلم تتوفر سوى مدرجات للكورس وأماكن للمغنيين وقائد الأوركسترا ولي، لمن تقول مسرح غنائي إستعراضي يعني موسيقى وغناء واستعراض، ده كان مفروض يتوفر في الملحمة) وفي هذا يفيدنا هاشم صديق نفسه بأن العمل كتب أصلاً كعمل غنائي استعراضي ،، ده كان فهمنا للملحمة بالنسبة لمكي سنادة وأنا، والدراما الاستعراضية نفسها لم تكن مفهومة لدينا إلا بعد ذهابي للدراسة بانجلترا عام 1974.

يقول هاشم عن ملحمته وملحمة الشعب بعد كل هذه السنوات (ما أزال مندهشاً كون أن هذه القصيدة محفورة في ذاكرة الشعب السوداني وما أزال أتلقى برقيات التهاني في كل مناسبة تمر بذكرى الثورة سنوياً، هي القت علي بعبء ثقيل، وبحكم إنتمائي الطبقي كان لابد أن أتصدى للدفاع عن الجماهير، فانحزت لها وللشارع، وواجهت جميع الأنظمة القمعية فاعتُقلت وشُردت ولوحقت ومُنعت أعمالي الشعرية والمسرحية).

ثم يضيف ملاحظة جديرة بالاهتمام:- لاحظت أن محمد الامين إنفعل في مقطع ( لما يطل في فجرنا ظالم) وكان يؤدي المقطع بانفعال واضح، وهي ملاحظة ممكن أن تلفت إنتباه كثير من المستمعين، والسبب هو أن تلك السنوات شكلت فترة التراجع عن شعارات أكتوبر بشكل واضح، وانتظم المبدعون في التعبير عن تنبيه الجماهير لما يحيق بثورتهم من تآمر وتراجع عن شعاراتها!، فيعلق الفنان محمد الأمين حول الأمر موضحاً:- (اكتوبر زاتا تلاشت وما حدث في أكتوبر تهدم وما حدث في أيام اكتوبر تحسرنا عليهو، وكنا بننبه الناس وفي نشيد “شهر عشرة” كنا بننبه الناس أنهم يحصلو المسألة دي وفي الأخير كل شئ إنتهى)!.

ثورة 3

_______

* بتصرف إستصحب مجموعة مقالات ومقابلات تلفزيونية وإذاعية وحوارات صحفية.

* نقلا عن صحيفة الميدان.