الاختبار الحقيقي لمدى صدق إعتقاد الشخص في ال Habeas Corpus

لا يبدو إلا عندما يطالب بتطبيقه على أعدائه. كليمنت أتلي

نعود مرة أخري لمقررات محور الحريات في توصيات الحوار الوطني، ومايجب علي الحكومة أن تفعله لتفعيلها فننظر اليوم للمادة (24) من تلك المقررات  ونصها كالتالي : حق الطلاقة «الحرية»: لا يجوز القبض على شخص واحتجـازه دون حقه في طلاقتـه وحرية مسعاه حيثما يرى:
«إلا إذا قبض عليه بشبهة ارتكاب ما يجرم القانون ويعاقـــب عليه السجن».
« وينبغي أن يبلغ بالشبهة فـــــوراً عند القبض عليه دون مضي يوم واحد».
«وإذا تولت سلطة الإدعاء أمر التحري في شبهته قد يمضي حبسه لثلاثة أيام ويجوز الرجوع بأمره للقضاء إذا استدعى التحري مدّاً في حبسه ويجوز للقاضي حفظه محبوساً تحت التحري لشهر واحد».
« في حالة الشبهة بجريمة قد تؤدي عند ثبات البينة على المتهم عند القضاء الحكم بالإعدام أو بالسجن لسنة أو أكثر أو الحبس حتى يؤدي ديناً عليه عندئذ يجوز بالضمان ولكن يحق عليه الحضور متى دعي ــ لقدوم تالٍ ــ لاستئناف ذات التحري».
«إذا تطاولت المحكمة لأكثر من سنة قبل القضاء الحاسم وكان المتهم محبوساً أو مطلقاً تحت الضمان يجوز له الاستئناف لقطع إجراءات المحاكمة ومدة التحري بعد انطلاقه ويستدرك رده للحبس أو الضمان ولكن قد يستكمل أو المحاكمة».

بغض النظر عن اللغة العربية الموغلة في إستخدام المفردات البعيدة عن الإستعمال اليومي، والتي يعشق  أصدقاؤنا في المؤتمر الشعبي استعمالها، فإن هذه المادة تفوح بعبق  الإجراء المعروف في القوانين الأنجلوسكسونية بالجملة اللاتينية Habeas Corpus والتي هي موجودة في قانوننا بشكل مبعثر وغير محدد حتى فقدت معناها.

الحق في الحرية والأمان هو حق دستوري تضمنه دستورنا بشكل مباشر في المادة ( 29) منه ونصها كالتالي “لكل شخص الحق في الحرية والأمان، ولا يجوز إخضاع أحد للقبض أو الحبس، ولا يجوز حرمانه من حريته أو تقييدها، إلا لأسباب، ووفقاً لإجراءات، يحددها القانون” وتضمنها بشكل غير مباشر في الفقرة (3) ومن المادة 27 ونصها (( تعتبر كل الحقوق والحريات المضمنة في الإتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمصادق عليها من قبل جهورية السودان جزءً لا يتجزأ من هذه الوثيقة )).

وبهذا أصبحت المادة ( 9 ) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية  كذلك المادة (6) من الميثاق الافريقي لحقوق الإنسان والشعوب جزء لايتجزء من الدستور وسنستدل لاحقاً بأحكامهما.أما الإجراء المعروف ب Habeas Corpus فقد تضمنه قانون المحكمة الدستورية في المادة (16) (ج)

إذا كان هذا المبدأ ونعني به الحق في الحرية والأمان، هو حق كفله الدستور، وإذا كان القانون قد منح المحكمة  الدستورية سلطة فحص دستورية الإعتقال، والفصل فيها،  فلا بد ان وجود هذه التوصية ضمن توصيات الحوار يعني أن هذه النصوص أما غير كافية أو غير مفعلة .

