نبيل أديب

من المتفق عليه الآن فى المجتمعات الصناعية أن الإضراب هو حق يجب ان تعترف به القوانين المنظمة للعمل فى كل الدول. وهذا فى حد ذاته يوضح التطور الهائل الذى شهدته قوانين العمل، والتي كانت بدءً من النصف الثانى للقرن العشرين حتى خواتيم القرن التاسع عشر تعتبر الإضراب عملاً إجرامياً يجب أن يواجه بأقسى عقوبة. كان ذلك التطور نتيجة لنضال دؤوب ومرير، أثمر عن هذا الكم الهائل من المواثيق والعهود الخاصة بحقوق الإنسان السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية. بالنسبة للوضع فى السودان فرغم تخلفنا عن ما تم فى العالم بالنسبة لحق الإضراب، إلا أن المراقب يلحظ تطوراً محدوداً فى تعامل القانون مع الإضراب، فقد كان حكم القانون أول الأمر في أيام الحكم بالمراسيم هو العقاب على الإضراب بالإعدام ولكنه الآن أقل من من ذلك بكثير فقد حل الفصل كعقوبة بدلاً عن الإعدام.

الإضراب هو اكثر المسائل تعقيداً بالنسبة لقوانين العمل، فالإضراب هو توقف العاملين عن عمل فى عقد يلزمهم بأدائه، وهو بهذا المفهوم يشكل خرقاً لعقد يتمسكون به. و الإضراب عندما يصيب المؤسسات الصناعية الكبرى يصبح مهدداً للإقتصاد، كما وانه يحمل تاريخاً ثورياً مازالت البورجوازية الصناعية ترتعد لمجرد التفكير فيه.  ومع ذلك كله فإن الإضراب ضرورى من أجل السلام الإجتماعي، لأن علاقة العمل هى علاقة لا تتوفر فيها الإرادة الحرة للطرفين، فالعامل تنتقص من حرية إرادته حاجته للعمل ليسد رمقه ورمق من يعتمدون عليه، مما يعنى أن الإضراب هو الآلية المتاحة لرفع قدرة العامل فى محاولة لإعادة توازن بين كفتين غير متوازنتين. إذا لم يكن هنالك حق فى الاضراب فإن البديل سيكون الفوضى، عندما يعمد العاملون لإحتلال المصانع، وإستخدام العنف بحثا عن حقوقهم. أو الإنكماش الاقتصادي عندما يفرض أصحاب العمل على العاملين أجوراً متدنية تؤدى إلى إنكماش الطلب على المنتجات، فتسبب الكساد الإقتصادى . لذلك فقد كان قبول الحق فى الإضراب يمثل ضرورة إقتصادية وإجتماعية وأول وثيقة دولية إعترفت صراحة بالحق فى الإضراب ــ فيما نعلم ــ هى العهد الدولى الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية لعام 1966 فى المادة 8 (1) د. والتي جعلتها المادة 27 3 جزء لا يتجزء من وثيقة الحقوق في دستورنا ولكن القوانين التي تشير المادة تحكمها حدود الحق في التنظيم الذي لا يجوز مصادرته ةلا الإنتقاص منه وفقا للفقرة 4 من المادة 27 من الدستور.

