خالد فضل

  لا أدري بماذا سيهتف السيّد الجيلي عبدالله قائد مليشيات عصابة الإسلاميين المعروفة تمويها بالدفاع الشعبي عندما يخاطب حشدا من حشودهم المعهودة كلما حاق بسلطتهم وامتيازاتهم خطب خافوا عواقبه , هل تُراهم سيرددون ذات الهتاف القديم (أمريكا وروسيا قد دنا عذابها ), أم (الطاغية الأمريكان ليكم تدربنا)؟ أشعرُ صراحة بحرج السيد منسق الدفاع الشعبي إذا أمسك بالمايكرفون أحد من ذوي الحلاقيم الهتافية الكبيرة مرددا تلك الشعارات , ذلك أنّ خطبته العصماء التي ستلي تلك الفقرة الهتافية ستكلّفه كثيرا من العناء ومزيدا من الكذب حتى يحيل الوقائع كلّها إلى أضدادها , سيقول مثلا إنّ الأمريكان قد ارتعبوا من حشودكم وزُلزلوا زلزالا بهتافاتكم فهرولوا ناحيتنا , وامتثالا لقوله تعالى (فإنْ جنحوا للسلم فاجنحوا له ), رأت قيادتنا المجاهدة أنْ تجنح للسلم خاصة بعد أنْ أريناهم من بأسنا الشديد ما رأوا !!! ونعاهدكم ألّا تسقط راية الجهاد أبدا الله أكبر ترررم ترررم تررم , ثمّ فاصل من الرقص .

   في الواقع هنالك طريقان متوازيان ؛ طريق الشعب أوسع من زحام الضيق _كما في حداء الحيّ فينا أبدا محجوب شريف_ وطريق الفئة المستبدة من سارقي طموحات شعبنا ووطننا . انشغالات أمريكا وأوربا بقضايا ومصالح شعوبها لا تعلو عليه أجندة , بينما انشغالات الفئة المستبدّة بمصالحها الذاتية ومكاسبها الأنانية مما لا يحتمل المساومة أو التنازل , كيف لا وقد حققوا في دنياهم ما كان يبدو أحلاما , هكذا تقول السيرة الذاتية لجلّهم إنْ لم يك كُلّهم , انظر إلى الشركات والصرافات والعمارات السوامق والمخططات السكنية والأحياء الأسمنتية  والفارهات من السيارات والحسناوات من السيدات مثنى وثلاث ورباع  والمكاتب الباردة والأثاثات الفخمة والخدمات في متناول اليد والعطلات وتذاكر السفر والعلاج بالخارج وفوائد ما بعد الخدمة وفوائد أثناء الخدمة وسطوة وجبروت وعلو على القانون …إلخ إلخ , ما هي المؤهلات سوى الإنتماء للتنظيم والبلاء في صفوفه بلاء حسنا يتمثّل في السيخ والسواطير في سوح الجامعات , والتجسس وتدبيج التقارير في الثانويات , والتآمر وشق الصفوف في النقابات , والغواصات في الأحزاب , مصحوبا بقوة عين في السرقات والنهب تحت فقه التمكين .

  فئة كهذه لا يهمها إنْ ضرّ الله أو نفع ؛ والقول للقيط بن يعمر الإيادي , فمالها ومصالح الشعب ونائب في البرلمان يخرج إلى  الناس صائحا وجدتها وجدتها .. سبب الإنهيار الإقتصاد وضنك العيش هو ابتعاد المسلمين السودانيين عن الإسلام , يا سلام يا ارخميدس زمانك ! ونائب سابق للرئيس يشيد بعدد القمصان في الدواليب , وأيم الله أعرف وأشاهد وأعيش وسط أناس سترتم العفاف فقط , ولكن أبهة السلطان الجائر وصولجانه الزائف يُعمي العقول . ويغلّف الشعور والحس الإنساني بغلالات سميكة من الأنانية وحب الذات وشح النفس والبخل .

