نبيل أديب

بغض النظر عن قبولنا أو رفضنا لما إذا كانت مخرجات الحوار الذي أصبح يعرف بحوار الوثبة يمثل فعلاً نتيجة حقيقية للإرادة المشتركة  للقوى الرئيسية للمجتمع السوداني، فإن ما لاخلاف حوله هو أن الحكومة تقبل بتلك المخرجات، وانها أعلنت رغبتها في إنفاذها على لسان رئيس الجمهورية الذي وصفها بأنها أوامر أصدرها الشعب. وعلى لسان الأمين السياسي للحزب الحاكم حامد ممتاز، والذي أكد، خلال حديثه في ندوة سياسية بالخرطوم في الأسبوع الماضي ، أن حزبه سيشرع في تنفيذ مخرجات الحوار ، ابتداءً من الأسبوع القادم.

لما كنا قد خبرنا من قبل مدى تقاعس الحكومة في مواءمة القوانين السارية مع الدستور، فقد رأينا أن نساعدها في مسألة مواءمة القوانين السارية مع مخرجات الحوار التي قبلتها، ووعدت بإنفاذها. وسنتناول اليوم حاجة احكام القانون بشأن إشانة السمعة للتعديل كإستحقاق تدعو له مخرجات الحوار.

أشارت المخرجات لحرية التعبير في الجزء الخاص بلجنة الحقوق والحريات الأساسية، في البند (9) من الجزء المعنون “مدخل”، كما ونص البند (20) في محور الدستوريات على حماية الحقوق والحريات العامة.

ونصت المادة (21) من نفس المحور على الإلتزام التام بحقوق الإنسان، كما وردت في المعاهدات والمواثيق الدولية. ولما كانت حرية الصحافة تمثل موقع القلب من حرية التعبير فإن النظر إلى القوانين التي تحد من تلك الحرية، بغرض مواءمتها مع المواثيق الدولية، يصبح مهماً لإثبات جدية الحكومة في إنفاذ مخرجات الحوار، الذي لم تشارك فيه قوى المعارضة الرئيسية بمختلف تكويناتها، مما قد يساهم في إقناع من لم يشارك منعا بجدوى الحوار، وهو  أساس ما اقعدها عن المشاركة في الحوار حتى الآن .

الحق في التعبير

الحق فى التعبير بشكله المطلق يشمل الحق فى نقد التصرفات التي تصدر عن الآخرين، كما ويشمل الحق فى رواية وقائع عن أشخاص يرى راويها أن للمتلقى حقاً أو مصلحة، أو حتى مجرد رغبة فى تلقيها، رغم أنها قد تنطوى على ما لايرغب من رُويَّت عنه فى أن يعلمه أو يسمعه آخرون. وقد يكون المتلقى شخصاً واحداً أو عدداً محدوداً من الأشخاص، كما وقد يكون العالم بأسره، إذا تم النقل عن طريق وسائط إعلامية. تأتى المشكلة حين يتضمن ذلك الرأى المنقول، بغض النظر عن الوسيلة التى إستُخدِمَت فى نقله، ما يحط من قدر شخص آخر، أو هيئة، أو مجموعة أشخاص. وما يهمنا هنا حين يكون الشخص المروي عنه الخبر، أو الذي خضع سلوكه للتقويم، سلطة أو شخصية عامة، لأن ذلك هو ما يهم الرأي العام بصفة خاصة، ولأن ذلك ما عنته مخرجات الحوار. لقد أخذ  تبرم السلطات العامة المختلفة بالنقد الصحفي أشكالاً عديدة أكثرها ذيوعاً هو رفع الدعاوى ضد الصحف، والكُتّاب، بدعوى أن مادة خبرية، أو مقالة تم نشرها فى صحيفة، قد أشانت سمعتها. وهذا الإتجاه فى تقديرنا يهدم الأساس الذى تقوم عليه الديمقراطية، من حيث أن جوهرها الحقيقى هو حق نقد السلطات العامة، والذى بدونه تصبح كل المبادئ الديمقراطية الأخرى، كالتبادل السلمى للسلطة، وخضوع الحكام للمحاسبة، وحق الترشيح، والإنتخاب للمناصب العامة، تصبح كلها حبراً على ورق، و تُجَرَّد من كل قيمة، إذا تمت مصادرة الحق فى إنتقاد الحكام وإنباء الكافة بما يدور فى أروقة السلطة.

