بابكر

بابكر فيصل بابكر

(1)

في كتابه المتفرَّد (الطاغية) يورد الدكتور إمام عبد الفتاح  إمام الكثير من الآراء والنظريات حول الطغيان السياسي, فأفلاطون على سبيل المثال يرى أنَّ الطاغية بعد أن يُحِكم سيطرتهُ على مقاليد البلد يقوم بإلصاق التهم الباطلة بحقِّ أهله ويسفك دماءهم، ويحتقر القوانين، وهذه الحالة من شأنها أن تؤدِّي إلى إيقاف أيِّ معارضة مُحتملة لنظام حكمه، وشيئاً فشيئاً يتحوَّل حكمه إلى جنون وإلى كارثة، ويتحوَّل الطاغية إلى ذئب ليس له أيِّ صديق, فهوعلى إستعداد للتخلص من أيِّ شخص من أعوانه لمُجرَّد شعوره بأنَّه يُشكل خطراً عليه أو على نظامه. إنَّ ممارسات الطاغية هذه تُثير في نفوس المواطنين قلقاً وكراهية وعداءً تجاهه، وهذا ما يدفعه لتقوية سلطانه بزيادة عدد الحرس والمرتزقة والجواسيس الذين يُغدق عليهم الأموال فيصبح مصيرهم هو مصيره , فالمستبد – كما يقول الكواكبي  – خائنٌ خائف محتاج لعصابة تعينه وتحميه, فهو ووزراؤه كزمرة لصوص : رئيس وأعوان, ولا تقتصر بطانة الطاغية على الحرس أو الوزراء أو المرتزقة والجواسيس ، وإنما تشمل أيضا الكُتَّاب والمثقفين والشعراء، ولهذا فإننا نجد من بين هؤلاء من يمتدح الطاغية بل ينشر وعياً زائفاً بضرورة الإستناد إلى حاكم قوي يكون الحامي والرمز والمنقذ للشعب الذي بدونه لا يمكن له أن يعيش بسعادة وراحة وأمان.

(2)

يقول الكواكبي في طبائع الاستبداد أنّه ” ما من مستبدٍ سياسي إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله أو تعطيه مقاماً ذا علاقة بالله”, وبهذا يصبح الحاكم هو القاهر الواهب المانع الجبار المنتقم المقتدر المهيمن. الطاغية في غرارة نفسه يحتقرالشعب وإن تشّدق بغير ذلك , وهو يرى أنَّ أيِّ نقد أو هجوم على سياساته هو نقدٌ وهجومٌ على الدولة بأسرها لأنه هو الدولة، والنقدُ لا يُصدرُ إلا منه، ولا يمكن لأي شخص آخر ممارسته، فهو الزعيم الأوحد, والرئيس المخلص, ومبعوث العناية الإلهية, و القائد والمعلم والملهم, الذي يأمر فينصاع المجتمع لأوامره، وهو يُعبِّر عن مصالح المواطنين ويعرفها بصورة أفضل منهم.

(3)

ويرى أرسطو أنَّ  من صفات الطاغية :” كرههُ الشديد لشخصٍ ذا كرامة أو رجلاً شريفاً يتحلى بالرفعة والسمو أو يمتلك شخصية مستقلة ,ذلك لأنه يدَّعي إحتكارالخصال الحميدة، ويشعر أنَّ أي إنسان شريف وصاحب كرامة يزاحمه في الجلال والإباء أو يحرمه من التفوق والسيادة”.

الطاغية يستعينُ في حكمه بالفاسدين، والمنافقين ، والمتملقيـن , لأنـَّه يستلذ من النفاق , ويفْـرحُهُ التملـُّق , ويكره من ينتقده , ويبغض أشدَّ البغض من يدلـُّه على عيـوبه . ثـم هـو يحرص على القضاء على النبـلاء , والمتميّزيـن , والأذكياء , الذين لا يقبلون النفـاق , ولايحتملون التزلـُّف , فإمـَّا أن يسجنهـم ، أو يفـرون من بلاده. الطاغية يخاف أشـدّ الخوف منَ التجمُّعات العامَّـة , فيحارب كـلّ وسائل التعبير الحــرّ عن الإرادة الجماعية , وكلّ ما من شأنهِ تنوير النفوس والرُّقي بها , كحرية الرأي والفكـر ووسائلهما, وكذلك يزرع الشكّ وإنعدام الثقة فيما بين الناس وذلك ليجعلهم عاجزين عن تدبيـر أيّ شيء يخلصهم من حكمه وذلك بإغرائهم بأن يتجسس بعضهـم على بعض ، ليدبَّ العداء بينهم فيبقون غير قادرين على الإجتماع ضـدَّه, ويضاف الى ذلك إفقاره المتعمّد للرعية حتى ينشغلوا بلقمة العيش عن التفكير بدورهم السياسي.

(4)

يُسخِّر الطاغية جل موارد البلاد لإشباع رغباته الحسيّة ومُتعه وملذاته, فيبني المنازل والقصور, وينفق الأموال دون حساب على أهله و حاشيته. كان “نيرون” طاغية روما لا يعمل أي إصلاحات في الدولة ولا ينظر إلى احتياجات شعبه بل أخذ ينفق الأموال في متعه الخاصة وسهراته ونسائه, كما أظهر إهتماماً كبيراً بالمسرح والشعر والغناء حيث كان مولعاً بالظهور أمام الناس كمغن وممثل وشاعر, فقد كان يجلب الآلات الموسيقية وملابس الممثلين من دول عدة وبمبالغ طائلة دون النظر للأمور المهمة في دولته وكان يتنقل بين مناطق الإمبراطورية الرومانية هو وفرقته الموسيقية طائفاً بشوارعها.

(5)

ويقول أفلاطون أنه كلما طالت مدة ممارسة الحاكم للطغيان ازدادت الصفات الطاغوتية تأصلاً فيه, الدولة ومن يقودها متشابهان وكل منهما يتبيَّن من خلال أحوال الآخر, فالدولة التي يحكمها طاغية لا يمكن أن تكون حُرَّة بل هي مستعبدة الى أقصى حد، ويضيف : اذا كانت الدولة مشابهة للفرد فلابد أن يتغلغل هذا الاستعباد والمذلة الى نفس الطاغية أيضاً فتراه يحمل نفساً وضيعة الى أبعد حدود الوضاعة ‌بل تهبط أشرف أجزاء نفسه الى أدنى مرتبة من مراتب العبودية علماً بأن أخس هذه الأجزاء هو الذي يصبح مسيطراً على تصرفاته وسلوكه.

(6)

ويؤكد الكواكبي أنَّ : خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم بأسه, لأنَّ خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقه منهم, وخوفهم ناشىء عن جهل, وخوفه عن عجز حقيقي فيه, وخوفهم عن توهم التخاذل فقط, وخوفه على فقد حياته وسلطانه, وخوفهم على لقيمات من النبات وعلى وطن يألفون غيره في أيام, وخوفه على كل شىء تحت السماء ملكه, وخوفهم على حياة تعيسة فقط.

boulkea@yahoo.com