   أمريكا التي تدرّب لملاقاتها أولئك المغرر بهم , تهتمّ بمصالح الأمريكان أينما كانوا وحيثما وجدوا وليس فقط في داخل حدودها الجغرافية لسبب بسيط هو أنّ الإدارة الأمريكية ليست تكيّة لعيش الفاسدين المفسدين الإدارة الأمريكية ينتخبها شعبها ويراقبها ويحاسبها ويعاقبها بالإبعاد وعندما تغيب الديمقراطية عن إدارة شأن البشر فأذّن في الناس بالفساد . انشغالات أمريكا إذن مصالحها , وهمومها وأوربا , الإرهاب القادم بصورة لا تحتمل التأويل من الشرق الإسلامي , مخاوفها الهجرات وتدفقات اللاجئين عابري البحار على قوارب الموت وجلّهم من شرقي إفريقيا البائس , وهواجسها مواطن وقواعد ارتكاز جماعات الإرهاب الإسلامي كالقاعدة وطالبان وداعش وغيرها من عصابات , لابد من شرطي لئيم لا يتمتع بأدنى درجة من درجات الحس الإنساني , همّه بطنه , وحافزه شهوة التسلط والقهر , لا يردعه قانون ولا تغل يديه سلطة قضاء أو برلمان ولا رقيب على انتهاكاته لحقوق الإنسان بصحافة حًرّة وأقلام شريفة ومنظمات مجتمع مدني حصيفة وواعية بدورها أمينة ونزيهة , دور هذا الشرطي واضح ومحدد , التخابر والرصد وجمع المعلومات أول ممارساته , التصدي بالقمع والتنكيل والترصد دون حسيب أو رقيب , ثمّ وعينه على المال والتسهيلات لا يتورع عن ارتكاب كل الموبقات , بالنتيجة يتحقق هدف حماية المصالح الأمريكية /الأوربية , دون حاجة لمرمغة وسائل الإعلام الُحرّة في تلك البلدان ودون التعرّض لغضبة منظمات وجماعات المدافعين عن حقوق الإنسان , إنّها القذارة بالوكالة هو الدور المطلوب من ذاك الشرطي , وأنعم به من دور يطابق شهوة التسلّط والأنا لدى الفئة المستبدة في سوداننا . فتوالت الحوافز قطرة قطرة وكلو بثمن , حتى رست سفن الإغاثة في الميناء , وقد شبع السودانيون من عنتريات طرد المنظمات , وتآذى السودانيون من حجب المعونات لإغاثة المنكوبين الملايين في معسكرات النزوح وفيافي التشرُّد , ثمّ تيم أمريكي لصيانة معدات المستشفى في ودمدني , إعفاء المعدات الطبية والزراعية من العقوبات والتحويلات الشخصية , هذه جزرات يتلذذ بالتهامها طاقم التسلّط , بها يباهي دون أنْ يجيب عن سؤال البداهة عن سبب تلك العقوبات أصلا , وعن ثمن رفعها التدريجي , وعن مصالح الناس , الأغلبية الذين يعيشون تحت خط الفقر , النازحون , المشردون , المعاقون بسبب حروب التسلّط والقهر , المهاجرون الذين حطّموا قوارب العودة , المرضى بالأمراض المزمنة الذين تتزايد أرقامهم ويتسع نطاق وجودهم الجغرافي والعُمري , السؤال عن التوظيف والتشغيل لمجموعات الشباب والشابات , المشروعات التنموية والخدمية التي دمّرتها شهوة التملّك , مشروع الجزيرة والسكّة الحديد وسودانير والنقل النهري والبحري ومشروعات النيلين الأبيض والأزرق وجبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور المنكوبة والسدود الخوازيق في الشمال , والتهجير , وسرقة الآثار , والتعدين والذهب الذهب , و و و و ما لا ينقضي من انشغالات الناس ومتاعبهم التي ليس أقلّها غلاء المعيشة وانهيار الجنيه وانعدام المواصلات وصعوبة الحصول على الماء والغذاء والعلاج والصحة والتعليم وفوق هذا وذاك ماذا عن عودة الوطن المسروق كُلّه مما لا يعني شيئا للأمريكان والأوربيين , فقط يريدون مليشيات تجوب الصحراء تطارد اللاجئين الفارين من الجحيم إلى حيث مظنّة العيش الكريم , ويبزغ نجم حميدتي كمساوم ضمن سماسرة التسلّط والإستبداد في السودان , أمّا طريقنا طريق الشعب أوسع من زحام الضيق وأرحب من ظلام الراهن فالشمس ستشرق حتما وإنْ طال الغياب سيعود للدنيا الربيع سيعود لنا وطن ولو بعد حين , خاب درب الإرتهان والذلّة ودور الشرطي اللئيم فإنتهاء المهمّة يعني اللفظ , وهو مصير كل جبار عنيد .