والمفارقة هنا تكمن فى أن الوسائل القادرة على الوصول لعدد أكبر من الناس، وعلى البقاء مدة أطول فى متناول أيديهم، رغم أنها تؤدى لضرر أكبر إذا وجِّهَت ضد شخص ما، إلا أنها تُستَخدم عادةً لنقل المواد التى تهم الرأى العام. في كل الأحوال لا بد للقانون من أن يتدخل لفك الإشتباك بين الحقوق، فيرسم الحدود بين حق التعبير خاصةً بالنسبة للمسائل ذات الطبيعة العامة، وحق الخصوصية الذى يحمى حق الأفراد فى أن يُتركوا وشأنهم، وحقهم فى عدم خدش سمعتهم.

إشانة السمعة بالنسبة للسلطات العامة

تنص المادة 159 من القانون الجنائي على أنه “يعد مرتكباً جريمة إشانة السمعة من ينشر او يروي او ينقل لآخر بأى وسيلة وقائع مسندة إلى شخص معين أو تقويما لسلوكه قاصدا بذلك الإضرار بسمعته” فهل تتمتع الهيئات العامة بالحماية التي يسبغها القانون على الأفراد، ضد  إشانة سمعة؟ الإجابة عندي بالنفي، لأن كلمة شخص هنا مقصود بها الشخص الطبيعي، رغم أن المادة “3” من القانون الجنائي تُعَرِّف كلمة شخص بأنها تشمل الشخص الطبيعي،وكل شركة، أو جمعية، أو مجموعة من الأشخاص، سواء أكانت ذات شخصية إعتبارية أم لم تكن. ولكن ذلك التعريف يرد عليه التحفظ الوارد فى صدر المادة وهو “ما لم يقتضِ السياق معنى آخر”. تعريف الجنس بما يشمله من طوائف، لا يعنى أن ذكر المُعَرَّف فى كل مرة يشمل كافة طوائفه، بل يحدد ذلك السياق. فالمادة “156” من القانون الجنائي مثلاً تذكر (من يغوي شخصاً، بأن يغريه أو يأخذه أو يساعد في أخذه أو إقتياده أو إستئجاره لإرتكاب جريمة الزنا أو اللواط أو ممارسة الدعارة أو الأفعال الفاحشة أو الفاضحة أو المخلة بالآداب العامة…….إلخ) فهل كلمة شخص هنا تشمل الشركات والجمعيات؟.

ومع ذلك فحتى لو قلنا إن كلمة شخص تشمل الشركات والجمعيات ومجموعات الأشخاص فهل تشمل السلطات العامة في الدولة؟ الإجابة قطعاً بالنفي، وذلك لأن السلطات العامة في الدولة لا يشملها تعريف الشخص بل أفردت لها المادة (3) تعريفاً خاصاً لها، فعرفتها بأنها تعني أي سلطة مختصة في الدولة. أضف لذلك أنه ليس كل إسناد وقائع او تقويم سلوك حتى بالنسبة للأفراد يدخل في دائرة التجريم، فإن المادة إستثنت أحوال أن يكون التقويم مستهدفا الصالح العام، أو اذا كان التقويم لشخص من الشخصيات العامة. وبغض النظر عن كل ذلك فهل يمكن إعتبار السلطة العامة بالمعنى الذى ذكرناه محصنة ضد النقد، بحيث لا يمكن للصحيفة أن تُقيِّم ما تقوم به من أعمال حتى ولو أدى ذلك لتقييم سلبى لطريقة أدائها لمهامها؟ إذا قلنا بذلك فما هو واجب الصحافة في مجتمع ديمقراطي، إذا لم يكن نقد السلطات العامة والتنبيه لأخطائها؟ لما كانت الدولة ملزمة بأن تكفل حرية الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى وفقاً لما ينظمه القانون في مجتمع ديمقراطي وفقاً للفقرة 2 من المادة 39 من الدستور  وعلى ضوء كل ذلك فهل هناك ما يستدعى تدخل القانون الجنائى؟
القضاء والعقاب الجنائى على إشانة السمعة