حدود الحق في الإضراب يحدده المستوى الدولي حسبما تعبر عنه منظمة العمل الدولية

منظمة العمل الدولية

لا يمكن الحديث عن قوانين العمل فى العالم دون التطرق لمنظمة العمل الدولية التى حملت العبء الأكبر فى تطويرها. وهى وكالة دولية تكونت فى عام 1919 عقب الحرب العالمية الاولى، ولكنها أصبحت أول وكالة دولية متخصصة تابعة للامم المتحدة عام 1946. تقوم المنظمة بصياغة عهود دولية، وتوصيات تشتمل على الحد الأدنى الذى يجب توفره فى القوانين الوطنية المختلفة، بغرض صيانة حقوق العاملين، وحرية التجمع، وإلغاء العمل القسرى، والمساواة فى الفرص والمعاملة، والضمانات الأخرى المتعلقة بعلاقات بالعمل. تعمل منظمة العمل الدولية من خلال ثلاثة هيئات، الاولى مؤتمر العمل الدولى والذى يعقد فى شهر يونيو من كل عام، والذى تُمّثل فيه كل الدول الأعضاء بأربعة أعضاء، يمثل عضوان منهما الحكومة، ويمثل عضو العمال وعضو أصحاب العمل، ويصوت كل منهم على إستقلال دون التقيد بطريقة تصويت الاعضاء الآخرين. فى حالة عدم تعيين أحد المندوبين غير الحكوميين بواسطة أى دولة، يجوز للمندوب غير الحكومى الثانى أن يحضر الإجتماع ويناقش، ولكن لايجوز له أن يصوت. والهيئة الحاكمة أو المجلس التنفيذي والذى يجتمع ثلاث مرات سنويا فى جنيف، ويضع سياسات المنظمة، وينتخب سكرتيرها العام. ومكتب العمل الدولي ويمثل السكرتارية الدائمة للمنظمة . اللجنتان المختصتان عادة بفحص المسائل المتعلقة بالشكاوى حول معالجة الدول لمسائل النزاعات العمالية، هما اللجنة الخاصة بحرية التجمع، ولجنة الخبراء. و تعمل اللجنتان سوياً وفى إنسجام وتعاون تام، والمبادئ الصادرة من أيا منهما مقبولة بشكل عام من الأخرى، ولم يتم تحدى أى من قرارتها لدى محكمة العدل الدولية كما يقضى بذلك النظام الاساسي لمنظمة العمل الدولية إذ أن قرارات هيئة الخبراء والمجلس الخاص بحرية التجمع تحظى بقبول دولى عام.

حق الإضراب ومنظمة العمل الدولية

تبنت لجنة حرية التجمع فى بواكير إيامها، وفى إجتماعها الثانى فى عام 1952 حق الإضراب. كما و تضمن القرار المتعلق بإلغاء التشريعات المضادة للنقابات فى الدول الأعضاء لعام 1957 دعوة لتبنى قوانين تسمح بالممارسة الفعالة للحقوق النقابية، بما فى ذلك الحق فى الإضراب بواسطة العمال . كذلك فقد دعا القرار المتعلق بحقوق النقابات وصلتها بالحقوق المدنية لعام 1970 السكرتير العام لإتخاذ الاجراءات الكفيلة بتأكيد الإحترام الكامل والعام لحقوق النقابات بأشمل المعاني، بما في ذلك الحق فى الإضراب . بالنسبة للجنة الخبراء فإن حق الإضراب لا ينفصل عن الحق فى حرية التجمع المحمى بالمعاهدة رقم 87، ووفقا لذلك فإنه لا يجوز منعه كما لا يجوز السماح به فقط فى ظروف إستثنائية . الإتفاقية رقم 87 والتى إنعقدت بمبادرة من منظمة العمل الدولية تبنت حق منظمات العمال فى الدفاع عن مصالح العمال المتصلة بعملهم، وهذا يعنى أن لتلك المنظمات الحق فى أن تفاوض أصحاب العمل وأن تبدى رأيها فى المسائل الإقتصادية والإجتماعية التى تؤثر على مصالح عضويتهم المتصلة بعملهم Occupational Interest ولذلك فقد رأى مجلس الخبراء أن حق الإضراب هو حق لصيق بحق المنظمات العمالية فى الدفاع عن مصالحها.

 

لإضراب السياسى والإضراب الإحتجاجى

لم تُعرِّف الهيئات الإستشارية لمنظمة العمل الدولية الإضراب، ولكنها إعترفت ببعض أنواع الإضراب، والتى لا تقتصر على التوقف عن العمل، منها إحتلال موقع العمل وتبطئة العمل، وقد قبلت لجنة حرية التجمع هذه الأنواع من الإضرابات بإعتبارها إضرابات مشروعة طالما أنها سلمية .

