د.الشفيع خضر سعيد

ليس مجرد صورة على «التيشيرتات» والسيارات وواجهات المحلات، بل هو محرك ثوري للإبقاء على الحلم بوطن بلاحدود، ونقاء أن نموت فداء للعدالة الإنسانية. انحاز إلى الإنسانية، متسلحا بمبادئه، غير آبه لمحافل الدنيا ولا بريق السلطة. رجل لافتة، لا في شارع ليلعنه المارة، وإنما في القلب يحفزك لفعل الخير وأن تكون حرا وسيد نفسك. إنه تشي غيفارا.
أما أسامة بن لادن، فهو في أذهان الكثيرين ليس ذاك الإرهابي المطارد الأول من أمريكا، بل البطل والفارس الإسلامي الذي ركل الثروة والحياة المرفهة، ليحتمي بالكهوف ويعيش التقشف متوكئا قناعاته، ومؤمنا بعدالة قضيته.
رشحت في الميديا مقارنات ومقاربات بين بن لادن وغيفارا. وفي الحقيقة، أعتقد بوجود أوجه شبه بينهما تصل حد التطابق رغم الاختلافات الجذرية التي تصل حد المفارقة! كلاهما إختار طريقا صعبا، وبجسارة واصل مشواره حتى النهاية. كلاهما ترك الحياة الوادعة الآمنة واختار الوعورة والاحراش. كلاهما زاهد متقشف عافت نفسه وحل اليومي الطامح. كلاهما ترك الوطن الجغرافيا من أجل الانتماءات الكبرى. كلاهما له كاريزما خاصة إختزلها الإعلام الغربي في الوسامة ومسحة الحزن في العينين. كلاهما ناضل وجاهد ضد الولايات المتحدة الأمريكية: غيفارا منذ البدء، وبن لادن ربيبها حتى إنقلب السحر على الساحر.
كلاهما كان مصابا بمرض مزمن، الربو والفشل الكلوي. كلاهما قتلته أمريكا بلا محاكمة رغم توفر فرصة الاعتقال حيا. وكلاهما حملت جثمانه طائرة عسكرية إلى مكان مجهول، كأنما أمريكا ترتعب منهما حتى في مماتهما. كلاهما إعتنق أيديولوجية مستعدا للإستشهاد من أجلها. لكن غيفارا كان منفتحا على كل ثقافات العالم، حاملا هم أن يعيش الانسان، في أي مكان في هذا العالم، وغض النظر عن عرقه أو دينه، محفوظ الكرامة. أما بن لادن، فكان متحصنا في سلفية إسلامية ماضوية، لا تتسامح ولا تتفاعل، بل تدمغ كل ما هو خارجها بالكفر والفجور، وترفض كل ما يأتي من «الآخر» إلا السلاح وآليات القتل والتدمير.
آيديولوجيتاهما كانتا متناحرتين، بحيث إذا إفترضنا إلتقاء الرجلين في نفس المكان والزمان، فلابد أن نتخيل أو نتوقع معركة حامية. أما، أي منهما سيبادر بالهجوم، فربما ستساعدنا قصة إقتحام طالبان، ومعها بن لادن، مقر الأمم المتحدة في كابول لتأخذ عنوة رئيس البلاد والحزب الشيوعي الأفغاني الذي كان لاجئا تحت حماية الأمم المتحدة، لتشنقه على بوابة المقر. غيفارا إختار طريق الحرب المكشوفة وفق تاكتيك حرب العصابات ضد الحكام الطغاة الذين كانوا دمى تحركها أمريكا والرأسمالية العالمية. كانت ثورته تهدف إلى جعل الأرض جنة للفقراء والكادحين. أما بن لادن، ففي البدء لم يرفض دعم أمريكا لنصرة حربه الجهادية ضد السوفييت في افغانستان. ثم انخرط في عمليات تجنيد شباب المسلمين المحبطين، ليؤسس عام 1988 تنظيم «سجل القاعدة»، أي قاعدة معلومات تشمل تفاصيل كاملة عن حركة المقاتلين، قدوما وذهابا وتدريبا والتحاقا بالمجموعات المنفذة للعمليات الاستشهادية. وحتى عندما إنقلب على أمريكا، لم يخض حربه تحت دائرة الضوء، مثلما فعل غيفارا، وكان يركز، دون تمييز، على كل ما له ومن له صلة بالغرب، بما في ذلك أناس أبرياء جعلتهم أقدارهم في تلك اللحظات ليكونوا إما في طائرة أو مترو الانفاق أو مبنى سفارة أمريكية أو مركز التجارة العالمية!