جوهر المسألة، ليس هو هل تشمل الجريمة الأخبار المروية، والنقد الموجه، للسلطات العامة؟ بل هو هل هنالك حاجة، في الأساس، لمواجهة إشانة السمعة بالعقاب الجنائي؟ أم يكفي أن تتم مواجهتها بالقانون المدني؟ رغم الحملة العالمية التى تقودها منظمات حقوق الإنسان ضد قوانين إشانة السمعة الجنائية،  فما زالت بعض قوانين بعض البلاد تحتفظ بها، ولكن القضاء كان أكثر إستجابةً للدعوة من المشرع، ففى هولندا فسرت المحاكم النص الخاص بإشانة السمعة فى قانون العقوبات الهولندي بأنه يخضع لإتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية، والحق في حرية التعبير، بحيث لا يُطَّبق عندما يكون الأمر متصلاً بنقاش ذي طبيعة عامة .
وفى إنجلترا رأى مجلس اللوردات، في دعوى رينولدز ضد صحيفة التايمز وآخرين أنه ” على المحكمة أن تضع إعتباراً خاصاً لأهمية حرية التعبير، فالصحافة تلعب دوراً مهماً كرقيب، ويجب على المحكمة أن تتردد كثيراً قبل أن تقرر أن النشر لم يكن من المصلحة العامة، وبالتالي لم يكن من حق الجمهور أن يعلم، خاصة عندما تكون المسألة متعلقة بمسألة سياسية، ففي هذه الحالة فإن الشك يجب أن يفسر لصالح النشر”.
أما فى أمريكا ففي دعوى إيان مايكل ليك ضد ولاية أوتاه، رأت المحكمة أن “قانون الولاية لم يتبن المعيار الدستوري الذي يُلزم بتطلب سوء النية الفعلي، والمتمثل في معرفة أن الإسناد موضوع الإتهام غير حقيقي، أو بإهمال تام لمحاولة معرفة مدى صحة ذلك الإسناد، وأنه بذلك لا يكون قد أوفى بالمتطلبات الدستورية . رغم إقرار الولاية بذلك، إلا أن ممثلها يدفع بأن المحكمة كانت ستتبنى هذا المعيار على أية حال بالرجوع إلى السوابق القضائية في هذا الصدد. ولكن ذلك غير صحيح لأن المحكمة لا تستطيع أن تفسر القانون على هواها، وتقرأ فيه ما لم يرد به، وإلا تكون قد قامت بالتشريع بدلاً من التفسير، ولذلك فإن المحكمة عليها أن ترفض ذلك القانون لأنه غير دستوري ولا تفسره بما لم يرد فيه”. وفي دعوى جاريسون ضد لويزيانا ،حين أدانت محكمة الموضوع  المدعى العام لإحدى مقاطعات الولاية لقوله بأن السبب في تعطيل نظر الدعاوي سببه أن القضاة في تلك المقاطعة كسالى، رأت المحكمة العليا أن القانون الجنائي في لويزيانا لا يوفي بالمتطلبات الدستورية، لأنه لم يسمح للمتهم بأن يدفع بصحة ما قال ليدفع الإتهام بإشانة السمعة، كما وأن القانون فشل في تبني تطلب سوء النية الفعلي، والذي يتمثل في معرفة عدم صحة الأقوال، أو في تجاهل سافر لمحاولة معرفة مدى صحتها. ولكن هذه الأحكام الأمريكية، يجب أن ينظر لها بحذر لأنها تنطوي على خلط للأمور، فقد إستندت على المعيار الذي وضعته سابقة سوليفان المدنية، وهو معيار صحيح بالنسبة للدعاوى المدنية التي تتصل بإنتقاد الرسميين، ولكنه غير صحيح بالنسبة للدعاوى الجنائية، لأن الإتجاه الحديث لا يرى هنالك أصلاً داعياً لتجريم إشانة السمعة، لأن ذلك التجريم، من حيث هو، يقيد حرية التعبير ويخالف الدستور. ولذلك عندما وُضِع القانون الجنائي النموذجي الأمريكى في عام 1961م لم يتبن جريمة إشانة السمعة ،وذكر واضعوه أن السبب في ذلك هو أنه رغم أن الحط من قدر الأفراد هو عمل شرير، إلا أن ذلك فى حد ذاته لا يبرر تجريم الفعل، لأن التجريم يتطلب إعتداء على الأمن الإجتماعي، وهو الأمر الذي لا يحدثه ذلك الفعل، وليس هنالك مبرر لتوقيع عقوبة جنائية على إرتكابه .
في عام 2001م  قررت المحكمة العليا في أمريكا في سابقة  Ivey V. Alabama  أن قانون إشانة السمعة الجنائي في الاباما مخالف للدستور إثر إدانة إيفي بذلك القانون في محاكمة سياسية، وقد ذكر القاضي ليونز وهو يدلي برأي المحكمة العليا، أن الرأي الذي يقول بأنه لم يعد هنالك أساس دستوري لوجود قوانين جنائية لإشانة السمعة قد أصبحت له أرضية صلبة.