سلطة الإفراج بالضمان عن المتهمين

المحبوسين قيد التحري أو المحاكمة

السبب في ذلك هو أن القوانين السودانية المتعلقة بالقبض والإحتجاز غير متوائمة مع الدستور، ولنمنح أمثلة لذلك. وفقاً لنص المادة 106 (1) من قانون الإجراءات الجنائية فإن النيابة بل والمحكمة نفسها لاتملك سلطة تقديرية في الإفراج بالضمان عن المتهمين المحبوسين قيد التحري أو المحاكمة فى  جريمة عقوبتها الإعدام أو القطع حداً. وسلطة رئيس الجهاز القضائي  في أن يأمر بما يراه مناسباً لا تنشأ إلا إذا استمر الحبس ستة أشهر وهو وضع من شأته  أن ينتهك حق المتهمين الدستوري حسبما إستقر العمل عليه في المجتمعات ديمقراطية. منع الإفراج بالضمان فى الجرائم المعاقب عليها بالإعدام هو حكم مأخوذ من أحكام القانون الإنجليزى فى القرن التاسع عشر، وهي أحكام لم تعد متسقة مع الفقه الحديث، الذى إستقر على أن حبس المتهم السابق للإدانة يجب أن يعامل بإعتباره إجراءاً إستثنائياً، لأنه يؤدى بالضرورة إلى إنتهاك حرية المقبوض عليه الشخصية،  والإخلال بحقه في المحاكمة العادلة. فإبقاء المقبوض عليه في الحراسة يمنعه من تحضير دفاعه، كما وأنه يخالف إفتراض البراءة، مما يلزم معه أن لا يتم اللجوء له، ما لم يكن إبقاء المتهم رهن الإحتجاز يلبي حاجة ضرورية لنظام تطبيق العدالة. لذلك فقد عدلت القوانين الحديثة عن الإفتراض القانوني بأن المقبوض عليه بسبب إتهام يحتمل أن يحكم عليه بالإعدام يجب أن يبقى قيد الحجز لحين محاكمته، وذلك في مقابل النظر لكل حالة على حدة. تنص المادة 9  فقرة 3 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادق عليه السودان على “ يقدم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعا، إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونا مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه. ولا يجوز أن يكون احتجاز الأشخاص الذين ينتظرون المحاكمة هو القاعدة العامة، ولكن من الجائز تعليق الإفراج عنهم على ضمانات لكفالة حضورهم المحاكمة في أية مرحلة أخرى من مراحل الإجراءات القضائية، ولكفالة تنفيذ الحكم عند الاقتضاء”
تماشياً مع أحكام العهد الدولي فقد جعلت المادة 4 من قانون عام 1976م في القانون الإنجليزي الإفراج بالضمان حقاً للمحتجزين في إنتظار المحاكمة.  وقد فسرت المحاكم الإنجليزية ذلك  بوجود إفتراض لصالح الإفراج بالضمان، مما يعني أن على الإتهام أن يثبت ضرورة الإبقاء على المقبوض عليه رهن الإحتجاز. و في حالة تساوي الإحتمالات يكون القرار لصالح الإفراج بالضمان. كما ويعني أن الحق في الإفراج بالضمان لا يتوقف على أن يطلبه المحتجز، بل على القاضي أن ينظر في الإفراج عن المقبوض عليه بالضمان حتى ولو لم يطلب منه ذلك، بل وحتى لو وافق على  طلب الشرطة بتجديد حبسه، لأن الحق في الحرية لا يجوز التنازل عنه، ولأن يقاء الشخص رهن الإحتجاز يقرره القانون بغض النظر عن إرادة المقبوض عليه. المعيار الوحيد الذي يشكل قاعدة الفصل في المسألة هو ما إذا كان البقاء قيد الإحتجاز ضرورياً وفق القانون أم لا، فإن لم يجده كذلك فإن عليه منح المقبوض عليه حقه ولو لم يطلبه.

