خالد التيجاني النور
رست بالأمس على رصيف ميناء بورتسودان سفينة شحن تحمل على متنها حمولة خمسون ألف طن من المساعدات الغذائية مهداة من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لعمليات برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة في السودان لمساعدة مواطنيه المحتاجين. وقبل بضعة أشهر في مايو الماضي كانت شحنة مماثلة من الجهة نفسها وصلت أيضاً لعمليات البرنامج.
وحسب بيان صادر من السفارة الأمريكية بالخرطوم فإن هذه الشحنة من المواد الغذائية تشمل الذرة والعدس والزيت النباتي لمساعدة أكثر من مليوني شخص في كافة أنحاء السودان، ويشمل ذلك سبعمائة خمس وعشرون ألف نازح في ولايات دارفور الخمس لمدة أربعة أشهر، وتسعمائة ألف من أطفال المدارس لمدة ستة أشهر، وأكثر من نصف مليون شخص من الذين تأثروا بموسم الشدة الذي يمتد من أبريل وحتى أكتوبر سنويا. ونحو مائتي ألف لاجئي من جنوب السودان لمدة ثلاثة أشهر.
وحسب البيان فإن الولايات المتحدة استمرت منذ العام 2011 “شريكا لبرنامج الاغذية العالمي والمانح الوحيد الاكبر بمساهمة يزيد قدرها على تسعمائة مليون دولار أمريكي” ومكنّت هذه المعونات السخية برنامج الاغذية العالمي من تقديم المساعدة لكل المحتاجين من خلال أنشطة مختلفة تم تنفيذها من خلال التوزيع العام للغذاء والتغذية المدرسية، وتقديم المساعدة الغذائية المهمة للمناطق التي تواجه عدم أمن غذائي حاد وسوء تغذية نتيجة النزاع والجفاف، وأكد أن “الولايات المتحدة ملتزمة بمحاربة الجوع وسوء التغذية وتناشد كل الأطراف بالسماح للعبور الإنساني بدون قيود لإنهاء المعاناة غير الضرورية“.
ما أهمية هذا الخبر الذي أوردناه بتفاصيل مطوّلة أعلاه؟ وما هي دلالته في الوقت الراهن تحديداً؟، الأمر الذي نناقشه هنا لا يتعلق كما قد يتبادر إلى الذهن بشأن التطورات السياسية التي تشهدها العلاقات السودانية الأمركية، ولكن يتصل بمسألة أخرى غاية في الأهمية على خلفية الجدل الدائر حول تشخيص حالة الاقتصاد السوداني وآثار ذلك ذلك على حياة الناس ومعيشتهم في سائر أنحاء السودان، أو جدل النمو والتوزيع وقضية العدالة الاجتماعية، والأمر هنا يتعلق بوجهتي نظر متناقتضين، نتطرق إليهما هنا في عجالة دون استرسال من باب أن ذلك بات في باب العلم العام، الأولى تتحدث بوضوح عن فشل ذريع لازم أداء الحكومة الاقتصادي على مدار السنوات الماضية مما ترتب عليه تدهور متواصل في قدرة أغلب المواطنين على مواجهة تكاليف الحياة وتأمين الحد لأدنى من أسباب المعاش، وانعدام تحقيق معايير العدالة الاجتماعية.
وعلى الجانب الأخرى يتصدى كبار المسؤولين في الحكومة للرد بأن اقتصاد السودان في عهد الإنقاذ يمثّل قصة نجاح تستحق الاحتفاء وسط ضغوط وحصار خارجي، وأن البلاد شهدت نموا غير مسبوق بدون دعم خارجي في الدخل القومي الإجمالي بالتالي متوسط دخل الفرد، وتطوراً في البنيات التحتية بمجالاتها المختلفة، وأن أحوال المواطنين تحسنت بدليل اكتظاظ العاصمة الخرطوم بالعقارات الفارهة، والسيارات الفخمة، والقوة الشرائية الهائلة القدرة على استيعاب الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات.
من الواضح أن تصورات الطرفين تتحدثان عن عالمين مختلفين في بلد واحدة وبمعايير مختلفة، ومن هنا يأتي السؤال ما هو المعيار الموضوعي للفصل بين التصورين حول حقيقة الأوضاع الاقتصادية في السودان؟، من هنا تحديداً تأتي أهمية خبر المعونة الأمريكية الذي أوردناها أعلاه، ليس بحسبانه الدليل الوحيد، بل فقط لتزامن حدوثه مع الجدل المثار، ذلك أنه يفتح الباب واسعاً لإعادة قراءة الأوضاع الإنسانية المتردية لملايين السودانيين وكيف يواجهون هذا المصير، مقروءة مع الجدل حول تقييم حال الاقتصادي السوداني وانعكاسه على حياة الناس وجدوى النمو مع تفشي حالة اللامساواة.