ومثلما كان مقتل غيفارا دراميا كأنما التدريب عليه تم في إستوديوهات هوليوود، أثار مقتل بن لادن بتلك الطريقة «الكاوبويية» لغطا واسعا حول صحة الرواية الرسمية لحادث الاغتيال، وتملك الجميع القلق على مستقبل العالم وأمنه. أمريكا، بقتلها بن لادن، هكذا مباغتا أعزل، خرقت القانون الدولي للمرة الموجعة لأي قلب إنساني يأمل في سلام العالم. بل وخرقت مبادئ الليبرالية نفسها، ومبادئ حكم القانون، مما دفع بمثقفيها للإحتجاج. يقول المخرج السينمائي الأمريكي مايكل مور: ( سمعنا ثلاث روايات مختلفة حول مقتل بن لادن: كانت هنالك معركة، واستخدم إمرأة درعا بشريا، والرواية الثالثة أنه لم يكن مسلحا. على الرئيس أوباما عدم معاملتنا كالأطفال. ونحن ككاثوليك نرفض القتل إلا دفاعا عن النفس. وحتى مجرمي الحرب النازيين تمتعوا بمحاكمة عادلة في نورمبرغ ولم يطلق الرصاص عليهم جزافا). وتساءل الفيلسوف المعاصر نعوم تشومسكي: «لنفترض معا إن وحدة خاصة من الجيش العراقي قتلت جورج بوش، ورمت جثته في المحيط الاطلسي، كيف سيكون شعور الأمريكيين؟». أما جون بيركنز، العميل السابق في الأجهزة الأمريكية، فغرد قائلا، أن طريقة مقتل بن لادن تستدعي التفكير الجاد حول علاقة أمريكا بالإرهاب. وفي الحقيقة، فإن المتتبع للصحافة الأمريكية يقرأ، في US News & World Report دراسة تفصيلية نشرت أواخر 2003، عن دعم الولايات المتحدة الأمريكية لتنظيم القاعدة، خاصة بعد الثورة الإيرانية 1980 والحرب السوفيتية الأفغانية. كما كشفت مجلة Vanity Fair عن تأمين إدارة الرئيس بوش لخروج أعضاء عائلة بن لادن الكبيرة، عبر طائرات خاصة، من الولايات المتحدة عقب أحداث 11 أيلول/سبتمبر.
عموما، من حق أمريكا ان تدافع عن أمنها وتحمي شعبها، وتسعى لتسييد قيمها، لكن عليها دائما أن تتذكر حق الآخرين في الدفاع عن أمنهم وقيمهم. وكون أمريكا هي الأقوى والأغنى في العالم، لا يعني تحكمها في قاطرة التاريخ لتسييره وفق إرادة حكامها. فلا أي شخص ولا أي حضارة ولا أي دولة تمتلك أحقية الهيمنة على العالم.
وأي فعل في هذا العالم سيكتسب مشروعيته طالما لا يخدش الأعراف الدولية ولا يتعدى على الآخر. وأمريكا مطالبة دائما بالاجابة على السؤال: أليس افعالها وسياساتها تجاه الآخر هي التي تدفعه لتبني الإرهاب؟…. وعموما نحن ضد الإرهاب، ولكنا في نفس الوقت لا نقبل تعريف أمريكا له.