كاباليرو ضد المملكة المتحدة

عند تقديم مشروع قانون الإفراج لعام 98 فى إنجلترا، كانت المادة  25 منه تمنع الإفراج بالضمان للمتهمين بجرائم القتل والإغتصاب من ذوي السوابق. وقد تم تحدى ذلك أمام لجنة حقوق الإنسان الأوروبية في دعوى كاباليرو ضد المملكة المتحدة، فقررت اللجنة أنه بغض النظر عن طبيعة الإتهام الذي يواجهه المقبوض عليه، والعقوبة التي قد تترتب عليه، يجب أن يكون للمحكمة السلطة التقديرية في جميع الأحوال في أن تفحص كل الوقائع حتى تتوصل لقرار حول ما إذا كانت هنالك بالفعل حاجة حقيقية مبنية على المصلحة العامة تبرر عدم إحترام حق المقبوض عليه في الحرية، مع الأخذ في الإعتبار بإفتراض براءته . لذلك فإن رفض الإفراج عن المقبوض عليه فقط بسبب أنه معرض لإتهام معين يخرق حقه الدستوري في إحترام حقه في الحرية CaballerovUnited Kingdom; ECHR 29-Feb-2000. وقد أقر المحامي العام الإنجليزى في أثناء نظر القانون أمام مجلس اللوردات، بأنه مهما بلغت خطورة الجريمة فإن تقييد سلطة الشرطة والمحكمة في فحص حالات الإفراج بالضمان فيها لا يحقق العدالة.  وقد أقرت حكومة المملكة المتحدة بعد ذلك  لدى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية بعدم صحة المادة، وبالتالي فقد تعدلت المادة لتعطي المحكمة سلطة النظر في الإفراج في كل الجرائم. وقد قررت المحكمة العليا في أستراليا في دعوى عيسى إسلام أن المادة 9(ج) من قانون الإفراج بضمان لعام 1992 والتي تتطلب أن يثبت المتهم بجريمة قتل وجود ظروف إستثنائية تستدعي فحص طلبه بالإخراج بالضمان غير متسق مع حقوق الإنسان التي ترفض أن يكون إبقاء المتهم رهن الإحتجاز في جرائم معنية قاعدة عامة .

سلطة القبض والإحتجاز يجب أن تخضع للرقابة القضائية

تنص المادة 50 من قانون الأمن الوطني الفقرة هـ على سلطة أي عضو يحدده المدير بموجب أمر منه على ” قبض أو حجز أي شخص مشتبه فيه لمدة لا تزيد عن ثلاثين يوماً مع إخطار ذويه فوراً “و تنص الفقرة (و )  على “بعد انقضاء مدة الثلاثين يوماً المشار إليها في الفقرة (د ) ، وإذا كانت هناك أسباب معقولة تقتضي المزيد من التحري والتحقيق وبقاء الشخص المحتجز رهن الحراسة، على العضو رفع  الأمر للمدير والتوصية بما يراه مناسباً” وتنص الفقرة (ز ) على “يجوز للمدير تجديد الحبس لمدة لا تتجاوز الخمسة عشر يوماً لإكمال التحري والتحقيق” و تنص الفقرة (ط ) على “مع مراعاة الحالات المشار إليها في الفقرات  (و) (ز) (ح) على سلطات الجهاز إخطار وكيل النيابة المختص وتسليمه المشتبه فيه وكافة المستندات وملحقاتها لتكملة الإجراءات وفي حالة عدم وجود بينة مبدئية  يجب على الجهاز إطلاق سراح المشتبه فيه” وهذه الفقرات تصادم الفقرات 20 و21 و22 و24 من مخرجات الحوار محور الحريات والحقوق الأساسية وخالفتها للفقرة 24 ظاهرة فهي لا تجيز لسلطات الإتهام والتحري حجز المتهم لأكثر من ثلاثة أيام ترفع بعدها أمره للقضاء.

