د. حسام الأمين بدوي الخليفة

“مفهوم جديد في إدارة العمل العام “

سابتدر حديثي بما جاء في آخر المقال الذي كتبه النقابي المتمرس
أ.محمد علي خوجلي بأن سر قوة اللجنة المركزية لأطباء السودان هو ((جمعيتها العمومية “متباينة” الآراء)) ؛ إن قوة اللجنة المركزية تتمثل فعلا في مقدرة اللجنة على جمع الأطباء وان اختلفت آرائهم  ؛ وهي نقطة التحول الرئيسية التي راهنت عليها اللجنة بتحملها لكل المشاق وتصديها لكثير من الأمور التي طفى بعضها والبعض الأخر ما زال حبيس السرائر .
أكتب مقالي هذا بصفتي طبيبا قبل أن أكون عضوا في اللجنة المركزية ومع أنني شاهد عصر على تجربة اللجنة المركزية منذ بداية تخلقاتها الأولى سأتجنب الحديث عن الذاتي وأناقش الطريقة التي أدارت بها اللجنة الإضراب منذ بدايته .
فلنتفق اولا بأن غياب الجسم الفعال الذي يدافع عن حقوق الأطباء هو الظرف الموضوعي لقيام لجنة أطباء السودان المركزية في يناير 2016م من بعد آخر جسم مطلبي تكون في 2010م ؛ انتظرنا كأطباء 6 سنوات كاملة لكيما يتخلق لنا جسم فاعل من عنق المعاناة يعمل على جمع الأطباء برؤية جديدة – هذا ما كانت تشير اليه اللجنة في كل اجتماعاتها وبياناتها ومكاتباتها ؛ وإن اختلفنا او اتفقنا لقد عانينا كثيرا وطوال السنين الماضية من التغييب المستمر لكل القطاعات الفئوية والمهنية بصورة متعمدة من قبل الادارات والجهات المسؤولة ليكون المنتوج الطبيعي غياب الآلية الأكثر فعالية في إنتزاع الحقوق وهي “الوعي” هذه الآلية التي لطالما كانت اللجنة تؤكد عليها لأننا وببساطة لا يمكن أن نخلق كيانا قادرا على التغيير الحقيقي مالم يكون الوعي والإدراك هو سيد الموقف في كل تحركاتنا ولأن اولى بشريات ترسيخ الوعي بين الأطباء كان الإضراب العام بهذه القوة والنجاعة والذي سطر بأحرف من نور في تاريخ الحراكات المطلبية .
يقول أ.عبدالوهاب الكيالي في موسوعتة بأن نجاح العمل النقابي “يحتاج الى تجديد الآليات المستخدمة لانتزاع الحقوق ” ولأننا تعودنا كثيرا على استخدام نفس الآليات القديمة لانتزاع الحقوق يرى الكثيرون بأن شكل الإضراب عن الحالات الباردة والذي أعلن في 6 أكتوبر فيه شئ من الضعف ؛ ويردف البعض الآخر بأن طريقة الإضراب المجدولة التي أعلنتها اللجنة “يومين في الاسبوع (8) أيام في شهر نوفمبر ” هي غير مجدية ، أقول كطبيب :
أن الإضراب في حد ذاته هو وسيلة ضغط متحضرة وليس غاية، تهدف أساسا الى ضغط المسؤولين وتنبيه المواطنين وشركاء الصحة الى أن هنالك إشكال ما يجب أن يصحح ، قد يقول البعض بأن الجهات المعنية بأمر الصحة في البلاد تعرف بل وتتعمد أن يصل وضع الصحة بالبلاد الى ما وصل اليه وأنها قد التفت على مطالب الأطباء ؛ بالطبع لا يمكن تجاهل هذا المفهوم ولكن لنرجع أولا الى النقطة الأهم وهي استمرارية الجسم – تنتهج السلطات وبطريقة تكتيكية معلومة للجميع و طريقة  معروفة وهي تذويب الأجسام وتشتيتها ومحاولة شقها آنيا وفي نفس الوقت الاستفادة من الخطوة الاستراتيجية والمتمثلة في التخلص من هذا الحراك في المستقبل كل ذلك لأسباب معروفة ؛ ولأننا درسنا كل التجارب المطلبية المشابهة في كينيا مصر بريطانيا …الخ لابد وإن كنا نريد ضمان استمرارية العمل أن ننتهج سياسة (النفس الطويل) بمعني عدم الانسياق وراء اهوائهم فالأطباء في كينيا مثلا استمر إضرابهم لشهور وكانت النتيجة تغير الوضع الصحي بصورة أدهشت كل العالم وحتى في بريطانيا فقد دخل الأطباء في إضراب عن الحالات الباردة لمدة 24 ساعة فقط ما دعى رئيس الوزراء “ديفيد كاميرون” الى الإعتراف بمطالب الأطباء والعمل على تحسين شروط التدريب والأجور والآن إضرابهم المجدول معلن لمدة خمسة أيام في كل من شهري نوفمبر وديسمبر  .
