خالد فضل

 قرأت قبل أيام خبرا في إحدى الصحف المحلية التي تصدر في الخرطوم , عن نائب في البرلمان قال إنّه يستخدم المواصلات العامة للوصول إلى مقار برلمانه ويضطّر في سبيل ذلك لإستخدام أكثر من وسيلة مواصلات , بل يصل إلى مقر عمله بالقطاعي , فمعظم خطوط المواصلات قد تمّ تجزئتها إلى خطوط ومسافات أقصر لدرجة أنّ القادم من حي البراري (شرق قيادة القوات المسلحة مباشرة ) عليه أنْ يخضع لذات قاعدة التقسيم الجائر ,فالحافلات القادمة من داخل أحياء البراري ابتدعت محطّة أخيرة جديدة اسمها (الصينية) أي الدوّار المؤدي لكبري القوات المسلحة عبورا للنيل الأزرق إلى حي كوبر , ومن هناك على الراكب أن يستقل حافلة أخرى إلى وسط الخرطوم , وعلى ذلك قس بقية الخطوط التي تربط المدن والأحياء بوسط الخرطوم , أو فيما بينها  وكما سنرى لاحقا فإنّ عدوى التقسيم وواقع التجزئة قد فرض نفسه على كلّ أوجه الحياة السودانية ,فعندما يتباهى منظمو ما سُمّي بمؤتمر الحوار الوطني بأنّ ثمانين حزبا وثلاثين حركة مسلّحة قد شاركت في ذلك المهرجان , فإنّ ذلك لا يعني في الواقع شمول الحوار بقدر ما يعني شمول التقسيم والتجزئة , فما من جسم سليم اليوم في السودان يمكن الزعم بوحدته وتماسكه , ومن قبل ردّ أحد قيادات حزب السلطة على إتهامهم بتقسيم القوى السياسية بأنّ التقسيم بالنسبة لهم شئ طبيعي فحتى حزبهم قد قسّموه ! لقد قسّموا أقاليم السودان المعدودة إلى بضع عشرة ولاية  , وبهلوا الولايات إلى  ما لا يُحصى من المحليات , والمحليّات إلى آلاف الوحدات الإدارية وهكذا دواليك , بينما ظلّت السلطات الفعلية تزداد مركزة بتكريسها كُلّها في يد الرئيس , فبعد أنْ أعاد الدستور القومي الإنتقالي 2005م هيكلة السلطة , وتوزيعها إلى مستويات مختلفة ألغى البشيرالمواد الدستورية التي منحت المواطنين بعض الحقوق السياسية  وكتب دستوره الذي كرّس كلّ السلطات في يده بما في ذلك تعيين حكّام الولايات ورئيس القضاء , ومديري الجامعات , وغيرها من الوظائف العليا , وأخيرا من ضمن مقترحات مؤتمر حواره الآحادي المار ذكره خرجت توصية بإستحداث منصب  رئيس وزراء  حاز البشير حقّ تعيينه كذلك .

  بدأت يومي كالعادة طيلة أيام العمل بالخروج إلى الشارع مبكرا حتى أُحظى بمقعد أو (شمّاعة ) في الحافلات التي تعبر من بلدات أم ضوا بان والعيلفون وسوبا بشرق النيل الى وسط الخرطوم , في تلك الأوقات من ساعات الفجر , أحمل لبلادي سلامي _كما في حداء الجميل مظفّر النوّاب _ الساعة تجاور السادسة صباحا بتوقيت الخرطوم العجيب , أي الخامسة بحسب موقعها في خط الطول 30درجة شرق قرينتش , الثالثة صباحا بتوقيت قرينتش , تأمّل في هذا البكور الموغل في الليل ! تمرُّ حافلة فأخرى , المقاعد مشغولة وحتى السلّم يقف عليه اثنان أو ثلاثة أشخاص , عندما تعبرني الحافلة دون توقف أحوقل , ثمّ أسرح قليلا في تصوّر حال أولئك الركّاب , تُرى متى خرجوا من منازلهم ؟ لابدّ أنّهم يستيقظون عند منتصف الليل , ويخرجون بعده مباشرة حتى يجدوا حافلة تقلّهم إلى حيث معافرة صنوف العيش الضنك , وراء كًلّ راكب شجون وهموم , رسوم المدارس , حقّ الفطور , ثمن الدواء , تذكرة مقابلة الطبيب , السُكّر الشاي اللحم الخُضار حتى الموز لم يعد فاكهة الفقراء في السودان , الطالبات الجامعيات خطفت معافرة المواصلات نضارهن الشبابي , وأكملت الأزياء الإيرانية السوداء بقية المشهد التراجيدي , الرجال متجهمون , تمتدّ اللحى , في تلك الساعات الباكرة من الوقت الخرطومي , تُدير معظم الحافلات مؤشرات