بالنسبة للغرض من الإضراب فقد إعتمدت لجنة الخبراء على المادة العاشرة من الاتفاقية رقم 87، والتى تُعرِّف منظمات العمال بتلك المنظمات التى تهدف لتطوير مصالح العمال والدفاع عنها. ولذلك فإن الهدف من الإضراب لابد أن يتسق مع الهدف من تكوين المنظمة نفسها ، ويعنى ذلك أن الإضراب الذى يجوز لمنظمات العمال الدعوة له، هو الإضراب الذى يهدف للدفاع عن حقوق عضويتهم المتصلة بشروط خدمتهم، ولكن الإضراب الذى يرمى لتحقيق أهداف سياسية بحتة لا صلة لها بشروط خدمة عضوية منظمة العاملين يظل خارج نطاق حق الإضراب المعترف به. ولكن يلزم هنا التفرقة بين الإضراب السياسى الذى يخرج عن نطاق الحق فى الإضراب، والإضراب الإحتجاجى الذى يدخل فى صميم عمل المنظمات العمالية والذى يجوز لها بالتالى الدعوة له. فمصالح عضوية منظمات العاملين المتصلة بظروفها المعيشية لا تنحصر فى شروط خدمتها فحسب، لأن السياسات الإجتماعية والإقتصادية للحكومة تؤثر مباشرة على ظروف عضوية التنظيم العمالي، إذ أن السياسات الإقتصادية العامة كرفع الضرائب المباشرة وغير المباشرة تؤثر سلبا على المستوى المعيشي للعاملين، وهو الأمر الذى بستحيل معه إقصاء تلك السياسات عن دائرة إهتمام المنظمات العمالية . لذلك فلا يجوز حصر أهداف منظمات العاملين فى المسائل المتعلقة بشروط خدمة عضويتها فحسب، إذ يتوجب عليها أن تبحث عن حلول للمشاكل التى تتسبب فيها السياسات الإقتصادية والإجتماعية العامة، ولا يجوز فى هذه الحالة أن تُمنع المنظمات العمالية من الدفاع عن مصالح عضويتها والا فقدت فاعليتها. تبعاً لذلك فقد قررت اللجنة المختصة بحرية التجمع أن المنظمات التى تهدف للدفاع عن مصالح العمال الإجتماعية والاقتصادية والمتعلقة بظروف عملهم، يجب من حيث المبدأ أن تكون قادرة على إستخدام سلاح الإضراب لتحقيق حلول لصعوبات سببتها إتجاهات رئيسية لسياسات إجتماعية وإقتصادية لها اثر مباشر على عضويتها، وعلى العمال بصفة عامة، فيما يتعلق بالعمالة والحماية الإجتماعية ومستوى المعيشة . وقررت أيضاً أنه فى بعض الأحيان يكون من الصعب التفرقه بين المسائل السياسية، والمسائل المتعلقة بشروط العمل، ولكن من المؤكد أن حق الإضراب لا يجب أن يقتصر فقط على حالة النزاعات الصناعية التى يمكن حلها بلجان الوساطة والتحكيم، فهناك سياسات عامة تؤثر على الحاله المعيشية لعضوية المنظمة بشكل أقسى من قرارات أصحاب العمل. لذلك فقد قررت اللجنة المختصة بحرية التجمع أن إعلانا عاماً بعدم مشروعية إضراب عام للإحتجاج على النتائج الإجتماعية والمعاشية على العمال نتيجة لسياسة الحكومة ومنع ذلك الإضراب، يشكل خرقاً خطيراً للحق فى حرية التجمع، على أنه يجب أن يقتصر الاضراب على الإحتجاج ولا يتعداه للإخلال بالسلام . وقد ذكرت لجنة حرية التجمع فى مرات عديدة أن الإضرابات العامة على المستوى القومى تكون مشروعة طالما أن لديها أهداف إقتصادية وإجتماعية، وليست سياسية فحسب. تطبيقاً لذلك فقد قررت اللجنة أن إضراب مدته 24 ساعة بهدف زيادة الحد الأدنى للأجور، والدعوة لتغيير سياسة إقتصادية معينة لتخفيض الأسعار والعطالة، هو إضراب مشروع ويدخل ضمن النشاط العادى لمنظمات العمل. وكذلك الإضراب إحتجاجاً على مقتل قيادات عمالية هو إضراب مشروع .فى حالة الإضراب الذى تكون أهدافه المطالبة بأهداف سياسية وأخرى متعلقة بظروف العمال المعيشية، رأت اللجنة أن الإضراب يكون مشروعاً طالما أن المطالبات المتعلقة بحالة العمال المعيشية ليست مجرد مطالبات صورية قصد منها تغطية الأهداف السياسية للاضراب.لا بد لنا هنا من أن نشير إلى أنه رغم أن المستوى المقبول عالمياً لمشروعية الإضراب لا يقبل حتى الآن الإضراب السياسى ، إلا أن الإضراب السياسى العام والناجح ينتزع مشروعيته لنفسه فمن منا يحفل بمشروعية الإضراب السياسى العام فى أكتوبر 64 أو أبريل 85 ؟.