سمحت المادة 50 بإحتجاز الشخص لمدة 105 يوما دون أن يعرض عل قاض، أو وكيل نيابة، وذلك يخالف المادة 9  فقرة 3 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادق عليه السودان ونصها  ” يقدم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعا، إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونا مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه. والمادة لا تلزم الجهاز بتقديم المعتقل بتهمة جزائية، سريعا، إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونا مباشرة وظائف قضائية”

المادة 51 (10): من قانون الأمن الوطني تمنع المعتقل من ممارسة حق طلب المراجعة القضائية، قبل مرور 105 يوماً من الإعتقال، مما يخرق حقوق مقدم الطلب  الدستورية التى كفلتها له المادة 9 (4) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ونصها ” لكل شخص حرم من حريته بالتوقيف أو الاعتقال حق الرجوع إلى محكمة لكي تفصل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية اعتقاله، وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاعتقال غير قانوني.” وهذه المادة لا تمنع المحكمة الدستورية من إستعمال سلطتها بموجب المادة 16 ج من قانونها لأن الحكم الدستوري يعلو على الحكم القانوني ولأن قانون المحكمة الدستورية بإعتباره قانوناً خاصا يقيد الأحكام الواردة في القوانين الأخرى.

 

عدم تطلب وجود شبهة معقولة

والقانون هنا يعطي سلطة القبض على الأفراد وإحتجازهم لمنسوبي الجهاز دون  الحصول على أمر قبض  ولا يقيد سلطة القبض بوجود شبهة معقولة بإرتكاب جريمة معينة  على درجة من الخطورة تبرر ذلك. بل ولا يلزم من يحتجز السجين بإخطاره بسبب الإحتجاز، وهذه القيود تشكل ضمانات هامة ضد الإعتقال التعسفي، لذلك فقد قررت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية في دعوى فوكس وكامبل وهارتلى ضد المملكة المتحدة، أن المدعين قد تم القبض عليهم بسبب إشتباه فى أنهم ضالعين في عمل إرهابي، لأن إثنين منهم كانوا قد أدينوا بأعمال إرهابية من قبل. وأن إستجوابهم بمجرد إعتقالهم حول أعمال إرهابية تكشف عن حسن نية الضباط الذين إعتقلوهم، ولكن كل ذلك لا يدعو للقول بأن الوقائع التي أدت لإشتباه الضباط في المدعين كانت ستؤدي لإشتباه معقول، لدى مراقب موضوعي، في أن المدعين قد إرتكبوا الفعل الذى تم القبض بسببه. فحسن النية في الإعتقال لا صلة له بمعقولية الإشتباه، و”معقولية” الإشتباه الذي يجب أن تستند عليه  عملية الاعتقال يشكل جزءا أساسيا من الضمان ضد الاعتقال والاحتجاز التعسفي.

حق المعتقل فى الاستعانة بمحام

المادة تخرق حق المعتقل فى الاستعانة بمحام الذى توفره له المادة  34 (6) من الدستور، فرغم ان الاعتقال سببه شبهة إرتكاب فعل جنائي، إلا أن المادة 51 من قانون الأمن الوطني لا توفر له حق مقابلة محاميه، إلا إذا كان ذلك لا يضر بسير الإستجواب والتحرى. وحق المتهم فى مقابلة محاميه، على مرأى وليس على مسمع من الشرطة، تم إقراره فى السودان، فى دعوى حكومة السودان ضد ديكران هايفونى. وقد ذكر القاضى جلال على لطفى على لسان محكمة الإستئناف، القول بأن التحريات لم تكتمل بعد، لا يعد سببا لمنع المقابلة، فما فائدة المقابلة بعد أن يدلى المتهم بإعترافه ؟ وقد أورد القاضى جلال على لطفى عدد من السوابق فى إنجلترا والهند تؤيد ما ذهب إليه. وقد إستدل الحكم بقول ماكسويل أنه” فى حالة إستخدام القانون لتعبير غامض فى مجال الحريات العامة، لم يمكن تفسيره بإستخدام قواعد التفسير العادية، فإنه يجب تفسير النص لصالح المواطن، وضد المشرع الذى فشل فى توضيح مراميه “. وقد قيل في دعوى Murray v. UK   في انجلترا “أن الحق في الحصول على النصح القانوني أكثر أهمية فى مرحلة التحري حيث يكون موقف المتهم حاسماً في أي محاكمة لاحقة”. JOHN MURRAY v. THE UNITED KINGDOM – 18731/91 [1996] ECHR 3 (8 February 1996)

