عيسى إبراهيم *

“كديسة” نباتية

* لا أدري السبب ولكنني منذ فترة أصبحت “أتزاوغ” ذات اليمين وذات الشمال من أكل اللحمة، من ما جعلني هندياً (في بورتسودان نسمي الهندي “بُنْيَانِي” ليه ما عارف – وهم نحااااف ورُقااااق ومسالمون، النسمة تشيلم معاها، ويلبسون قراقيب (جمع قرقاب) بيضاء شفافة، مغايرة لما نعرف من أشكال لبسها، ونساؤهم – في لباسهن – يكشفن منطقة الصرة – ليه ما عارف “برضو”) – لأنو الجملة الاعتراضية دي طالت شوية وخوفاً من إرهاق القارئ العزيز أكرر – من ما جعلني نباتياً بلا منازع (أخبرني قادم من بريطانيا أن الـ “vegetarian” ظهر من هو أكثر إيغالاً في النباتية منه وهو الـ “vegan” وهذا الأخير لا يقرب “تب” المنتجات الحيوانية كالحليب والقشطة والزبدة والجبنة ووو)، وإن كنت مازلت (مكره أخاك لا بطل) أغمِّس في “إدامها”، وركيزة الحيرة التي جعلتني أكتب أنني ألقيت لـ”كديسة” زائرة قطعة لحمة، سميتها زائرة إذ أنها تأتينا كلما تيسر لها “نط” الحيطة التي بيننا وبين جيراننا، وليست مقيمة معنا، وهي من الـ “كدايس” الـ “ما بتعرف ليها خرطة ولا في إيدا جواز سفر!”، تحركت “الكديسة” متثاقلة نحو قطعة اللحمة واتجهت بأنفها أولاً في لا عجلة ولا رغبة عارمة (هل فقدت حاسة شمها أم تطاول بها العهد من اللحمة فلم تسعفها حاستها الـ”شمية”، أو ربما فقدت – بتطاول الزمن – مرجعيتها في الشم)، ثم تراجعت قليلاً إلى الخلف، ورفعت قدمها الأمامية اليمنى أولاً في حذر شديد  نحو قطعة اللحمة “تهبِّشها أو تتحسسها؟، سيان عندي” (يبدو أن قلبها كان بيدق بي شدة متزامناً مع رفع قدمها المتجه نحو قطعة اللحمة)، ثم تراجعت قليلاً وأقبلت هذه المرة بقدمها اليسرى تتحسس اللحمة متوجسة، ثم أقبلت بأنفها، يااالله، كل هذا وهي تكذِّب توقعي، فقد كنت أترقب أن تهجم نحو قطعة اللحمة هجمة “كديسة” واحدة وهي تحدث “جرنرة – صوت هلع” من فمها مخافة أن تسبقها أخرى إليها، كل ذلك لم يحدث، فقد كانت تتحرك بهدوء وتؤدة أدخلتني في حيرة شديدة وتساؤلات: هل ياااربي العيب في قطعة اللحمة أم أن الكديسة حدث لها تطور في تراتبية غذائها (خطرت لي الانقاذ في تلك اللحظة مجرد خاطرة) ياربي الانقاذ وقد تطاول بها العهد في الحكم؟، أم أن الزمن هو الذي يغير كل شيء؟!، أقسمت ابنة أخي، وما عهدت عليها من كذب قط، أن “كديستهم” المنزلية أصبحت تأكل بواقي الشعيرية، والرغيف، وأحياناً تأكل بتلذذ الطماطم، و”الكدايس – إذن – على دين ملوكها”!!..

“غنم” تاكل اللحم

* أقسم لي صاحبي (من أولاد ديم التجاني، ديم عمال الميناء التابعة آنذاك للسكة حديد، أجمل وأنظف ديوم بورتسودان الذي يقع بالبر الشرقي – الديم كان محروساً ليلاً بالعمال رسمياً، حيث توظف إحدى “الكلات” (مفردها “كلة” تضم مجموعة من العمال) في الحراسة موزعين على أطراف الحي وكل عامل من عمال الحراسة له رقم محدد يصيح به بعد منتصف الليل “واااحيد”، “إتنننننين” و”الله” قال بي قول نمرة “تلاتا” إذا أخدتو نومة و”دقس” ولم يصح “تلاااااتا!” إذ يتعرض في اليوم التالي للعقاب بالخصم من “ملاليمه”، من الطرائف أن السرقة حدثت ذات مرة نهاراً في ديم التجاني هذا، سمي ديم التجاني على اسم أول ملاحظ له من أولاد بربر، أعقبه محمد أبنعوف (الخالق الناطق السيد علي الميرغني – يلحقنا بي جاهو) وهم ذاتم – سكان الديم – معدمين ما عندهم حاجة ممكن يسرقوها، استعان الانجليز أولاً باليمنيين كعمال في الميناء لأنهم غلاظ شداد، نطلق عليهم “الجهينية أبَّان قراقيب” ربما من قبيلة جهينة “وعند جهينة الخبر اليقين” وربما يفسر ذلك دخول اليمنيين إلى السودان لفترة طويلة حيث عملوا بالتجارة، ثم أتى الانجليز بأبناء الشمالية كعمال في الميناء وربما أدركنا الحكمة في الاتيان بملاحظ يشبه السيد علي الميرغني، وجل العمال من الشمالية إن لم يكن كلهم من طائفة الختمية، وشاهدنا شباب الختمية و”شي لله يا حسن” وأعلامهم الخضراء الـ “مبروزة” بالأحمر أيام الجمع” أقسم لي صاحبي أن غنم بورتسودان، وتحديداً غنم ديم التجاني، كن يأكلن – من طول ما ألفن أكل “بواقي ملاحات بيوت ديم التجاني” – اللحمة ضمن الباقيات من ما “دُلق” في “كوش” ذاك الديم العريق، والعهدة على الراوي، والمكضبني، بي طريقتو، أنا شخصياً من أولاد ديم التجاني ومصدق الراوي دا!!، وممكن أديكم شهود أحياء تسألوهم!..

بجواري محكوم عليه بالاعدام

* ربط ابني “خروف” سماية ابنه على مسافة مقبولة من مكان نومي الراتب في الحوش، سميت أبنائي ببليلة “اللوبا” العدسي بتأثير من تربية الأستاذ محمود محمد طه لنا، طلباً للبساطة وعدم التعقيد والتخفيف على خلق الله و”ساووا السودانيين في الفقر إلى أن يتساووا في الغنى”، ابني غرقان في الديون لي “اضنينو”، و”انفخ ولو حملك ريش”، و”الله غالب” و”المجتمع له تأثيره”، انتابتني موجة تعاطف مع جاري في الحوش “خروف السماية” الذي يواجه “طِقْس” الاعدام صباحاً، اعتذرت له لعدم تمكني من اقناع ابني بفائدة السماية بـ”البليلة”، وأنا ديمقراطي بالفطرة وأكره العنف، جارنا “وهابي” يصر على “العقيقة” (ذبح بهيمة الأنعام في السماية)، حججتهم بأن الضحية ذااااتا “في المذاهب الأربعة” غير واجبة لا على الفقراء ولا على الأغنياء، فهل من الممكن أن تكون “العقيقة” واجبة؟!، حججي لم تفد في اقناعهم وذهبت أدراج الرياح،  وكان صاحبي في الحوش يرسل “بعبعاته” الحزينة بلا جدوى، ولله في خلقه شؤون!!، أعمل إيه ما الباقي باقي واصلو دنيا الحب محن، وما باليد حيلة!..

* eisay@hotmail.com