احمد علي صبير*

ان إجراء القبض في سياقه القانوني مستمد في الاصل من الاصل اللفظي لفعل ” قبض ” بمعني قيد , فالقبض في السياق القانوني  هو تقييد حرية الفرد ووضعه تحت حراسة السلطة لارتكابه جريمة ما او للاشتباه في ارتكابه لها  , نجد ان كافة مواثيق حقوق الانسان تركز و تنطلق من حرية الفرد وحقه في التنقل , حتى في الشريعة الاسلامية المستمدة منها القوانين السودانية العقابية , نجد ان نصوصها ترعى حرية الفرد  دون تقييدها وضمنت له كرامته , ان الاهتمام البالغ بمسالة اسباب القبض هي من المسائل الجوهرية لمنع الاحتجاز لفترات طويلة مما يهدر حق الحرية الذي يهدر بدوره الحق في المحاكمة العادلة , وحتي لا تصبح فترة القبض عقوبة علي جريمة غير موجودة اصلا مما ينافي المبدأ القانوني ”  لا جريمة لا عقوبة الا بنص “وكذلك يهزم المبدأ القانوني العالمي القاضي ببراءة ذمة المتهم ” المتهم برئ حتى تثبت ادانته “

على مستوي السودان نجد ايضا ان هنالك اطار قانوني نظري فقط لضمان حرية الافراد , فمثلا في دستور السوداني الانتقالي للعام 2005 نجد  المادة29))  التي نصت ” ان لكل شخص الحق في الحرية و الامان و لايجوز حرمانه من حريته او تقييدها الا لاسباب يحددها القانون “ . كما تناولت المادة (34)  القبض في ضمن اجراءت سير  المحاكمة العادلة و هي تتطابق بشكل كبير مع المادة (14) من العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية التي نصت علي الضوابط العدلية التي يجب علي السلطات اتباعها في اجراءت القبض و المحاكمات لضمان اكبر قدر من العدالة وصون لحرية و كرامة الانسان

حتي هذا الاطار النظري المنظر له في دستور السودان الانتقالي لعام 2005 نجده يتعارض بشكل مباشر مع قانون الاجراءت الجنائية السوداني الذي ينص علي مواد تنافي كافة المواثيق الدولية و الاقليمية , فاحدي فواجع قانون الاجراءت الجنائية هي المادة (68) التي تنص في فقرتها الاولي ” يجب على الشرطي او اي شخص اخر صدر اليه أمر القبض من وكيل النيابة او القاضي ان يقبض على الشخص المعني ”  فهذه المادة اعطت سلطات جزافية لكل الاشخاص بتقييد حرية الاخرين , مما يفضي لفوضي و انتهاكات جسيمة ضاربة عرض الحائط بما ورد في المادة (17) من الاعلان الخاص بحماية كل الاشخاص من الاختفاء القسري المتبني بواسطة الجمعية العامة للامم المتحدة في العام 1992 و المصادق عليه السودان , و الذي الزم في نصه بتقييد الدول باصدار تشريعات تحدد الرسميين الذي لهم سلطات من حرمان الاخريين من حريتهم في اضيق نطاق , فحين اتي المشرع السوداني في قانون الاجراءت ليعطي سلطات القبض لاي شخص دون وضع اي ضوابط تحكم ذلك .كذلك جاء مخالفا للميثاق الافريقى لحقوق الانسان والشعوب فى المادة 6(لكل فرد الحق فى الحرية والامن الشخصى ولا يجوز حرمان شخص من حريته الشخصية الا فى حالات يحددها القانون سلفا ولا يجوز بصفة خاصة القبض على اى شخص او احتجازه تعسفيا )

لم تقف تجاوزات و كوارث قانون الاجراءت الجنائية عند اعطاء سلطة القبض للافراد دون ضوابط , بل تجاوزها الي تصنيف جرائم يمكن ان يتم القبض فيها دون اي امر قبض و جرائم اخري يجوز فيها القبض بامر قبض , دون ان يستند المشرع الي فلسفة او اي أساس نظري في هذا التقسيم , وانما عشوئيا فلا هو علي أساس خطورة او طبيعة الجريمة , ولم يستند الا علي مخيلة المشرع للقانون فقط

اما اذا نظرنا الي  الاطار  العملي  وهو الواقع اليومي في السودان  فنجد ان سلطات الشرطة تنفذ امر القبض حتي بدون اي مستوي للاشتباه , و بشكل كبير  لاغراض الابتزاز و سوء استعمال السلطة , فلاهي تلتزم حتي بالهامش الضئيل اعلاه المنوط به في الدستور السوداني او حتي قانون الاجراءت الجنائية بشكله المشوه . فى مخالفة صارخة للشريعة الاسلامية التى جاء في محكم تنزيلها (وان الظن لا يغنى من الحق شي) كما جاء لسان رسولنا محمد بن عبدالله (اياكم والظن فان الظن اكذب الحديث) ومما لاجدال فيه ان الاشتباه درجه متدنية من الظن

فاذا نظرنا للكشات كنموذج نجد انها لا تراعى حتى المبادئ القانونية من ضوابط امر التفتيش وامر القبض ولا توضح اسباب القبض وتلجأ فى احيان كثيرة الى استعمال القوة فى القبض بدون حوجة الى ذلك فمجرد وجودك فى حى به تجارة خمور يجعلك عرضة للقبض والمحاكمة.

*محامي و مستشار قانوني