الحقيقة التي لا مراء فيها أن ملايين السودانيين من الذين وضعتهم أقدارهم ليكونوا تحت رحمة الكوارث الطبيعية منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، أو بسبب الحروب الأهلية والنزاعات المختلفة التي تصنعها النخب المتصارعة على السلطة، ظلوا طول العقود الثلاثة الماضية فعلياً خارج حسابات الدولة السودانية، فقد أصبحوا واقعياً تحت رعاية المجتمع الإنساني الدولي، يتولى أمرهم بما يتيسر له من هبات من المانحين، حتى غدا السودان واحداً من أكبر الدول المتلقية للمعونات الإنسانية الأجنبية. صحيح أن السودان جزء من المنظومة الدولية ومن حقه أن تمد له يد العون عندما يحتاج لذلك، ولكن أيضاً بالمقابل فإنه لا يمكن يتحول العون من حالة طارئة إلى حالة دائمة بفعل استدامة النزاعات في البلاد، كما أن المجتمع الدولي ليس من مسؤولياته معالجة جذور الأزمة الوطنية المتسببة في هذه الوضع الشاذ، فذلك أقل واجب من مسؤولية أي سلطة حاكمة.

ولو استعرضنا بقليل من التفصيل خطط العمل الإنساني الدولي في السودان في السنوات الثلاث الماضية فقط، فسنكشتف مدى حجم غياب الدولة السودانية وتخليها عن تحمل المسؤولية عن قطاع واسع من مواطنيها، فقبل بضعة أسابيع أطلقت الأمم المتحدة ما يُعرف ب “خطة الاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2016″، والتي تهدف إلى تقديم المساعدات الإنسانية، وتوفير التدخلات الغذائية، وتلك المتعلقة بوسائل العيش إلى إلى أربعة ملايين وستمائة ألف شخص، أي حوالي 12% من مجموع السكان في البلاد المقدر بنحو ثمانية وثلاثين مليون نسمة، وكذلك مساعدة مليون ونصف مليون طفل ممن هم دون الخامسة من الذين يعانون من سوء التغذية الحاد. وتُقدر كلفة هذه التدخل بنحو تسعمائة اثنين وخمسين مليون دولار، تبرع مانحون بجزء مقدر منها ولا تزال في انتظار ما يجود به آخرون.
أما في العام 2015، فقد حصلت الخطة على تمويل بستمائة وخمسين مليون دولار، كانت حصيلتها، حسب د. نعيمة القصير الممثل المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة بالإنابة توفير المساعدات الغذائية لعدد ثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف شخص شخص في جميع أنحاء السودان، بما في ذلك مليون وثمانمائة ألف من النازحين في دارفور، وعشرات الآلاف من مواطني دولة جنوب السودان الذين أرغمهم النزاع هناك على الفرار. وبفضل هذا الدعم تمكن مليون وستمائة ألف من النازحين، والمجتمعات المضيفة من الحصول على مياه الشرب النظيفة في دارفور، وتمكن كذلك نصف مليون من هؤلاء من الاستفادة من المرافق الصحية المحسنة، ومرافق معالجة النفايات. وأيضاً هناك نحو مليون طفل جرت مساعدتهم عبر برنامج الوجبات المدرسية، كما جرى أيضاً تطعيم ثمانية مليون وثمانمائة ألف طفل ضد الحصبة بالتعاون مع وزارة الصحة الاتحادية.
وقبلها في العام 2014، قال الممثل المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية السابق على الزعتري ” لم ينخفض معدل الكوراث الإنسانية في السودان، بغض النظر عن أسبابها، بل هو في ازدياد مما يتطلب استجابة سريعة وزيادة في حجم التمويل”, بهذه الكلمات المثيرة للقلق حقاً رسم حال الأوضاع الإنسانية في البلاد عند إطلاق “خطة العمل الإنساني في السودان لعام 2014“.

كانت الأرقام تقف شاهداً على حجم الكوارث الإنسانية التي تجابه ملايين السودانيين في ذلك العام، كما ظل هو الحال على مدي سنوات عديدة مضت لم يختلف فيها المشهد، فحسب ذلك النداء فقد كان العمل الإنساني بحاجة إلى تمويل يُقدر بنحو تسعمائة خمسة وتسعون مليون دولار لتنفيذ خطة العمل الإنساني في السودان التي تستهدف مساعدة ما يقارب من ستة ملايين ومائة ألف شخص، منهم نحو أربعة ملايين شخص في دارفور، ومليون ومائتي ألف شخص من المتأثرين بالنزاعات في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، ونحو ثلاثمائة وخمسة وعشرون ألف شخص في ولاية كسلا، ومتئان وثمانية وخمسون ألف شخص في ولاية شمال كردفان, ومئتان وثلاثون ألف شخص في ولاية البحر الأحمر يحتاجون إلى المساعدات الغذائية.