على أنه ليس هنالك في نظرى سابقة أكثر خطورة من سابقة كوناتي ضد بوركينا فاسو، التي أصدرتها حديثا المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان. فرغم أن السودان كان قد دعا الدول الإفريقية الى الإنضمام لتلك المحكمة، والخروج عن المحكمة الجنائية الدولية، إلا أنه حتى هذه اللحظة لم يفعل ذلك، وبالتالي فهو ليس عضواً في المحكمة. رغم ذلك فإن أهمية السابقة هي أنها تحمل تفسيراً للميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، الذي أصبح بموجب أحكام المادة 27 (3) من الدستور جزء لا يتجزء من وثيقة الحقوق، ولأن مخرجات الحوار تشير له مباشرة كأحد العهود الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان

كوناتي ضد بوركينا فاسو

تتلخص وقائع الدعوى في ان كوناتي وهو ناشر صحيفة أسبوعية تدعى (لورجان ) في بوركينا فاسو،  نشر مقالين في صحيفته، الأول عنوانه (( تزوير وترويج عملة ورقية. ثلاث ضباط وشرطة ومسؤول عالي الرتبة في مصرف عرابون للعصابة  )) والمقالة الثانية بعنوان (( إنكار العدالة، وكيل نيابة فاسو مجرم يطبق العدالة )) على أثر ذلك، قام وكيل نيابة فاسو برفع دعوى ضده أسسها على إشانة سمعة موظف قضائي وإستخدام لغة مسيئة ضده. تمت إدانة كوناتي وصدر ضده حكماً بالسجن لمدة عام، وبالغرامة، وأوقف نشر  الصحيفة لمدة سته شهور. وأمر كوناتي بأن ينشر الحكم على نفسه في ثلاث أعداد  متوالية في الصحف  وقد أيدت  محكمة الإستئناف الحكم في 10 مايو 2013م.

