خالد فضل

(1)

كتبت الزميلة رشا عوض ؛رئيسة تحرير صحيفتنا “التغيير الالكترونية” , منشورا على حسابها بشبكة التواصل الإجتماعي (فيس بوك),  علّقت فيه على مقولة لفنانة اسمها السارة استضافتها قناة فرانس24وتم تعميم المقطع على اليوتيوب فيما يبدو , عبارة تلك الفنانة (الاستعمار العربي في السودان) , جعلت زميلتنا رشا تصرّح لأول مرّة تقريبا _معرفتي وزمالتي بها تعود إلى نحو عقد ونصف تقريبا _ بأنّها جعطابية أي جعلية /رباطابية , وكلا القبيلتين من السودان الشمالي النيلي بل من مواطن الزعم العروبي ذي النسبة المؤثلة للعباس بن عبدالمطلب عمّ النبي العربي القرشي محمدا (ص). ولهذا استنكرت رشا على تلك الفنانة عبارتها المؤلمة حقا لرشا وأضرابها من ذوي الهوية والنسبة العرقية العربية لكنها لا تعرف وطنا غير السودان . ووجه الألم بالنسبة لرشا ومن هم على مقدار وعيها ومسؤوليتها ودورها في الحياة العامة ,  مقدّر في سياق الشعور الإنساني العام بخيبة الأمل لكون سنوات وسنوات من المساهمة في حلحلة العقد العويصة التي أورثنا إياها أجيال متلاحقة سابقة من قومنا السودانيين ما تزال عصيّة على الحل , فتأتي شابة فنّانة بكل بساطة تنسف ما نتصوّره وعي مختلف ورؤية أكثر حصافة قد غشت ناشئة الأجيال من السودانيين تحديدا ,ومع ذلك تبدو عبارة تلك الشابة الفنّانة مما يستحق التوقف والتأمُّل مليّا , باعتبارات عديدة منها أنّها تُقدّم كفنّانة , وهي قيمة عالية الأهمية في تقديري , كذلك بالنظر إلى عمرها الشاب , والوسيط الإعلامي الذي حمل رسالتها باتساع نطاقه .

في هذا المقام أذكر أنّ المركز الثقافي الفرنسي في الخرطوم كان قد اختار أحد مقالاتي التي نشرتها جريدة الصحافة في السنوات المبكّرة من هذا القرن , وتمت ترجمتها ونشرها في مجلة المركز الشهرية وقتذاك , صدف أنّ صحفية فرنسية تمتلك مجلة اسبوعية في أحد المدن الفرنسية جاءت في زيارة إلى الخرطوم واطّلعت على المقال المترجم في المجلة , طلبت تلك الصحفية إجراء مقابلة مع كاتب المقال في لغته الأصلية إنْ أمكن ذلك , وبالفعل لبيت دعوة المركز لمقابلة تلك الصحفية التي فيما يبدو فوجئت بأنّ كاتبا شماليا عربيا مسلما  _حسب التصنيف العالمي السائد_يمكن أنْ يكتب عن معاناة ومأساة عامة الجنوبيين السودانيين المسيحيين الزنوج بتلك الروح وهذه الرؤية الإنسانية العميقة, سألتني عن موطني ونسبي وديانتي وتكويني الفكري والثقافي , وفي ختام المقابلة والحوار اعترفت بأنّ الرأي العام في أوربا لا يعرف سوى تلك الثنائيات السائدة عن حرب السودان الأهلية , وأنّ كتابتي تلك تعتبر اختراقا مهما لتلك الرؤية النمطية واستأذنتني في إعادة نشر ما ترجم  في مجلتها الإسبوعية بفرنسا فأذنت لها .

