صلاح شعيب

أسباب الفوز المفاجئ الذي حققه دونالد ترامب ثم صدم العالم جميعه، كثيرة، ومعقدة، ومبررة. أول ما كشفه الفوز هو فشل الإستراتيجيين في السياسة الداخلية الأميركية، وأصحاب الخبرة الحزبية، والإعلام التقليدي، والمراكز البحثية، ومؤسسات قياس الرأي العام، في فهم الدينامية الغريبة الأطوار لهذه الانتخابات. فمؤسسات إعلامية راسخة، وفاعلة، مثل الواشنطن بوست، والنيويورك تايمز، وفضائية “CNN”، تلقت ضربة موجعة بمباركتها ترشيح كلينتون للرئاسة، وتحيزها الواضح لها. وقد اتضح لاحقا أن تلك المباركة لم تكن مبنية على أرضيات صلبة من التحليل، والغوص في معرفة رغبات الناخبين، وتضخيم التفاؤل بشعبية هيلاري كلينتون.

ومن ناحية ثانية مثل فوز ترامب نهاية مرحلة الإعلام التقليدي الذي كان يتحكم تاريخيا في دعم المرشحين للرئاسة، والكونغرس، وبالتالي غدت الميديا الجديدة الوارثة الشرعية لتأثير هذا الإعلام السريع الانتشار. وهذا ما قد يرسل مؤشرات انتباه، خصوصا للمنطقة العربية والإسلامية بأن هناك تحولا كبيرا في طبيعة فهوم الأجيال الجديدة من الشعوب بعد امتلاكها أدوات تواصل، ومعرفة، وإعلام حرة.
في انتخابات 2008 التي فاز بها باراك أوباما لم يكن العرق بالنسبة للأغلبية البيضاء موضوعا يذكر، بل إنها رأت في أوباما وجها، أو قاسما، مشتركا للقوميتين اللتين تتساكنان في القطر، وتوطينا لقيم أميركية جديدة من التسامح، وإظهارا لقدرة الولايات المتحدة على إنجاز بعض التسوية النبيلة مع ماضيها الاسترقاقي. ولكن في انتخابات هذا العام كان صوت البيض القاطنين في الولايات الوسطى، والأرياف، قد أصبح مسموعا. ولكن العرق، رغم فاعليته ساعتئذ، لم يكن عاملا وحيدا ـ كما يتبادر من الوهلة الأولى ـ في فوز البليونير ترامب، وهو الذي اعتمد على إستراتيجية شعوبية لمغازلة عقول وضمائر قوميته التي ظن أنها مهددة بالإرهاب، وتزايد الهجرة، والتنافس الشرس في سوق العمل.
الحقيقة أن نتائج أي انتخابات ديموقراطية دائما معقدة، ويصعب فهم السبب الأول المؤثر فيها لسنين طويلة. فأوباما فاز بتضافر عوامل عدة، منها إلهامه الكاريزمي، وكذا الحيوية النوعية التي أضفاها على الملعب السياسي الأميركي، والعالمي، وقدرته الخطابية، ووقوف عرقيته بكثافة وراءه، وتحالفه مع القطاعات المؤثرة مثل النقابات، والطبقة المستنيرة، وطلبة الجامعات، واليساريين، والمثليين، والعرب، والمسلمين، والهسبانيك. وربما في التحليل الثاني لفشل كلينتون قد نفهم مسببات فوز ترامب.

