خالد فضل

هل الفقر عار ؟ وهل التبرؤ من الفقراء واستفزازهم قيمة ايجابية ؟ وهل وهل , جملة أسئلة تخطر على بالي كلما قرأت أو سمعت مسؤولا من مسؤولي جماعة الإسلام السياسي يتحدّث عن الفقراء والمساكين , فقد نُسب إلى والي الخرطوم السابق قوله إنّ على الفقراء مغادرة الخرطوم إنْ لم يستطيعوا العيش فيها . وقال الوالي الأسبق د. المتعافي إنّه سيجعل الفراخ طعاما للفقراء ,وقبلها في صالة جريدة الصحافة قال قولته المشهورة بأنّه يُفضّل أنْ يكون وزراء حكومته من الأثرياء ورجال الأعمال حتى تكون عينهم مليانة ! بينما نُسب إلى د. مصطفى عثمان قوله إنّ السودانيين قبل الإنقاذ كانوا شحّادين , فيما أشار الحاج آدم يوسف عضو قيادة حزب المؤتمر الوطني في ولاية الخرطوم , نائب الرئيس السابق , إلى أنّ السوداني كان لا يمتلك قميصين اثنين , ولا يوجد كبريت في البيت بينما الآن الدواليب مكتظة بالقمصان ! وهو ذات المعنى الذي قصده الرئيس البشير في خطابه أمام مجلس شورى حزبه (أو شورى التجّار التي ترى عثمان خليفتها وتراك زعيم السوقية ) كما عبّر شعرا مظفّر النواب في خطابه لعلي الذي توضأ بالسيف قبيل الفجر , فالسودانيون الذين كانوا يقطنون بيوت الجالوص وصاروا يبنون العمائر ذات الطوابق منهم من تطوّرت أوضاعه تطوّرا طبعيا , ومنهم من نبت فجأة مدفوعا بالتنظيم وسلطته وللدكتور التجاني عبد القادر مقال منشور في هذا الصدد نشرته جريدة الصحافة في عام 2006م , أوضح فيه كيف أنّ مكتب التجار قد ابتلع تنظيمهم الإسلامي , وكيف صار الأثرياء منهم أثرياء , وتكمن أهمية كتابة د. تجاني من كونها صادرة عن عضو في التنظيم وملم بتاريخ أفراده وقياداته , وأذكر أنّ الأستاذ عبدالرحمن الزومة وكان ينشر زاوية صحفية في تلك الأيام قد ردّ على مقالات د. تجاني بتعييره وتذكيره بمن جاءوا إلى التنظيم ب(عراريق) حتى صاروا أعلاما . كما أنّ المرحوم يس عمر الإمام كان قد تبرأ من فساد الإسلاميين حد خجله من دعوة الناس في المسجد المجاور للإسلام أو دعوة أحفاده للإنضمام لتنظيمهم الإسلامي , فهل يحتاج المرء لفانوس ديجونيس ليرى كيف نبتت غابات الأسمنت ذات الطوابق لدى الفئة الثانية , فالفئة الأولى من الذين تدرّجت أوضاعهم تُمثّل أولئك الناس العاديين من مختلف الطبقات , تعلّم أبناؤهم في المادرس والجامعات الحكومية , وتخرجوا فيها , اشتغلوا في مهنهم , وهاجر جُلّهم إلى بلدان تُقدّر كفاءتهم وقدراتهم , بينما كانت آلة التنظيم الإسلامي تعمل عملها بقيادة المرحوم د. مجذوب الخليفة , وغندور ونافع وغيرهم من قيادات التنظيم تصنيفا بحسب الولاء , وكانت كشوفات الصالح العام التي مهرها سيادة العميد حينها _عمر البشير _ بتوقيعه الكريم , أين ذهب معظم أولئك الناس ؟ لقد تغيّرت أوضاع معظمهم نحو الأفضل , هم وأضرابهم من الكوادر الكفؤة التي لا محلّ لنزاهتها وقدراتها وسط كار الفاسدين الفاشلين من عصابة التنظيم , هولاء تحسّنت أوضاعهم فابتنوا البيوت لهم ولذويهم في العاصمة والولايات , لأنّهم ببساطة ينتمون إلى أهلهم ووطنهم ! أمّا طبقة الثراء السريع , فهم على غرار الدعم السريع , تدرجوا من فساد إلى فساد , ومن استبداد إلى طغيان, نظروا إلى الدولة وموارد البلاد وثرواتها كأسلاب وغنائم غنموها جراء تمكّنهم من دست السلطة , أداروا البلاد بعقلية من لا عقل له ولا كابح لغرائزه الشهوانية , فتراهم قد اكتنزوا المال , حازوا على كل منفذ متوقع للسلطة والتملّك والنفوذ , جيّروا كل شئ في البلاد لمصالحهم الخاصة , فكانت عائدات الثروات الطبيعية يتم التصرف فيها بجهالة وغشامة الجائع الذي وجد نفسه فجأة أمام مائدة عامرة بما لا عينه رأت ولا سمعت به منه أُذن . وكأنّ عجلة الحياة في أرض السودان ستتوقف عند الأجيال الراهنة , لا يبدو في الأفق مجرد تفكير في قادم الأجيال , فقد تصحّرت مناطق الغابات , نفد النفط والذهب , وتدمّرت بيئة المناطق الزراعية , واستوطنت الأمراض الفتّاكة كالسرطانات والفشل الكلوي , كلّ هذا يحدث في سودان اليوم , ولا يهمّ الرئيس ولا زًمرة المتحلقين حول صولجانه فترته يتباهى بما لا يُقنع أحدا مهما ضحلت قدراته وملكات ذوقه السليم , فهل هناك في السودان اليوم من يماري ويداهن سوى الكذبة والانتهازيين ؟

   إنّ معدلات الفقر والإفقار المتوالية لا تحتاج إلى ديوان زكاة يحصيها , طُف بذاكرتك فقط في أقاليم السودان وعاصمته لتعرف . ماذا يعمل سكان الجزيرة ؟ ومهنتهم الرئيسة لعقود ما قبل الإنقاذ هي الزراعة , أي زرع يزرعون الآن وأي حصاد ؟ أدر وجهك صوب دارفور الغنيّة وكردفان السخيّة النيل الأزرق وجبال النوبة هل ترى من أثر لمشروع حياة يتكسّب منه الناس هناك ؟ بل لا تنس الشمالية واسأل أهلها في مروي ذات السدود , وكجبار ودال لليوم الموعود والشرك وغيرها من خوازيق . أين ماكينات المصانع التي تدور في ربك وبابنوسة وكريمة والمناقل وبورتسودان والباقير ؟ أين اسطول القطارات وسكك حديد السودان وعطبرة بالصنفور , أين النقل النهري والبحري وسودانير التي كانت تطير لأقاصي الدنيا حلّا وترحال ؟ أين الجامعة منار والنادي والأستاد والسينما والمسرح أبو الفنون ومعارض التخريخ بكليّة الفنون , وداخليات الطلبة ما قبل الصندوق , أين نقطة الغيار والشفخانة ودكان التعاون , والمدرسة بالنشاط الدفّاق وتفتُح المواهب وابداعات الدورة المدرسية ؟ أين المدن وما الأرياف ؟ أو ليس كل هذا قد أهدره عهد الكيزان المشؤوم فماذا يرجون سوى الغضب الفوّار والثورة العاتية التي لا تُبقي ولا تذر مهما كانت التضحيات , كم سيقتلون من الفقراء ؟ من هم الذين سيتولون مهمة قتل الناس ؟ الجنجويد نظير القروش ؟ الأمن نظير الامتيازات ؟ الدفاع الشعبي مقابل الشريعة , الأمن الشعبي فداء من ؟؟ أمّا الجنود في الشرطة والجيش , ضباط الصف ومن في قلبه ذرة انتماء للناس من أبناء المسحوقين فلا أعتقد أنّ هناك دافع واحد يجعلهم يصوبون رصاصة لصدر أحد من شعبهم , وإنّ غدا لناظره لقريب دون شك دون شك .