الحق لا يقتصر على الصحفيين

تقدم كوناتي بدعوى ضد بوركينا فاسو طالباَ إصدار حكم ضدها، على أساس أنها إنتهكت حقوفه المقررة بموجب احكام المادتيين (9)  و (19) من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، ولقد تعرضت المحكمة لمسألة مهمة حين إعترضت الدولة المدعى عليها على صفة كوناتي كصحفي، فإدعت  أن كوناتي لاصفة له في رفع الدعوى لأنه لايحمل بطاقة صحفي، ولأن صحيفته غير مسجلة كصحيفة مع مصلحة الضرائب. رأت المحكمة أن دفع بوركينا فاسو لا أساس له، لأنه حتى مع إفتراض صحة ماتقول، فإن ذلك لايعدو أن يكون مخالفة لمتطلبات إدارية في الدولة  المدعى عليها، ولكنها لا تغير من واقع الأمر بأنه حوكم وعوقب بإعتباره يمارس عملاً صحفياً، وذهبت المحكمة لأبعد من ذلك حين قالت أنه حتى ولو لم يكن صحفياً فإن الحريات الواردة في المادتيين (9) و (19) من الميثاق الأفريقي ليست مقتصرة على الصجافيين بل هي حقوق عامة يجب أن تتوفر للجميع.

كما وتعرضت المحكمة أيضاَ لمسألة أخرى  بالغة الأهمية، وهي عدم إستنفاذ وسائل الإنتصاف الوطنية، لعدم لجوء المدعي لمحكمة النقض في بوركينا فاسو. برر المدعي ذلك بتبريرات لم تأخذ بها  المحكمة ولكنها  وجدت أن سبيل الطعن بالنقض لمحكمة النقض رغم أنه كان متاحاً، الا أنه لم يكن فعالاً، لأن محمكة النقض ليس لها إختصاص  بالفصل في دستورية القانون الذي يطالب الطاعن بالغائه، وأن الإختصاص في هذه الحالة ينعقد للمجلس الدستوري، والذي لايقبل الطعون في  الدستورية من الأفراد، مما يعني أنه لا يحول بين كوناتي وبين الوصول للمحكمة الإفريقية.

الحدود المسموح بها لتقييد حرية التعبير

إستدعت  المحكمة قرار لجنة حقوق الإنسان في شكوى كارين تا كيم ضد كوريا والتي جاء فيها ((  حتى يمكن إعتباره قانوناً، يجب أن تتم صياغة الحكم القانوني بوضوح كاف، يمكن  الشخص من أن يوائم  سلوكه مع ذلك الحكم ، وان  يكون الحكم متاحاَ للجمهور. كذلك لايجوز للقانون ان يمنح الأشخاص المنوط بهم تطبيقه سلطة مطلقه في تقرير  حدود حرية التعبير . يجب أن يتضمن القانون قواعد دقيقة بشكل كاف لتسمح للشخص الذي يطبقها أن يعرف أن أشكال التعبيير التي يمكن تقييدها بشكل مشروع، وأي أشكال التعبيير التي يكون  تقييدها غير مناسب ))

في فصلها في الشكاوي المؤسسة على المادة التاسعة من الميثاق  لاحظت لجنة حقوق الإنسان الأفريقية أن المادة لا تتضمن جملة في حدود القانون، التي تحملها المواثيق الأخرى، حين تحمي حرية التعبيير، ولكن الفقرة الثانية من المادة تشير بحذر لأن مصالح الأفراد والجماعات والمصالح القومية تصلح كسبب لتقييد الحق في التعبير. وبمراجعة المواد ذات الصلة في القانون البوركيني، توصلت المحكمة إلى أن المبادئ القانونية المتصلة بحرية التعبير قد تمت صياغتها بوضوح يجعل الشخص الخاضع لهم في وضع يمكنه من مواءمة سلوكه مع متطلبات القانون، وتجعل من يطبقونها في وضع يسمح لهم بالتفرقة بين القيود المشروعة، والقيود الغير مبررة. من جهة أخرى رأت المحكمة أنه بالإضافة لذلك فإن القيود التي يقررها القانون، يجب أن تهدف لغرض مشروع. وإستصحبت المحكمة في ذلك، قرار لجنة حقوق الإنسان الأفريقية في دعوى مشروع الحقوق الدستورية ضد نيجيريا، حيث ذكرت ” أسباب تقييد حق التعبير يجب أن تكون مؤسسة على مصلحة عامة مشروعة. كما ويجب أن تكون مزايا التقييد متناسبة تماماً مع، وضرورية تماماً مع المنافع المطلوب جنيها من التقييد ” وأن ذلك في نظر المحكمة يعني ما جاء في الفقرة (2) من المادة 27 وبالتحديد احترام حقوق الآخرين، والأمن الجماعي، والمصلحة المشتركة، وما جاء في المادة 19 (3) أ  و ب وهي إحترام حقوق وسمعة الآخرين، والنظام العام، والصحة العامة، والآداب العامة.