وعليه فلا بد من تعديل سلطتي الإعتقال والإحتجاز في القوانين، وتحديدها بالحدود الواردة في التوصية. ولكن حتى يتم ذلك، وبغض النظر عن مخاوف تجاهل التوصيات، كما تم تجاهل المواد الدستورية التي تحمل أحكامها، فإن تفعيل سلطة إطلاق السراح الواردة في المادة 16 ج من قانون المحكمة الدستورية تتكفل بتنفيذ هذه التوصية، بالإستناد على المبادئ الدستورية التي تصادمها تلك القوانين. والآن ماهو الإجراء المعرف ب Habeas Corpus

 

Habeas Corpus

وصف هذا الإجراء بأنه إجراء يمكن أن يستخدمه أقل الناس نفوذاً، في مواجهة أكثرهم  نفوذاً. ولكن يحسن بنا أن  ننبه أن هذا الإجراء  لايحمي بنفسه حرية الفرد، إذا لم يكن ضمن قوانين أخرى تتناول المسائل الأخرى التي تقيد هذه الحرية. فهذا الإجراء من شأنه أن يحرر المعتقل بشكل غير دستوري، ولكنه لايضمن له محاكمة عادلة، فهذه المحاكمة العادلة تضمنها عدد من القوانين والإجراءات التي  تخرج عن نطاق هذا الإجراء. ولنرجع لأصل هذا الإجراء في البلد الذي نشأ فيه

فذلكة تاريخية

فى عام 1679م أصدر البرلمان الإنجليزي القانون المعروف بإسم  Habeas Corpus Act، ولكن هذا الإجراء معروف من قبل ذلك بكثير، ويذكر سير ويليم بلاكستون في مؤلفه الضخم حول القوانين الإنجليزية، أن أول إستخدام لهذا الإجراء تم في عام 1305م ،ولكن نفس الإجراء بأسماء مختلفة إستخدم قبل ذلك ، فقد بدء العمل به  كوسيلة لإحضار السجين إلى المحكمة للإدلاء بشهادته في دعوى ماثلة، ولكنه تطور إلى الإستجابة لطلب السجين بأن يقابل القاضي حتى ضمنته المادة (39) من العهد الأعظم (الماجنا كارتا) والتي تمنع سجن أو نفي أي شخص إلا وفقاً للقانون كحق السجين في أن يفحص القاضي مشروعية سجنه.

و العهد الأعظم هو إتفاق بين الملك جون والنبلاء الأنجليز قام على إلزام الملك بقبول أن إرادته تخضع للقانون، والتخلي عن عدد من السلطات.

ومن أهم ما تضمنه العهد الأعظم من حقوق الحق في أن لا تقيد حرية شخص إلا وفقاً للقانون، وأن يتم التحقق من ذلك باللجوء إلى القضاء الذي يجب أن يستجيب لطلب أي سجين بفحص قانونية إعتقاله.

يقول بروفيسر مايكل زانر أستاذ القانون في London School of Economics ((إن جملة Habeas Corpus لديها مفعول أسطوري في نفسية هذا الشعب، فرغم أن ذلك الإجراء قد أصبح غير مطروق أو نادر الحدوث، إلا أنه يمثل الحق الأساسي في مقاومة الإعتقال غير القانوني، حتى لو كان ذلك بالإتصال بالقاضي تلفونياً في منتصف الليل)) .

