عادل العفيف مختار

لم يدهشني بيت شعر في بلاغته كما ادهشني ود الرضي في بيت شعر لاغنية شهيرة يقول فيها ” أقيس الليل بشعره وألقي الفرق شاسع”. وذلك لسببين الأول هو خلط الفصحي بالعامية الدارجة بادخال مفردة “شاسع”. والثاني هو الإستخدام العكسي للتشبيه بحيث أصبح المشبه هو المشبه به، فهو لم يشبه سواد الشعر بسواد الليل كما درج الشعراء وانما شبه الليل نفسه  بسواد الشعر. فالمعيار هنا الذي يقاس عليه هو الشعر الاسود وليس الليل. وإنما شبه  الليل  بشدة سواد الشعر ومع ذلك فقد وجد الفرق شاسع.

هذا الفرق الشاسع هو الذي بين لواءين شاءت الأقدار وتصاريفها وسخريتها أن يجتمعان في مهنة واحدة. قديما قيل أن الأشياء تعرف بضدها. هذه المقارنة غير المتكافئة سوف توضح لك عزيزي القاري الفرق الشاسع أيضا بين قوات مسلحة منظمة لها مهنية عالية وإنضباط ، تقوم علي العلوم العصرية الحديثة، وبين قوات فوضوية غير مؤهلة جاهلة، لا تلتزم بزي موحد يقودها مأفون جاهل ممعن في الجهل.

القائد العسكري السعودي اللواء أحمد عسيري هو لواء ركن طيار والأول علي دفعته، درس في كلية سان سير الفرنسية والتي أسسها القائد نابليون في العام 1802، وهي الأقدم والأكثر عراقة، شعار هذه الكلية هو ” يتعلمون للنصر”. حصل اللواء عسيري علي درجة الماجستير في العلوم العسكرية. وماجستير آخر في دراسة العلوم الإستراتيجية من فرنسا. وماجستير ثالث في دراسات الدفاع الوطني من نفس الدولة. هذا عدا شهادات البكالوريوس في التاريخ من السوربون، وبكالوريوس في العلاقات الدولية في ذات الفترة التي تزامنت مع دراسته الأصلية العسكرية. بالإضافة إلي دراسات في كليات أخري شهيرة مثل سانت هيرس في بريطانيا وويست بوينت في أمريكا. حصل عسيري علي ميدالية تحرير الكويت ونوط الإبتكار والميدالية الذهبية للدفاع الوطني الفرنسية، ووسام استحقاق من درجة فارس من المغرب ووسام آخر من درجة فارس من جمهورية النيجر. ووسام الأسد الوطني من السنغال.

تم اختيار القائد السعودي كمتحدث رسمي باسم وزارة الدفاع نظرا لما يتمتع به من شخصية هادئة وواثقة مطمئنة، ( قارن بين هذه اللباقة وحديث المجمجة). حيث أنه له مقدرة مذهلة علي الإجابة لكافة التساؤلات باسلوب راق لبق، فالرجل يتمتع بذكاء خارق وسرعة بديهة، ليس هذا فحسب بل يتميز بقدرته علي التحدث بعدة لغات مما ساعده علي التواصل المباشر مع كآفة شبكات وإذاعات وتلفزيونات العالم.

المؤهلات أعلاه لقادة جيوش تحترم نفسها وتتخذ العلم والتحصيل والتأهيل هو المعيار لاختيار القادة، ومن ثم تقدمهم للعالم بكل فخر، اللواء عسيري رجل يجبرك علي احترامه وإحترام دولته وهو واجهة تقول لك باختصار شديد أن الجيش السعودي لا يتقدمه أقزام وأن المعيار هو التسلح بالعلم.