تتمثل العبرة في ما ذهبت اليه في شكل الإضراب الذي تم والنجاحات التي حققها الإضراب مع الأخذ في الحسبان بالطبع اختلاف الحكومة والوعي ..الخ.
ثانيا : حمل بيان اللجنة بأن الإضراب المجدول في شهر نوفمبر هو عدد “ثمانية أيام ” تقسم على يومين في الاسبوع ..هنالك شئ من الذكاء من قبل اللجنة فمع خطوة إعلان الإضراب بهذه الصورة يمكن للجنة أن تكسب أرضية جيدة للتصعيد في أيام الأسبوع المتبقية والتي لا يشملها الإضراب .
أن الإضراب المفتوح (بدون أفق) مع أجهزة متمرسة في ادارة تشتيت الاحتجاجات سيصعب من فرصة استمرار الحراك ؛ بمعنى أكثر دقة  ستتحول المطالب من البنود الثلاثة(تهيئة بيئة العمل ،تحسين شروط التدريب وقانون حماية الطبيب) الى إطلاق سراح الأطباء وإرجاع المتضررين وسيضطر حينها الأطباء الى التنازل عن بعض النقاط المهمة في التفاوض ما سينعكس على المكاسب التي يمكن تحقيقها في إطار تنفيذ بنود المذكرة .
مع هذه الخطوة الجريئة التي أعلنتها اللجنة المركزية يمكن أن تبتدر اللجان الفرعية والمجلس المركزي واللجنة المركزية خطوط تصعيد أخرى مهمة مثلا ((الضغط الإعلامي ؛ وقفات إحتجاجية أمام منسقيات الخدمة الوطنية لإزالة الضرر عن أطباء الخدمة ؛ وقفات احتحاجية أثناء ساعات العمل الرسمية في المستشفيات الحكومية والخاصة والنظامية في الأيام العادية والتي لا يشملها  الإضراب ؛ تمليك المواطن الصورة الحقيقية للإضراب وأثناء ساعات العمل…الخ) مع الإضراب المبرمج سنضمن مكاسب كثيرة بالإضافة الى ضمان إستمرارية الجسم .
إيضا أشار البيان إلى نقطة مهمة وهي إمكانية إستخدام آليات التصعيد الأخرى بمعنى يمكن أن يتحول هذا الإضراب الى ((شامل عن الحالات الحرجة والباردة ؛ المستشفيات النظامية (الشرطة ..الجيش..جهاز الأمن ..الخ)) وهذه كروت جديدة يمكن استخدامها للضغط على المسؤولين.
وهنالك طرف مهم في عملية الإضراب لايمكن تجاهله وهو المواطن نفسه وإن تباينت الآراء حول دور المواطن يجب أن نشير بأنه شريك أصيل في عملية إصلاح بيئة العمل ؛ مع هذا الإعلام الموجه وتغبيش الوعي المتعمد من قبل  المسؤولين سنكسب المواطن المغلوب على أمره في صفنا مع كسب نقطة دعائية ممتازة تتمثل في نقل معلومة إضراب الأطباء واستمرار تقديم الخدمة طيلة أيام الاسبوع في نفس الزمن ليتحول المواطن من مربع المتفرج على المشكلة الى مشارك حقيقي بطريقة مباشرة (عن طريق الإحتجاج) أو غير مباشرة (قنوات إعلامية ) .