(2)

   ونحن طلّاب في جامعة جوبا قبل بضع وعشرين سنة , صكّ الطلبة الشماليون مصطلح (شيريا) لوسم زملائهم من الطلبة الجنوبيين , فلما كتب أحد الطلبة الجنوبيين محتجا بعنوان (لماذا شيريا ؟), تمّ نحت مصطلح آخر ظلّ مستمرا لحين تخرجنا هو (شعبك) في دلالة ساخرة ل (شعب الله المختار التي يزعمها اليهود) , والتي وردت كذلك في القرآن الكريم الذي يتلوه المسلمون في كلّ مكان . لم استسغ أيّا من المصطلحين ولا أذكر أنّني على المستوى الشخصي قد استخدمتها في أي لحظة , رغم حدوث بعض الشكلات الصغيرة هنا وهناك . كيف كان ينظر الجنوبيون إلى الشماليين ؟ صحيح على المستوى الفردي والشخصي نشأت علاقات مودّة عميقة , وحاز أفراد كثيرون على ثقة الجنوبيين , رغم كونهم مندكورات و( أرب) حقارين , بينما كان أصدقاؤنا من أبناء دارفور تحديدا يمزحون بالقول , أنحن عند الجنوبيين مندكورات و(أرب) حقاّرين وربما مستعمرين مثلكم , أمّا عندكم يا شماليين /جلّابة , نُعتبر مجرّد غرّابة وهم ساكت .

(3)

  صبيحة إعلان مصرع الراحل د. جون قرنق , كُنت في شارع القصر قبالة مدارس كمبوني , حاولت تهدئة مجموعة من الشباب الغاضبين الذين سيّروا مسيرة مرّت في شارع القصر وبدأوا يحطمون في زجاج بعض السيارات المتوقفة على الشارع , انبرى لي مجموعة من الشباب والشابات الغاضبين من طلبة الكلية الجامعية وطلبوا مني التوقف عن محاولة انتقاد سلوك تحطيم الممتلكات الخاصة أو العامة , وكانت نظرات بعضهم/ن تتطاير شررا , تدخّل أحد الموظفين في الكلية ولفت نظر أولئك الغاضبين أنّهم يتعاملون بهذه الفظاظة مع (أستاذ خالد فضل ) وما أدراكم من هو !! لاحظت أنّ بعضهم قد حاول إبداء إعتذاره , ولكنني في الحقيقة كنت مقدّرا لدفقتهم الشعورية العارمة بخيبة الأمل في تلك اللحظات العصيبة , أحسست بأنّني لم أٌحسن توقيت ما ظننته تعقُّلا في وجه لوثة هياج عاطفي شديد .

(4)

  في النهاية انفصل الجنوب كما في لغة , أو استقلّ كما في تعبير آخر عن نفس الحدث , وغنى المغني في الرنك صبيحة التاسع من يوليو 2011م وكنت حاضرا (اليوم نرفع راية استقلالنا) , مثلما غنى السودانيون صبيحة الفاتح من ينائر1956م (عن رفع راياتهم )استقلالا من التاج المصري والاستعمار الانجليزي , وقد كانت (مصر والسودان حتّة واحدة) على قول بعض الهتاف الوحدوي ! ما الاستعمار  ؟ سوى ممارسات من سلطة غاشمة تهيمن على موارد البلاد تبعد أهلها عن إدارة شأن بلادهم وتفرض عليهم نمط تحديث , وتنمية ,ووثبة , و و و مما تزعمه السلطات , أمّا شؤون الحكم والرئاسة والإدارة العليا واتخاذ القرار المصيري فهو خاص ومحتكر لفئة المستعمرين , وعلى المستعمرين بفتح الميم الإذعان والهدوء وحمدالله على نعمة الأخذ بيدهم من الظلمات إلى النور . وإلّا أًعتبروا في عداد المخربين والمتمردين والشيوعيين . ماذا لو ارتبطت هذه السلطة بموجة توجهات ثقافية أو عرقية أو عقائدية محددة؟ وهو ما يسمى عدم التوازن في عملية البناء الوطني , بالنتيجة يتم تنميط بعض الفئات في المجتمع بأنّها الأدنى , ووصم بعض القوميات بانحطاط الشأن , بل حتى المهن يتم دمغها بهذه النعوت الاثنية أو الجهوية , دون مراعاة لفارق التقدم النسبي هنا وهناك , فالمدير والرئيس في مؤسسات الدولة وقطاعاتها السياسية والسيادية والدبلوماسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية والإعلامية والمالية , غالبا من الموسمين بالعروبة /الإسلام . هل هذه حقائق أم إفتراءات ؟ قد يحتجُّ محتجٌّ بأنّ هذا الوضع نشأ من نمط التنمية الاستعماري الذي ركّز جلّ جهوده في نطاق محدود من السودان الشمالي النيلي والأوسط وصدف أنّ هذا النطاق مما تستعمره المجموعات السودانية المستعربة , لهذا كان التقدم النسبي لهؤلاء ومن ثمّ احتلالهم للمواقع والوظائف القيادية بحكم التعليم والتدريب . هذا قول منطقي في السنوات الباكرة للإستقلال , أمّا وقد هرم الوطن وما يزال يعاني من آلآم التسنين فهذه معضلة حقيقية , وبالتالي فإنّ نظرة غير المستعربين في السودان للهيمنة والنفوذ الذي يتمتع به المستعربون مما يخلق في دواخلهم الإحساس بالاستعمار .