باختصار تفيد هذه الأرقام بأن نحو خُمس سكان البلاد وفي مناطق واسعة غرباً وشرقاً وجنوباً ينتشرون في أكثر من نصف ولايات البلاد ينتظرون أن يتجاوب المجتمع الدولي والمانحين متبرعاً بنحو مليار دولار لتوفير مساعدات غذائية، وهذه الصورة القاتمة لحجم الكوارث الإنسانية المتزايدة التي اشار إليها السيد الزعتري متجنباً الخوض في تفاصيل أسبابها هي في نهاية الأمر ليست نتاج كوارث طبيعية، بل من صنع الإنسان أو بالأحرى نتاج الإدارة السياسية الخاطئة لمشاكل البلاد التي تخلّف هذا الوضع الكارثي بفعل الحروب الأهلية والصراعات المسلحة على السلطة.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن هذه التقديرات ليست خبط عشواء أو من نتاج تآمر دولي على السودان كما يستسهل البعض إطلاق الاتهامات، بل تعكس هذه الخطط “الفهم المشترك بين حكومة جمهورية السودان، والجهات المقدمة للعون حول مدى، وحجم الاحتياجات، ونوع المساعدات المطلوبة”، كما أكدت ذلك د. القصير في تدشين النداء الإنساني الأخير، بحضور مفوض العون الإنساني بالحكومة السودانية.
مجمل هذا المشهد الذي ظل يتكرر على مدار ثلاثين عاماً، تحت سمع وبصر النخبة السودانية ، حتى بات في عداد الروتين الذي لا يلفت الأنظار، ولا يشكل أولوية في الأجندة الوطنية سواء من قبل الطبقة السياسية، في الحكم أو المعارضة، أو في غالب أوساط النخب، بدليل أنه بات متروكاً بالكامل لاهتمام المنظمات الإنسانية الدولية، ومنظمات الأمم المتحدة المتخصصة، وبعض المانحين في المجتمع الدولي.
وهو ما يُطرح تساؤلاً كيف تكون الدولة مشروعاً ناجحاً، والمجتمع متماسكا، وهذا العدد الكبير من المواطنين يواجه هذه الأوضاع الإنسانية المذلة للحياة الأدمية منفرداً بفعل صراعات ليسوا طرفاً فيها ولكن في الوقت نفسه يتعين عليهم أن يدفعوا ثمن تبعاتها، ويمضي المتصارعون بفعلتهم النكراء لا يشاطرونهم حتى الإحساس الإنساني بالمواساة، يتركونهم يواجهون مصيرهم وحدهم انتظاراً لتفضل المانحين وإنسانية العاملين لإغاثتهم.
بالطبع لا تستطيع السلطة الحاكمة أن تتبرأ من مسؤولية هذا الوضع الإنساني المأساوي فهو ليس مجرد أرقام اخترعها المجتمع الدولي، أو يقف وراءها متآمرون، بل هو واقع مرير تعرف الحكومة أكثر من غيرها أبعاده الحقيقية، فهي مشاركة عبر مفوضية العون الإنساني في إعداد خطة العمل الإنساني هذه، وهي شريكة في إطلاقه، والسؤال هل تكتفي السلطة بتسوّل العون كل عام لإغاثة هذا العدد الكبير من مواطنيها، أم يلزمها معالجة جذور سياساتها المنتجة لهذه الكوارث؟.
وثالثة الأثافي أن تتجاهل الطبقة الحاكمة معاناة هذه الفئة الواسعة من مواطنيها لرحمة التدخلات الإنسانية الدولية، إضافة إلى أن نصف السكان وفق إحصائيات رسمية بحجم الفقر في البلاد الذي لا يجدون مثل هذا العون إلا من تدخلات حكومية ببرامج متواضعة، لا شاملة ولا فعّالة، ثم تطفق تتحدث عن تطورات اقتصادية هائلة في البلاد انعكست آثارها الإيجابية على المواطنين، نعم هذا صحيح إن تحدثت عن طبقة محظوظة محدودة النسبة من السكان تنعم بذلك، ولكنها بالتأكيد لا تصلح لأن تقف شاهداً على هذ المزاعم، تلك هي عقلية جمهورية أفندية الخرطوم في مواجهة واقع حال جمهورية عموم السودان

khalidtigani@gmail.com
عن صحيفة إيلاف