بالنسبة للمواد المطعون في صحتها في القانون البوركيني ترى المحكمة أنها تهدف لحماية حقوق الآخرين، وحماية مهن معينة، وهي لذلك تشكل غرضاً مشروعاً يمكن تقييد حرية التعبير بسببه.

يجب أن يكون التقييد متفقاً مع متطلبات المجتمع الديمقراطي

يثير الطاعن في طعنه أن هذه الأهداف يمكن تحقيقها بشكل كاف بالقانون المدني، وقد رأت المحكمة أن القانون المدني بما يحمله بالفعل من قواعد التعويض، هو القانون المناسب لحماية سمعة الآخرين. وأن اللجوء للقانون الجنائي للعقاب على إشانة السمعة لا يتناسب مع المنافع التي تجنيها المصلحة العامة من تجريم فعل إشانة السمعة. كما ورأت المحكمة بشكل خاص أن شرط التناسب يجب مراجعته على أساس ما يتطلبه القانون في مجتمع ديمقراطي، وفي هذه الحالة فإن مصلحة المجتمع الديمقراطي في إيجاد منابر للنقاش الحر المفتوح، تتعارض مع تجريم إشانة السمعة، بدلاً من إعتبارها فعلا موجبا للمسؤولية المدنية فحسب. كما لاحظت المحكمة أن مسألة العقاب على إشانة السمعة في حق الشخصيات العامة، من شأنه أن يقيد حرية التعبير بشكل يؤثر سلباً على النقاش الحر المفتوح، الذي هو أحد الأسس الهامة للنظام الديمقراطي لما يسببه من تأثيرإنكماشي Chilling effect يمنع من التعرض لقضية عامة يستحسن أن يترك فيها باب الحرية مفتوحاً على مصراعيه. ورأت المحكمة أن المدعى هو شخصية عامة، وأنه في الأصل لا يجوز حماية الشخصيات العامة من النقد، وأنه حتى ولو جاز ذلك، فلا يجوز تشديد العقاب بالنسبة لإشانة سمعة الشخصية العامة عن العقاب المقرر بالنسبة للشخص العادي.

وقد أشارت المحكمة لرأي المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان حين ذهبت إلى أن العقاب على إشانة السمعة يجب أن يستخدم فقط كملجأ أخير، وذلك عندما يكون السبب هو حماية حقوق الإنسان. ولكن المحكمة الإفريقية رأت أن العقاب على إشانة السمعة في كل الأحوال مخالف للميثاق، وأن العقاب على الرأي يجب أن يقتصر فقط على حملات الكراهية والدعوة لإستخدام العنف.

أما لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة فقد أشارت إلى أن الدول الأعضاء يجب عليهم أن يأخذو حذرهم ضد إتخاذ إجراءات عقابية في مسائل إشانة السمعة. وعلى الدول الأعضاء أن ينظرو في مسألة إنهاء تجريم إشانة السمعة. وفي كل الأحوال يجب أن يكون إستخدام القانون الجنائي مقتصراً على أكثر الحالات خطورة، والسجن لا يجب أبداً إعتباره عقوبة مناسبة في هذه الحالات.