(5)

   إنّ توزيع مشاريع الزراعة المطرية الآلية الضخمة في مناطق جبال النوبة مثلا , يمثل هوة سحيقة بين تطلعات المواطنين المحليين وواقع التقسيم الذي منح أغلبية الأراضي وأخصبها لكبار المتقاعدين من الخدمة والضباط وكبار التجار من خارج شعب الإقليم , بينما حُظي بضعة أفراد من أبناء أو مؤسسات جبال النوبة بمشاريع من عدد مئات , ألا يحفّز مثل هذا الإجراء على النظر إلى المجموعات المستعربة وكأنّها مُستعمرة (بكسر الميم ), ثمّ ينشأ ما يسمى بالتجمع العربي في دارفور وبالطبع تتزعمه قيادات سياسية ومهنية بارزة من القبائل العربية , ويكون من ضمن مقرراته غير المعلنة , الحد من هيمنة القبائل غير العربية على مقاليد السلطة في الإقليم , وذلك بالتنافس معهم على التعليم ووقف تطوره في مناطق (الزرقة) ما أمكن ذلك حتى يتولى العرب زمام الحكم ومقاليد السلطة بإعتبارهم أكثرية , ماذا لو جاء الجنجويد بعد بضع عشرة سنة , فعاثوا في أرض وحواكير الزرقة حرقا ونهبا وقتلا وتشريدا , وأول ما يُستهدف بالهجمات كانت المدارس والخلاوي بإعتبارها مراكز تعليم للزرقة , ثمّ تأتي الدولة لتضفي على كل إرث النهب والسلب والتشريد صفة التمحيد وترفيع مرتكبيه إلى خانات البطولة والفروسية وحمايتهم بديباجة رسمية , فكيف يكون الإستعمار إذن ؟ بل كيف نرجو أنْ يتم التفريق بين ممارسات سلطة لا تُمثّل في الواقع ولا تعبّر عن المستنيرين وبعض المثقفين لكنها تنسجم مع ما هو سائد من أدبيات السذاجة والإستعلاء العرقي باسم العروبة تارة وباسم الإسلام تارات أخر , ماذا يتوقع المرء من عامة غير العرب في السودان ؟ النظر بإعجاب إلى كون أنّ السودان عربي /اسلامي بدون دغمسة تعددية ؟ فيا عزيزتي رشا اسمي واسمك مكتوبان في عداد المستعمرين العرب دون شك , لكن هذا لا يعني الاستسلام أبدا , فبمثل ما تطفح وتنضح الأدبيات وسط المجموعات العربية بمفاهيم الاستعلاء والهيمنة والتحقير للآخرين , نجد كذلك عبارات القدح والاستحقار والسخرية والحط من قدر المستعربين في أوساط غيرهم , لابد إذن من استمرار العمل بوعي واخلاص من أجل جعل قيمة المواطنة حقيقية وفعلية , وفي سبيل ذلك لابد من مذ حبال الصبر بل وتحمّل الأذى . وسلمت بلادنا وتعدديات شعبنا .