قلت في مقال سابق أن اللواء حميدتي هو عار علي القوات المسلحة السودانية، فقد نقبت في سيرته وتاريخه العسكري فلم يخيب ظني به. الذي دعاني إلي ذلك شيئين غريبين ولا تلفت الأنظار إلا الغرائب. لفت نظري زيه العسكري غير المهندم الذي لايمت للإنضباط العسكري البتة، اذ أنه يرتدي زيا كان قديما يعتبر من العلامات المميزة لقوات النخبة في القوات المسلحة وهي قوات الصاعقة والذي أصبح اليوم مشاعا للسابلة. لم يكن الزي ملفتا بقدر ما كان أكثر إلفاتا منه العمامة التي وضعها فوق رأسه، وذلك لأن القوات المسلحة عرفت في كل عهودها بإلتزامها الصارم بإشارات وعلامات الفرق والوحدات المختلفة، إذ أن القوات المحمولة جوا عرفت بعلامة الكاب أو البوريه ذو اللون البني، والحال كذلك للشرطة العسكرية إذ إشتهرت بالكاب الأحمر والحزام الأبيض، والأمر نفسه ينطبق علي الوحدات الأخري. لكننا لم نشهد عمامة الطوارق هذه علي رأس قائد برتبة “لواء” “ركن” إلا في عهد الغيبوبة العسكرية هذا. كما لفت نظري وأدهش سمعي معا هو اللغة التي كان يخاطب بها جمع من الناس، ولغة الفرد كما تعلمون هي مقياس رسم دقيق وصارم لثقافته وعلمه. فالإمام الأعظم أبا حنيفة أحترم مظهر ضيفه المهيب وهو يزهو في ثياب ناصعة البياض ظانا أن بداخلها عالم، فأنكشف المستور بمجرد أن فتح الضيف فاهه بسؤال يجعل وحيد القرن مزهوا أنه ليس الغبي الوحيد في هذا الكون. ولكن اللواء حميدتي مظهره يخبر عن جوهره. فالرجل تحدث ساعتها حديث “المجمجة” ” والنقعة والذخيرة التي توري وشها” و ” مافي ود مره يفك لسانو”…….هذه اللغة السوقية تنبئ عن  كمية وكثافة الظلام الذي يلف عقل قائلها. لغة لا تؤهله أن يكون جنديا بلا رتبة دعك من قائد عظيم برتبة لواء ركن. والركن هذا يستحق منا وقفة إذ أنه هو العلامة الحمراء علي ياقة قميصه يستحقها من تحصل علي درجة الماجستيرأو الاستاذية كما كان يفضل أن يطلق عليها هذا الإسم استاذنا البروفسور عبدالله الطيب والتي في التطور الطبيعي تمنح لمن حصل علي الإبتدائية ثم المتوسطة ثم الثانوية ومن بعدها الكلية الحربية، ويؤهل لها في العادة بعد رتبة الرائد لكي يدرس ماجستير العلوم العسكرية. فأين قائد الجنجويد من كل ذلك؟ عندما سئل عن دراسته اجاب انه درس الخلوة بعد الإبتدائية ولعلمي المتواضع بشأن الخلاوي أنها لا تمنح درجة الماجستير في فنون واستراتيجيات القتال والتكتيك.

ثم يواصل قائد الجنجويد ساردا سيرته الشخصية فهو حسب إفادته لم يتلقي تعليميا نظاميا قائلا” درست الإبتدائية ثم انتقلت إلي جنوب دارفور وهناك تلقيت تعليمي بالخلاوي”- يبدو ان كل شي معكوس في سودان الغيبوبة فالخلاوي تسبق التعليم الابتدائي لا العكس. ثم يسترسل بالقول ” كنت أعمل تاجرا ثم توسعت تجارتي عبر الحدود ، كنت اتاجر بالمواشي”، ثم يذهب شارحا كلمة جنجويد قائلا ” أتدري ماذا تعني كلمة جنجويد في عاميتنا؟ تعني حرامي”….. إنتهي كلام اللواء الركن خريج الإبتدائي والخلاوي.

إن الذل والخنوع الذي وصل إليه قادة القوات المسلحة السودانية، بلغ مبلغا جعل قائد الفرقة 19 مشاة بالولاية الشمالية عادل حسن حميدة يستقبل اللواء حميدتي علي مشارف المدينة. وعادل حميدة هذا لو كانت به ذرة من كرامة بقيت من ارث القوات المسلحة لما رضي أن يحمل نفس الرتبة التي يحملها من لم يؤهل لها. لكنه الهوان وإستصغار النفس وإحتقارها. لقد بلغ الهوان بقوات الجيش السوداني مبلغا جعل الجنجويد يجلدون ضابطا عظيما برتبة العقيد بالسياط أمام جنوده الذين لم يحركوا ساكنا وقائدهم يذل أمامهم، هذه هي نوعية الضباط الذين تريدهم الإنقاذ، ضباط خانعون مرتجفون لا يرفعون سلاحهم إلا عندما يستديرون إلي الوراء، فيقتلون شعبهم الأعزل.

نستطيع القول أن هذه القوات المتفلتة كانت تمارس النهب المسلح بقوة السلاح. ولما تعاظمت قوتها في ظل غياب سلطة الدولة، إستخدمتها الحكومة لإرهاب المواطنين وقتلهم، فهم من قتلوا شهداء سبتمبر. هؤلاء الهمج يدركون تماما أنهم لا يصمدون إلا أمام العدو الأعزل، وإلا ودونهم وعلي بعد كيلومترات تقع حلايب في قبضة من لا يجرأون علي مجابهته، وليس ببعيدة عنهم تقبع الفشقة في إحتلال كامل في يد قوات يولون الأدبار إن حان ضرابها

أرأيت  كم كان شاعرنا ود الرضي مبدعا في رسم الفروقات التي  وصف البون بينها بالشاسع ،وأنا هنا أدعوك تأسيا بود الرضي،  أن تري الفروقات الشاسعة  بين من درس العلوم العسكرية في عاصمة النور وبين من لم يدرس شيئا، ولم يتعلم شيئا، ومع ذلك لم ينس شيئا..

 

aafifi@mcst.edu.sa

adilafifi@hotmail.com