-ثانيا طرح جزء كبير من الأطباء خيار آخر للتصعيد وهو الإضراب المفتوح ، أقول اولا وكما ابتدرت حديثي بأن اللجنة تحوي قدرا كبيرا من الاراء المتباينة ، ظهور هذا الصوت يعني بأننا انتقلنا خطوات ممتازة الى الأمام لأن تفكير الأطباء الآن منقسم حول آليتين لتنفيذ المطالب مع الإتفاق حول استمرارية اللجنة والالتفاف حولها وغياب الصوت النشاز الذي كان يظهر في الإضرابات القديمة بتثبيط الهمم ومحاولة كسر وحدة الأطباء وتصوير الإضراب بأنه ضد الإنسانية والمهنية وهذة نقطة قد لا يتذكرها البعض ولكنها تعني بصورة وأضحة بأن الأطباء واللجان على حق ويضفي شرعية كلية للمطالب .
خيار الإضراب المفتوح في اعتقادي هو سلاح قوي جدا ويمثل آخر طلقات اللجنة التي يمكن أن تصوبها في خاصرة المسؤولين ؛ فالبديهي أن تكون آخر خطوات التصعيد ولأننا نتفق بأن معركتنا مع الجهات المسؤولة ما زالت في بداياتها أعتقد بأن الاحتفاظ بهذا السلاح هو خيار موفق الى الآن وبالتالي يضع مسؤولية تجويد الآلية الأخرى حيز التنفيذ من لحظة إعلانها لأن فشل الالية التي أعلنتها اللجنة يعني الانتقال الى خطوة الاضراب العام المفتوح دون استخدام الآليات الانفة التي ذكرتها لذلك أعتقد بأن نجاح تلك الالية يعتمد على :
# الثقة من اللجنة في جمعيتها العمومية ؛وثقة الجمعية العمومية بلجنتهم .
#تفعيل دور اللجان الفرعية وإشراكهم فعليا في تنفيذ الإضراب بصورة قاعدية وحتى تدوين تقاريرهم وأخذها في الحسبان ؛ لأنها المعبر الحقيقي عن نجاح الإضراب .
# المجلس المركزي الذي تم انتخابه أخيرا يقع عليه الدور الأكبر من المسؤولية لانه يمثل المرجعية التشريعية للمكتب التنفيذي كما أنه يمثل مجموع اللجان الفرعية وبالتالي هي نفسها وعن طريق المجلس يمكن أن تشكل قوة إضافية وهيبة تضاف الى القوة العظيمة للجمعية العمومية .
#الإعلام هو الضامن الحقيقي لنجاح الإضراب بهذا الشكل وهنا أتحدث عن الأطباء أنفسهم يمكن أن يكون هنالك اكثر من 10 الف قناة اذا اعتبرنا أن كل طبيب هو قناة يمكن أن توصل فكرة الاضراب ؛ بالإضافة الى المكتب الإعلامي المختص في اللجنة .
أخيرا أعتقد باننا كأطباء لنا القدرة على فعل الكثير وستستجيب الجهات المسؤولة مرغمة على مطالبنا عاجلا ام آجلا ولنا جولات معتبرة يفهمها أكبرهم قبل أصغرهم ،ولكن الأهم من تحقيق مطالبنا هو وحدتنا ووعينا للمرحلة الماثلة بين أيدينا بالضرورة الأهم من تحقيق المطالب هو استمرار الكيان الجامع للأطباء(إستشاريين..إختصاصيين..
نواب..عموميين..إمتياز ) وإن اختلفت الأسماء التي تقود هذا الحراك ، أتمنى أن لا ننتظر 6 سنوات أخرى لنرى الأطباء يجتمعون بالآلاف “بالبالطو الابيض ” ..

د.حسام الأمين بدوي الخليفة .
نائب اختصاصي الجراحة العامة
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1790842721201636&id=1775598556059386