الراديو إلى الإذاعات العديدة المكررة , معظم الأحاديث والبرامج أدعية وخطب وعظ , عندما حًظيت بمقعد بعد وقوف قصير ,  كان الراديو ينطلق بلسان واعظ , موضوعه عن (القوي الأمين) , استوقفني قوله : إنّ الرسول (ص) , قد قال لأبي ذر الغفاري , إنّك لا تستحق التكليف بأي منصب لأنّك ضعيف , ولأنّ المسؤولية أمانة فإمّا أخذها بحقّها أو هي في الآخرة خًزي وندامة . ثمّ طفق المتحدّث يوضح أنّ أبا ذر من الصحابة المُقدّمين في الإسلام , وأنّ الرسول قد أثنى عليه كثيرا ولكنه ضعيف لا يقوى على تحمل الأمانة العامة . لم أفهم من حديث ذلك المتحدّث ما هو وجه الضعف عند أبي ذر , فالمأثور عنه مما يدرسه التلاميذ في المدارس أنّه صحابي قوي لا يتردد في قول الحق والإشارة إلى مواطن شبهات الفساد , وقصة نفيه في عهد عثمان بن عفّان الخليفة الثالث ترتبط بذلك الموقف , فقد قيل إنّه كان يتلو آية من القرآن فيها وعيد للذين يكنزون الذهب والفضة . ما الرسالة التي يريد أنْ يوصّلها ذاك الشيخ الواعظ عبر أثير إحدى إذاعات أم درمان ؟ فإذا كانت روايته لحديث الرسول عن أبي ذر صحيحة فإنّ ذلك يفتح الباب للسؤال عن معايير القوة والضعف لدى من يتحملون المسؤولية العامة , تُقرأ بلغة الوقت الراهن (الوظيفة العامة ) , وفي بلد كالسودان مرزؤ بحق بمفارقة أنّ الوظيفة العامة لا تخضع لمعيار الكفاءة والقدرة بقدر ما تخضع لمعيار الولاء السياسي والإنتماء التنظيمي لفئة الإسلام السياسي , ومما تضج به ساحات وسائط الإعلام من شبهات وتهم فساد واستغلال نفوذ تشمل طيف واسع ممن قُدّموا للوظيفة العامة بإعتبارهم (أقوياء أمناء ) , بل حتى المحاكم شهدت وتشهد الآن محاكمات لعدد من هولاء الأقوياء الأمناء الذين خانوا الأمانة وأفسدوا في الحياة العامة , وبعضهم طالته تُهم في شؤون خاصة , فإذا صحّ حديث ذلكم الشيخ عن ضعف أبي ذر الغفاري مما حدا بالنبي محمد(ص) لمنعه من أي منصب عام , تُرى أيبقى ضمن طاقم السلطة الجاثمة على صدورنا الآن من يستحق أنْ يكون في موقعه ؟ أو ليس جديرا بهذا الشيخ الواعظ وأقرانه أنْ يقولوا للناس الحقائق ويدلوا برأيهم صراحة في شأن تولي المسؤولية العامة إنْ كانوا فعلا جادين ومقتنعين بما يعظون به الناس كل صباح جديد , هل البشير مثلا كفء لتولي المسؤولية العامة في موقع الرئاسة ؟وعلى ذلك قس الولاة والمنسقين والمستشارين والمساعدين والوزراء والمعتمدين .. إلخ إلخ , انتهى حديث الشيخ , ولحسن الحظ أعقبته أغنية عذبة للبلابل , نوّر بيتنا شارع بيتنا يا الطليت الليلة وجيتنا , سرعان ما سرحت في تلك الأجواء وتلك الأيام , عندما كانت البلابل تصدح والمسارح تضجّ والجامعات منارات والمصانع والأندية والساحات والعصريات والأمسيات والصباحات الندية , يومها لم تؤول السلطة العامة لحميدتي وأقرانه من الجنجويد . ثمّ تفرّق جمعنا ذاك انسربنا كلٌّ إلى شأن يُلهيه والشمس لمّا تُشرق بعد , على ضو خيوط الفجر تلك جمعتنا مانشيتات صحف الصباح , هجرة أكثر من 4 آلاف أستاذ جامعي , وزارة الصحة تتوعد بحسم الأطباء المضربين , الإسهالات المائية تجتاح بعض مناطق ولاية الجزيرة , تعويم سعر الجنيه السوداني لشراء الدواء , مصرع بضعة أفراد بغرب دارفور , قيادي إسلامي يطالب بتعيين وزراء شيوعيين في الحكومة لنزاهتهم , مواصلة محاكمة قيادي إسلامي بتهم سوء استخدام المال العام , الداعشيون السودانيون أسبابهم آيدولوجية , ووووووووووووووووو البشير يتباهى بنقل السودانيين من بيوت الجالوص إلى إقتناء السيارات . تيييت تييييت !!!!!