الإضراب تعاطفاً

أدى تكوين الإتحادات التى تضم نقابات مختلفة إلى أن لا تقتصر إهتمامات النقابة على مشاكل عضويتها، خاصة حينما يكون النزاع فى طبيعته قابل للإنتقال من مؤسسة لأخرى، مثل تخفيض العمالة فى مؤسسة معينة كنتيجة لحالة إقتصادية عامة، لأن من شأن هذه الإجراءات أن تنتقل من مؤسسة لأخرى. لذلك فقد عرف العالم الصناعى الإضراب التعاطفى عندما يضرب العمال تأييداً لإضراب آخر كما عرفته لجنة الخبراء عام 1983 حين قررت أن المنع العام للإضراب تعاطفاً مع إضراب آخر، قد يؤدى للاخلال بالحق فى الإضراب لتشابك مصالح العاملين، وبالتالى فلا بد من إعتبار الإضراب تعاطفاً مع إضراب آخر مشروعاً طالما أن الإضراب الأول مشروع. وقد قررت لجنة حرية التجمع فى عام 87 فى قرار متعلق بالاضراب المتعاطف أن تنظيم ذلك الإضراب بوضع قواعد له قد لا يكون فى حد ذاته غير صحيح، ولكن منع الإضراب العام تعاطفاً مع إضراب معين، أو تحديد لمدة زمنية لا يجوز له تجاوزها، أو تحديد عدد مرات اللجوء إليه، يشكل عقبة خطيرة فى ممارسة الحق فيه وبالتالي فإنه غير مشروع.

الموظفون العموميون والإضراب

القانون الوطنى يستقل بتنظيم حق الإضراب بالنسبة للقوات المسلحة والشرطة، وفقا للإتفاقية رقم 87، وبالتالي قد رفضت لجنة حرية التجمع التدخل فى أى إعتراض يختص بما ينظمه القانون الوطنى فى هذا الخصوص بإعتبارها غير مختصة بفحص ذلك.

الموظف العام وحق الإضراب

 بالنسبة للموظفين العموميين فإن المناقشات العامة التى قادت للاتفاق على نصوص الإتفاقية رقم 87 توضح أن الرأى السائد لدى المشاركين هو أن النص على حق الموظفين العموميين فى التجمع لا يمنحهم مسبقا، وبشكل تلقائى الحق فى الإضراب. وقد رأت لجنة حرية التجمع فى إتفاق مع لجنة الخبراء أنه فى الحالات التى لا يتمتع فيها الموظفون العموميون بالحق فى الإضراب، فإنه يجب أن يتمتعوا بضمانات كافية لحماية مصالحهم، بما فى ذلك إجراءات للتوفيق والتحكيم مناسبة وغير متحيزة، وسريعة، تضمن لجميع الأطراف المشاركة فى كل مراحلها. وتضمن أن تكون قرارات التحكيم ملزمة للطرفين، وأن يتم التنفيذ الفورى لها. وقد رأت الهيئات الإستشارية لمنظمة العمل الدولية أن مفهوم الموظف العام يختلف من دولة لاخرى، ولذلك فقد رأت لجنة الخبراء ولجنة حرية التجمع أن مفهوم الموظف العام فيما يتعلق بحظر الحق فى الإضراب، يجب أن يقتصر على الموظف العام الذى يمارس سلطة الدولة نيابة عنها. وبالتالي فإن تعريف القانون الوطنى للموظف العام، لا يحدد مفهوم الموظف العام بالنسبة لحظر الإضراب، إلا لو تطابق مع المستوى الدولي، والذي يتصل بطبيعة عمل الموظف العام . وقد قررت لجنة حرية التجمع أن بعض فئات الموظفين لا يمارسون سلطات عامة بإسم الدولة، مثل الموظفين فى مشاريع إقتصادية، أو تجارية تمتلكها الدولة، أو الذين يعملون فى خدمات التعليم. وقد رأت لجنة التجمع السلمي أن هنالك صعوبة فى تحديد صفة الموظف العام بشكل قاطع من أجل الإضراب، لأن بعض فئات الموظفين لا يتحدد عملهم بشكل قاطع ضمن تلك الفئة أو الاخرى، وإن مسألة ممارستهم لسلطة الدولة نيابة عنها قد يتصل بجزء من عملهم دون الآخر، لذلك فقد قررت أنه قد يكون من الأوفق بدلاً من حظر الإضراب كليا إلزام المضربين بالإستمرار فى تقديم حد أدنى من الخدمة يقوم به عدد من الموظفين المضربين، فى الحالات التى يؤدى إنقطاع الخدمة إلى نتائج وخيمة بالنسبة للجمهور.