وقد تم وقف العمل بهذا الإجراء عدة مرات في بريطانيا في أثناء الحروب، كما تم وقفه لعدة سنوات في أوائل السبعينات بغرض إعتقال الجمهوريين الإيرلندليين، إلا أن الحكومة تراجعت عن ذلك ،ويعتبر توني بلير هو أول رئيس وزراء حاول وقف هذا الإجراء في زمن السلم، حين حاول إسناد سلطات الإعتقال لوزارة الداخلية في قانون مكافحة الإرهاب وقد لقي معارضة شديدة في مجلس اللوردات مما إضطر الحكومة بأن تقصر سلطة أوامر الحظر ضد المشتبه فى قيامهم بعمليات إرهابية على القضاء.

 

هواء أكثر نقاءاً من أن يتنفسه عبد

الإجراء يعني الحق غير المقيد لكل من يفقد حريته، بأن يطلب من قاضي أن يفحص مشروعية إعتقاله، وذلك بأن يصدر أمراً بإحضاره فوراً، وجملة Habeas Corpus تعني أرني جسم الشخص المطلوب إحضاره، والمقصود بالطبع إحضار المعتقل بشخصه، والإسم مأخوذ من الجملة التى تصدر الأمر  باللغة اللاتينية، والتى تذكر” بهذا أنت ملكف بإحضار السجين(الإسم) سالماً، ومعه سبب إعتقاله لهذه المحكمة فى التاريخ المحدد في الأمر” ويكون ذلك فى أسرع وقت تسمح به المدة التي يأخذها نقل السجين من مكان إعتقاله إلى المحكمة التي أصدرت الأمر، وهذا الأمر لا يجب أن يكبل بأي إجراءات أو قيود تحول دون إصداره، فمجرد أن يصل إلى علم القاضي أن شخصاً ما قد فقد حريته يطلب فحص مشروعية ذلك، عليه أن يستجيب فوراً لذلك الطلب، بأن يطلب إحضار السجين وسجانه إليه، حتى ولو كان هذا الطلب قد قدم إليه خارج زمن لعمل، والغرض من ذلك أن لا يظل أي شخص فقد حريته على غير مقتضى القانون فى يد معتقله لأي زمن، و أن يصبح مقدم الطلب تحت رعاية القاضي أثناء فحص مشروعية الإعتقال، ولا يخرج من تلك الرعاية إلا شخصاً حراً أو معتقل بمسوغ قانوني . ومن أشهر الدعاوي التى إستخدم فيها هذا الإجراء دعوى جيمس سومرست في عام 1722م ،وهو عبد جامايكي أحضره سيده إلى إنجلترا حيث طلب من المحكمة تحريره ،فإستجابت له في حكم شهير حمل جملة كثر تردادها بعد ذلك، هى ((إن الهواء في إنجلترا قد أضحى أكثر نقاءاً من أن يتنفسه عبد لذلك فإن كل من يتنفس هواءنا هو رجل حر)) .

من يمارس هذه السلطة في السودان

يلاحظ أن هنالك سلطات للقضاء العادي بتجديد إعتقال المقبوض  عليهم بواسطة الشرطة عند إنتهاء فترة التجديد بواسطة النيابة، ولكن القضاء العادى لاسلطة له بالنسبة لمن يعتقلهم جهاز الأمن الوطنى. أضف لذلك أن السلطة لا تمارس على الوجه الذي يتوجب ممارستها به، لأن القانون لا يتطلب مثول المقبوض عليه أمام القاضي،  مما أدى أن يتم التجديد بشكل تلقائي في حضور الشرطة فقط. وحقيقة الأمر هي أن واجب القضاء لا يقتصر فقط على قانونية الإعتقال، بل أيضاً على ظروف الإعتقال، إذ يجب عليه أن يتأكد من أن المقبوض عليه محتجز في ظروف معقولة، ويُعامل معاملة إنسانية. وهذا لا يتيسر له إلا بمثول المقبوض أمامه، أو بإنتقاله هو لمكان إحتجاز المقبوض عليه. تذكر محكمة العدل الدولية في رأيها القانوني في دعوى الرهائن في طهران، “حرمان البشر من حريتهم دون وجه حق، وإخضاعهم لقيود جسمانية في ظروف شديدة المشقة، هو في حد ذاته يتعارض مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، كذلك مع المبادئ الأساسية المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي تضمن المادة 3 منه ” الحق في الحياة والحرية والأمان على شخصه ” من الواضح الآن أن مسألة التجديد لا تحظى بالعناية المطلوبة لقصور في القانون وأيضاً لإنشغال القضاة بالدعاوي اللتي ينظرونها، لذلك فإنه من الأوفق تخصيص قاضي في المحكمة للقيام بفحص طلبات تجديد الحبس، وأن يتم ذلك في حضور المتهم وبعد سماعه حول مشروعية التجديد وحول ظروف الإعتقال .