رأت المحكمة أن إشانة السمعة الآن في الدولة المدعى عليها تشكل جريمة معاقب عليها بالسجن وفقاً لقانونها، وأن الدولة المدعى عليها قد فشلت في أن تبين أن عقوبة السجن تشكل قيدا ضرورياً على حرية التعبير، لحماية حقوق وسمعة عضو من أعضاء الهيئة القضائية.

وعليه فإن من رأي المحكمة الإفريقية أن المواد 109 و 110 من قانون الإعلام، والمادة 178 من قانون العقوبات لبوركينا فاسو، والتي تم بموجبها عقاب المدعي بالسجن هي مواد تحتوي على أحكام لا توفر متطلبات المادة التاسعة، والمادة 19 من العهد الإفريقي لحريات الإنسان والشعوب. كذلك فقد قررت المحكمة أن الغرامة التي أوقعتها المحكمة على المدعى والبالغة ما يساوي عشرين ضعفاً لمتوسط دخل الفرد في بوركينا فاسو لم تكن ضرورية لحماية حقوق وسمعة الدعى العام البوركينا فاسو. كذلك فإن عقوبة الإيقاف الموقعة على الصحيفة تنتهك حرية التعبير دون أن تكون  ضرورية لحماية حقوق الشاكي.

 

الحاجة لقانون ينظم أحكام إشانة السمعة

 

لذلك كله فإننا ندعو لإلغاء المادة 159 من القانون الجنائى، لأن التهديد بالعقوبة الجنائية بالنسبة لإشانة السمعة التى تتم بالنشر، والتى غالباً ما تتصل بالشأن العام، يخلق رقابة ذاتية غير مطلوبة لدى الصحفي والناشر تقمع النقاش الحر، وتمنع نشر وقائع تهم الرأى العام. بالإضافة لأن العقاب الجنائى من شأنه أن يُدخِل فى زمرة المجرمين المدافعين عن الحقوق العامة، والمهتمين بالشأن العام.على أن ذلك فى حد ذاته لن يحل المشكلة، فترك المسألة لقانون المعاملات المدنية لن يكون فى مصلحة حرية التعبير، فهو قانون قاصر قصوراً مخلاً بالنسبة للمسئولية التقصيرية، فحكمه بشأنها لا يزيد عن ( كل فعل سبب ضرراً للغير يلزم من إرتكبه بالتعويض ولو كان غير مميز) وهو قانون يسمح بالتعويضات الباهظة، وهو ما قررت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية في تولستوي ميلوسلافسكي ضد المملكة المتحدة عدم مشروعيته بالنسبة للشخصيات العامة. لذلك فلا بد من إصدار قانون ينظم أحكام إشانة السمعة بشكل مفصل، فيسبغ حماية مدنية تمنع إشانة السمعة فى الحدود التى لا تمنع النقاش الحر فى مجتمع ديمقراطى، خاصة حين يتصل الأمر بإدارة شئون الدولة، بحيث لا توفر أية حماية لسمعة السلطات المختلفة فى الدولة، ولا للمسئولين بالنسبة لأفعالهم المتعلقة بإدارتهم لشئون الدولة، أوالتى تنعكس على ذلك . ويجب أن يحدد القانون أصل الحق وحدوده، ويفرق بين الشخصيات العامة والخاصة، وبين الوقائع ذات الطبيعة العامة والتي يهم الرأي العام أن تكون متاحة، وبين الوقائع ذات الطبيعة الخاصة والتي لا تهم إلا المتنطعين والباحثين عن الإثارة الرخيصة، فيمنح حرية النشر على أوسع نطاق للأولى، ويمنع الثانية بالتعويض عن الأضرار التي تنجم عنها.

نبيل أديب عبدالله

المحامي