اثنان وخمسون عاما مضت على ثورة أكتوبر المجيدة، وشأنها شأن الأحداث المفصلية في تاريخ السودان المعاصر، ظلت محورا لاختلاف السودانيين سواء  على مستوى النخب السياسية والفكرية أو جماهير الشعب، ابتداء من الاختلاف حول تسميتها (ثورة أم انتفاضة) مرورا بتقييم الأداء السياسي والاقتصادي والتنموي أثناءها وصولا إلى المسؤولية عن هزيمة أهدافها الاستراتيجية ثم الإطاحة بها عبر انقلاب مايو1969م بقيادة العقيد (حينها) جعفر محمد نميري.

ولكن ظلت”أكتوبر” حدثا ملهما يجسد أشواق الشعب السوداني للحرية، وحدثا نوعيا من حيث استدعاء القضايا الأساسية في نظام الحكم، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومشاكل الوحدة الوطنية وعلاقة المركز بالأقاليم، وعلاقة الدين بالدولة إلى واجهة العمل السياسي، وما زالت كل هذه القضايا محور الصراع بل والاحتراب الأهلي بين السودانيين حتى هذه اللحظة، بل ان الإخفاقات بشأنها قادت لانقسام السودان إلى دولتين، وما زالت الحرب الأهلية مشتعلة والبلاد ترزح تحت وطأة الفقر والقهر بقيادة نظام سياسي فاقد لأدنى شروط الأهلية للحكم حتى مقارنة بنظام عبود الذي أطاحت به أكتوبر أو نظام نميري الذي أطاحت به انتفاضة 6 أبريل 1985 .

وتأسيسا على ذلك فإن روح أكتوبر النضالية مطلوبة اليوم بإلحاح أكثر من أي وقت، بل ان تفاقم الأزمة والطبيعة المتفردة للدكتاتورية الحالية من حيث استهدافها لكل مؤسسات الخدمة العامة وكل التكوينات النقابية والتنظيمات السياسية والقوى الحية في المجتمع بالتخريب والتفكيك  الممنهجين أفرز تحديات غير مسبوقة في تاريخ السودان تستوجب تغييرات جذرية في وسائل العمل من أجل التغيير في اتجاه السلام المستدام والتحول الديمقراطي.

وليست مصادفة أن يكون تاريخ “أكتوبر”  المجيدة مهمشا مع سبق الإصرار والترصد في “الإعلام الرسمي”، بل يتسق ذلك تماما مع سياسات تجريف الذاكرة الوطنية لاسيما من الأحداث التى تلهم الوجدان الوطني وتشده نحو آفاق الحرية وتعزز الثقة في قدرة الإرادة الشعبية على “إنجاز التغيير”، وهذه هي المعاني الخالدة لأكتوبر التي يجب ان تحرص “قوى التغيير” على استدعائها.