القضاء الدستوري

سلطة إصدار Writ of Habeas Corpus الممنوحة للمحكمة الدستورية مختلفة كيفاً عن ذلك، فالمحكمة الدستورية لا تنظر في قانونية الإعتقال بل في دستوريته. ينجم عن ذلك أن تجديد أمر الإعتقال بواسطة القاضى العادى لايمنع المعتقل من اللجوء للمحكمة الدستورية لإستصدارWrit of Habeas Corpus.

رغم أن هذه السلطة يمارسها القاضي العادي  في إنجلترا، لأن القاعدة الدستورية الأساسية في النظام القانوني الإنجليزي تقوم على سيادة البرلمان، وبالتالي فإن الإجراء هو إجراء متعلق بمخالفة القانون. ولكن القاعدة الدستورية الأساسية في النظام القانوني السوداني تقوم على خضوع القوانين التي يصدرها البرلمان للمراجعة القضائية، من حيث توافق أحكامها مع حكم الدستور. لذلك فإن الإجراء لدينا يتصل بدستورية الإعتقال وليس بقانونيته، وهو الأمر الذي إقتضى أن تكون المحكمة الدستورية هي المختصة بطلبات إطلاق السراح وهو أمر تفوق مميزاته عيوبه. فمن حيث الأولى فإن المحكمة الدستورية هى حارسة الدستور، وأحكامها لا تخضع لمراجعة أي سلطة أخرى، ولكن لنفس هذا الإعتبار فإن الزمن الذي تأخذه في الفصل في الطلبات قد لا يتناسب مع ما تتطلبه سرعة البت في هذا الطلب. اهم ميزة يتميز بها نظامنا هو أن المحكمة الدستورية غير مقيدة بالقانون، وبالتالي فقد يكون الإعتقال رغم أنه صحيح وفقاً للقانون إلا أنه إعتقال مخالف للدستور لأنه مبني على قانون مخالف للدستور و أمثلة ذلك تم سردها بالفعل.

الإعتقال التعسفي  

والإعتقال أيضاً قد يكون تحكمياً أو متعسفاً رغم انه غير مخالف للقانون،  وهو أمر يمكن  للمحكمة الدستورية وحدها معالجته وقد ذكرت لجنة حقوق الإنسان الأفريقية في دعوى

Womah Mukong V. Cameroon Communication No. 458/1991, U.N. Doc. CPR/C/51/D/458/1991 (1994).

أن القبض التعسفي لا يلزم أن يكون مخالفاً للقانون، بل يجب أن يفسر تفسيراً واسعاً، بحيث يشمل معاني مثل أن يكون غير مناسب، وغير عادل، ويفتقد الأسس التي يمكن توقعها في التطبيق المناسب للقانون، وكذلك فإن الإبقاء على المقبوض عليه قيد الإحتجاز لا يجب فقط أن يكون مشروعاً بل يجب أن يكون معقولاً ومناسباً وعادلاً. arbitrariness’ is not to be equated with ‘against the law’,” التعسف  ليس مرادفاً لمخالف للقانون، ولكن يجب أن يفسر بشكل أوسع ليشمل عناصر عدم الملاءمة، وعدم الإنصاف، وأن لا يكون التنبؤ بوفوعه ممكناً، والبعد عن التدابير السليمة للقانون . … وهذا يعني أن الإحتجاز الذي يتلو الاعتقال القانوني لا يجب أن يكون فقط قانونيا ولكن معقولاً وفقاً للظروف. الإحتجاز يجب أن يكون ضرورياً في كل الظروف، على سبيل المثال، لمنع الهروب والعبث بالأدلة أو تكرار الجريمة ” أنظر أيضاً قرار لجنة حقوق الإنسان الإفريقيCommunication 275/2003, Article 19 v. Eritrea, para. 93Communication No. 711/1996. 20 March 1998 لذلك فإن اللجوء لرفع سقف الإتهامات لإبقاء المتهمين قيد الإحتجاز هو إحتجاز متعسف يحق لمن يخضع له المطالبة بالتعويض وفقاً لأحكام المادة 9 (5) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

