الخرطوم : قرشي عوض

تصريحات الرئيس السوداني عمر البشير أمام فاتحة أعمال مجلس شورى المؤتمر الوطني الجمعة قبل الماضية عن ضرورة تقديم أعضاء الحزب لتنازلات على المستوى الدستوري والتنفيذي في الدولة بغرض إفساح المجال أمام الاخرين للمشاركة في السلطة ، اثارت تساؤلات عن توجهات محتملة للتخلص من اخر الذين تبقوا في السلطة من الاسلاميين ، خاصة وان الخطوة قد سبقتها خطوات في هذا الاتجاه ، كما انها تأتي في أعقاب “الحوار الوطني” الذي استحدث منصب مثل رئيس الوزراء ، كما أنها تأتي في اطار جولات من التفاوض مع الحركات التي تحمل السلاح مما يعني ان هناك قادمين جدد ربما لن يسعهم المكان الى جانب القدامى .

خطوة  لها ماقبلها :

ملامح الخطوة المرتقبة بدأت منذ ان قرر الرئيس تعيين الولاة وتعديل القانون للسماح له بالتعيين ، وفي هذا الصدد يقول الناشط السياسي والكاتب الصحفي بابكر فيصل “للتغيير الإلكترونية” ان كل الذين اتى بهم الرئيس كانوا ضباطا في الجيش كما فعل نفس الشيء في الهيكل العام للوزارات ، حيث اتى بوزير الداخلية من الجيش وكذلك والي الخرطوم ومعتمدي العاصمة القومية ، وبحسب فيصل فإن الخطوة الحالية تعزز هذا الاتجاه ، خاصة وان الرئيس يريد ان يشعر بنوع من الطمأنينة  وانه سوف يأتي بسياسيين من القوى الاخرى ليعزز الحديث حول قوميته مما يعطيه نوعا من المصداقية لخطاب الوثبة .

لكن القيادي الاسلامي في حزب المؤتمر الشعبي ابوبكر عبد الرازق في افادته “للتغيير الإلكترونية” ينظر للخطوة من زاوية انها وفاء والتزام بمقتضيات “الحوار الوطني” الذي من أجله احدث الرئيس كثيرا  من التعديلات داخل حزب المؤتمر الوطني وخارجه حينما ابعد من المواقع المهمة القيادات التاريخية والصقور السياسية وأبدلهم بشخصيات اخرى تنسجم وطبيعة المرحلة ، مثل ابراهيم محمود وبكري حسن صالح ، فضلاً عن استفراده بتعيين وعزل الولاة الذي سبقت الاشارة اليه ، كل ذلك يعتبره عبد الرازق تهيئة للمسرح السياسي من أجل انجاز الحوار وتحجيم ايما مقاومة لإنجاز مخرجاته ، التي تتضرر منها عضوية المؤتمر الوطني المتنفذة.

أما القيادي الاسلامي بحزب المؤتمر الوطني عمر ادم رحمة فيرى ان الاسلاميين جزء لايتجزأ من الحركة السياسية ولايمكن ازاحتهم وابدالهم بآخرين ، ويصف الخطوة التي نحن بصددها بأنها استيعاب للاخرين من  أجل ان تكون هناك مشاركة في السلطة واضاف “ان الحوار دليل على ان قيادة البلد تسعى لمشاركة الاخرين وتجاوز الاشكالات الحالية. لكن رحمة اعتبر الخطوة  خسارة لاعضاء المؤتمر الوطني الذين سيترجلون.

وضعية جديدة للرئيس :

يبدو ان الرئيس قد حاز وضعية جديدة بالنسبة لاطراف النزاع بمن فيهم الاسلاميين انفسهم ، فهو بالنسبة لهم بحسب بابكر فيصل يمثل صمام الأمان  للحركة الاسلامية او حزب المؤتمر الوطني وهم كلهم يعولون عليه ، لان بديله ليس اسلامياً ، وهو الفريق بكري حسن صالح .

 من ناحية اخرى يعدد بروفيسور الطيب زين العابدين في إفادته “للتغير الإلكترونية”  بعض مظاهر الخلاف بين الرئيس والاسلاميين التي برزت قبل الخطوة وربما قادت اليها مثل عدم مساندة الحزب للرئيس في الانتخابات الاخيرة والتي كان الاقبال عليها ضعيفا ، وقد عبر البشير عن ذلك وقتها في تصريحاته امام اجتماع مجلس الشورى بان (حزبكم اصبح مثل حزب الاتحاد الاشتراكي )كما ان الاسلاميين ياخذون عليه  انفراده باتخاذ القرار لوحده في عدد من الأمور مثل اعلان الحرب على الحوثيين من السعودية دون ان يستشير احدا .

ويرى الطيب أن الرئيس في قرارة نفسه لايريد ان يكون الاسلاميون مسيطرين حتى يقوم هو بالإحلال والإبدال من داخلهم  يذهب بهذه الفئة ويأتي بالاخرى ،ولكن بروفيسور الطيب يستبعد ان يتخلص الرئيس من الاسلاميين لانهم اقوى منه ، وهم الذين أسسوا  حزب المؤتمر الوطني ، وان الحزب في الانتخابات يعتمد عليهم  لمعرفتهم بالعمل والحشد ويرجع الطيب المشاكل التي حدثت لبعض الولاة بانها  كانت بسبب انهم غير مقبولين من الاسلاميين ، ويستبعد الطيب وجود بديل للاسلامين يمكن ان يعتمد عليه الرئيس كما اظهر الحوار الوطني نفسه، وان من جاؤوا  للقاعة لايشكلون بديلاً للاسلامين يمكن ان يرضاه الرئيس، رغم انهم تكتلوا وفرضوا بعض الاجندة التي يرفضها اللاسلاميون كما يرفضها الرئيس نفسه مثل منصب رئس الوزراء، فاقتنع الرئس بانهم لايشكلون بديلا  للاسلامين ، ويؤكد الطيب عبر عدة شواهد بان الاسلاميين اقوى من الرئيس ، فهو لم يستطيع ان يدخل (حميدتي)

 للجيش لاعتراض تنظيم الاسلاميين داخل الجيش ، وهو تنظيم موجود في الشرطة وفي الامن ، والرئيس رغم انه لايريد ان يسيطر الاسلاميون ، لكنه يعلم بان الدخول معهم في صراع لن تكون نتيجته في صالحه ، خاصة وانهم قد كسبوا الصراع مع الترابي ، وان كسب الصراع مع الرئيس اسهل من الصراع مع رمز الحركة الاسلامية ، كما ان الاسلاميين انفسهم لن يتركوا الاوضاع تصل ل الدرجة من التأزم  بينهم وبين البشير وهم انفسهم ( مفرتكين )، رغم انهم متمكنين من مفاصل الدولة التي مكنهم منها الرئيس نفسه خلال الفترة الماضية .ويصل الى نفس النتيجة الاستاذ بابكر فيصل ويخلص الى ان الرئيس  سوف  يتخلى عن التغيير نفسه اذا كان سيقوده الى مواجهة مع الإسلاميين الذين تغلغلوا خلال 27 عاماً في كل مفاصل الدولة .