العاملون فى الخدمات الضرورية

وبالبنسبة للخدمات الضرورية بالمعنى الحرفى للتعبير، فإن مفهومها قد تطور عبر التجارب المختلفة لدى المجلسين الإستشاريين للمنظمة ففى عام 1983 عرّفت لجنة الخبراء تلك الخدمات، بأنها تلك التى يؤدى إنقطاعها الى تعريض الحياة، أو الأمان الشخصى، او الصحة لكل أو جزء من المجتمع للخطر، وهو تعريف تبنته فيما بعد لجنة حرية التجمع. والواضح أن الخدمات الضرورية بالمعنى الضيق للتعبير تعتمد بدرجة كبيرة على الظروف المحددة السائدة فى المجتمع، وبعض الخدمات التى قد لا تكون ضرورية قد تصبح ضرورية بسبب تجاوز الإضراب لزمن معين، أو نطاق معين، بحيث يعرض الحياة أو الأمان الشخصى أو الصحة العامة للخطر . وقد حددت لجنة حرية التجمع الخدمات التالية بإعتبارها خدمات ضرورية يمكن للدولة أن تقيدها بقيود رئيسية، وهى قطاع المستشفيات، والكهرباء، وإمدادات المياه وخدمات التلفون ،ومراقبة الحركة الجوية. ولكن لجنة الخبراء قد عادت ومعها لجنة حرية التجمع فقررتا أنه من الصعوبة بمكان تحديد الخدمات الضرورية بالمعنى المقيد للتعبير بشكل قاطع، ولذلك فإنه من اللازم أن ينظر لكل حالة على حدة فى ظروف القطر المعين، ففى حين لا يشكل إضراب عمال الشحن والتفريغ فى الميناء خطراً على الحياة أو الصحة العامة فى الظروف العادية، فإن إضرابهم فى ميناء وحيد لبلد لا صلة له بالخارج غيره لمدى طويل قد يؤدى لذلك. بسبب ذلك كله فإنه يجوز للدولة بالنسبة للخدمات الضرورية بالمعنى الضيق للتعبير أن تقيد حق الإضراب تقييداً رئيسياً أو حتى تحظره بالكامل بشرط أن توفر مقابل ذلك مزايا و آلية ناجزة ومحايدة لحل النزاع، كما ذكرت لجنة حرية التجمع، وهو نفس ما توصلت إليه لجنة الخبراء. كما يجب عليها أيضاً قبول الإضراب التعاطفي، وذلك بأن يضرب عمال فى قطاع آخر تأييداً للعاملين فى مجال الخدمة الضرورية بالمعنى الضيق للتعبير . من الجهة الأخرى فإن التقييد فى حالة عدم توفير كل ذلك، يكون فقط بضمان أن لا يكون الإضراب من شأنه قطع الخدمة  نهائياً ،وذلك بإلزام المضربين بتقديم خدمات محدودة تمنع الخطر على الحياة والصحة العامة.

لما كان النطاق يضيق عما يزيد عن ذلك نتوقف هنا ونرجو أن نتناول المسائل الأخرى المتعلقة بهذا الحق الهام فى المقال القادم.