 

ما الذي يعطل تفعيل الإجراء

رغم أن الإجراء موجود في قانون المحكمة الدستورية، ورغم أنه تم تقديم طلبات مؤسسة عليه في عدد من الدعاوى للمحكمة الدستورية، فإنه حسب علمي، لم تقم المحكمة الدستورية يتفعيل ذلك الإجراء بعد، والسبب في ذلك يعود لأمرين: الأول هو أن المحكمة الدستورية تعاني من نقص في الإمكانيات بشكل مزري. فمن جهة، عدد القضاة لا يكفي لتولي كل ما هو مثار أمام المحكمة، فيجب أن تضم المحكمة عدداً من القضاة يكفي ثلاث دوائر على الأقل. من الجهة الثانية يجب أن يتم مد المحكمة بكادر فني مؤهل يقوم بدراسة الطعون، وإعداد البحوث والدراسات المتصلة بها في الفقة الدستوري العالمي، خاصة وأن العهود الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، أصبحت جزء من الدستور. وأن مسائل الحريات العامة أصبحت شأن دولي يخضع لما إستقر من المبادئ في الضمير الإنساني في سائر المجتمعات.  والعامل الثاني أن القانون لم يحدد الإجراءات الواجبة الإتباع بشكل مفصل، فقد كان يفترض أن يفصل الإجراء بإعتباره أمر تحفظي لا يؤدي الغرض منه إذا لم يتم فحصه على وجه السرعة، وهذا يتطلب تضمين القواعد الإجرائية التاليةالتالية

1- يجب أن توضع السلطة في يد قاض فرد وأن تكون هذه السلطة لكل قضاة المحكمة منفردين، ضمانا للفصل في المسألة على وجه السرعة

2- يجب أن يتضمن القانون زمناً محدداً لتصريح عريضة إطلاق السراح لا يتجاوز يومين، وأن يتم إعلان الجهة التي تحتجز مقدم الطلب لإحضار السجين فيما لا يزيد عن الزمن المطلوب لإحضاره أمام المحكمة

3- يجوز للقاضي الفرد أن ينتقل ليعقد جلسات فحص الطلب في أي مكان وذلك تمكينا له من الإسراع في الإجراءات ولمقدم الطلب أن يقدم طلبه في أي وقت. ويجوز للقاضي عقد الجلسة في مكان إحتجاز السجين إذا كان مكاناً نائيا يتسبب في طول الزمن اللازم للإعلان وتنفيذه، أو لمعرفة ظروف إعتقال السجين في الحالات التي تستدعي عن ذلك

4- يجب أن تقدم الجهة التي تحتجز السجين ردها وما تستند عليه من أسباب للحكم بدستوريه الإعتقال في الجلسة الأولى مباشرة، ويتم التعقيب عليها في نفس الجلسة، ويصدر بعدها القرار

5- إذا رآى القاضي أن العدالة تتطلب إمهال الجهة التي تحتجز السجين لتقديم أسبابها أو  أنه بسبب المسائل المثارة في الطلب يتطلب الفصل في الطلب زمناً طويلاً نسبياً عليه أن يأمر بإطلاق سراح السجين بالضمان، لتيسيرالفصل العادل في الطلب دون الإخلال بحق  السجين

نبيل أديب عبدالله

المحامي