ولكن كلينتون أيضا تضافرت عوامل كثيرة أدت لهزيمتها، منها دور المؤثرين في مكتب التحقيقات الفيدرالي الـ”FBI”، والذين تدخلوا كعنصر فاعل لتغيير مناخ الأيام الأخيرة للحملتين. إنهم سعوا إلى إعادة تجديد الاتهام لكلينتون حول رسائلها البريدية من خلال مدير المكتب جيمس كومي. وقد رفع ذلك التدخل أسهم ترامب، بعد أن اضمحلت فرصه في قياس الرأي العام بعد فضيحة حديثه المثير للاشمئزاز عن النساء.
أما ما أضر كلينتون أكثر فهو موضوع مقتل السفير الأمريكي اختناقا في طرابلس، جي كريستوفر وثلاثة أميركين آخرين في أحداث بنغازي، والتي استغلها الجمهوريون لضرب كلينتون حتى قبل بدء حملتها. وكذلك أضرت بها، بقدر كبير، قضية الرسائل البريدية الرسمية التي وظفت فيه هاتفها الشخصي. فضلا عن ذلك عدم تكثيف مجهوداتها الانتخابية في ولايات حسبت أنها مضمونة مثل ولايتي فلادلفيا، ووويستكونسون، واللتين حقق فيهما أوباما حينذاك نصرا ساحقا على جون مكين. كلينتون أيضا من خلال موقعها في وزارة الخارجية عجزت عن إيقاف تمدد الإرهاب في الشرق الأوسط، وفشلت مع الناتو في الحفاظ على انتقال سلس في ليبيا بعد عهد القذافي. فضلا عن ذلك فإن قطاعات واسعة من المؤيدين للحزب في القطاعات الشعبية تقاعسوا عن التصويت بسبب إظهار الإعلام ضمان فوزها. ويرى محللون أن الإعلام برغم أنه خدم حملة كلينتون فإنه أضر بها في هذا الخصوص، إذ رأى بعضهم أن ذلك التأييد الإعلامي خلق تحديا لمؤيدي ترامب للمواظبة على الحضور مبكرا وتسجيل صوتهم، بينما تثاقلت خطوات مؤيديها، أحيانا يأتي الخطر من مكمن التفاؤل الزائد.
على صعيد المنطقة لا بد أن الحكومة السودانية وإيران من أكثر الحكومات في الشرق الأوسط حزنا على فوز ترامب الذي أكد في أكثر محطات حملته الانتخابية أنه سيعتمد في الحرب على الإسلام الراديكالي المواجهة لا الدبلوماسية. وهذه الوسيلة السلمية وظفها أوباما وسمى مرحلته الهادئة التي لم تشهد حربا بـ”نهج اوباما”، والذي استغلته الحكومتان السودانية والإيرانية لأقصى مدى. فإسلاميو البلدين وجدوا في نظام أوباما مجرد استراحة من أتعاب نظام بوش الذي وضعها واضحة: إما معنا..أو ضدنا.
وكلنا نعلم أن السودان قد تنازل عن كل مرجعيته الإسلاموية وتعاون مع حكومة بوش في ما خص الإرهاب وقضية الجنوب في مقابل غض إدارة بوش النظر عن سياسة الحكومة السودانية في دارفور والوضع الداخلي المركزي. وقد أتى أوباما ليحافظ على التعاون الاستخباراتي بين البلدين الذي يقع ضمن إطار مرجعيته السلمية التي اعتمدها في التعامل مع كل دول العالم. بل إنه زاد بأن ضغط في اتجاه تحقيق انفصال سلس للجنوب مقابل مواصلة سياسة غض الطرف عن مأساة دارفور. وفي أيامها الأخيرة عمدت إدارة أوباما على مكافأة الحكومة السودانية على خدماتها الاستخباراتية في المنطقة ووعدت برفع العقوبات عن السودان.
ولكن أمام ضغوط اللوبي داخل الكونغرس انتهت الوعود الأميركية برفع العقوبات إلى بعض تسهيلات مصرفية، وإليكترونية، للحكومة، ومساعدتها بأن قللت أميركا من شأن الاهتمام باستخدام السلاح الكيماوي في دارفور. ذلك برغم أن 22 سيناتور قد طالبوا خارجية جون كيري بفعل شئ، ولكنها رفضت السير في هذا الاتجاه الذي ربما يعوق التعاون بين الحكومتين. وحتى كتابة هذه السطور فإن حكومة أوباما لم تدعم أي اتجاه في هذا الصدد، وفضلت دس رأسها في الرمال، ولم تتخذ موقفا واضحا بشأن استخدام الكيماوي مثلما فعلت الحكومتان البريطانية والفرنسية.

هذا بالرغم من أن أوباما قد هدد قبلا في حملته الانتخابية بأن سيضرب حكومة الخرطوم إن لم تذعن لرغبة المجتمع الدولي في إنهاء سياساتها القاتلة في الإقليم. والمدهش أن ارتفاع الصوت البريطاني والفرنسي في ما يتعلق بالكيماوي تم في وقت وصل التعاون بين الأوربيين والنظام إلى أقصى مدى حول دور السودان في إيقاف الهجرات غير الشرعية للأفارقة المؤملين في قطع المتوسط.
عبر استغلال “نهج أوباما” نجح النظام في التخلص من أعباء جنوب السودان التاريخية والمرحلية، واحتواء دارفور، وفي تحقيق بعض نجاح في محاولات رفع العقوبات. وساهم النظام في الحد من الهجرة الاوربية المدعومة دبلوماسيا بواسطة أمريكا مقابل خمسين مليون يورو، كما أنه نجح في تجاوز شراك المحكمة الدولية.

اضف إلى هذا أن تغيير سياسة الحكومة نحو الاعتماد على المحيط السني بديلا عن الشيعي، ما يعني إدارة الظهر لإيران، شجع الحكومة الأميركية بواسطة ضغوط خليجية، على دعم الحكومة السودانية من خلال قناة التفاوض السلمي بين الفرقاء السودانيين لضمان استمرار التعاون بين السودان والولايات المتحدة.
الآن يمثل فوز ترامب مرحلة جديدة في إعادة صياغة سياسة بلاده نحو منطقة الشرق الأوسط. ولعل كل ذلك قد أكده في حملته الانتخابية حتى خلق ذعرا لدى الأميركيين من أصل عربي ومسلم قبل أن يهدد مستقبل المنطقة العربية.

فمن ناحية قال ترامب في إحدى حملاته في أغسطس الماضي: إنني إن صرت رئيسا سينتهي مرحلة خلق الدول. نهجنا الجديد، والذي يجب أن يكون بالتعاون مع حلفائنا في أميركا، وفي العالم، وأصدقائنا في الشرق الأوسط..يجب أن نوقف انتشار الإسلام الراديكالي.
مستشار ترامب للشرق الأوسط هو وليد فارس، إنه أستاذ جامعي لبناني-أمريكي في جامعة الدفاع الوطنية وكبير الباحثين في “هيئة الدفاع عن الديمقراطيات” في الولايات المتحدة الأمريكية ومستشار للكونغرس في الإرهاب ومختص في الإرهاب والجهاد. يتقن فارس العربية والإنجليزية والفرنسية. وعمل بين 2003 – 2006 كخبير في ما يسمى الإرهاب.
وكان فارس قد صرح لإذاعة “عافية دارفور” حول نزاع الهامش السوداني بأن “ترامب سيولي أهمية كبيرة لتلك المنطقة وخاصة السودان في سياسته الخارجية. وأضاف إثر اجتماع مع عدد من أبناء جنوب كردفان بواشنطن أنه على اطلاع كامل بالانتهاكات التي تقوم به حكومة الرئيس عمر البشير ضد شعبها” على حد تعبيره. وأضاف بقوله: “يؤسفنا أن سياستنا الخارجية ووزارة الخارجية وحكومتنا الاميركية لم تتابع خلال السنوات الماضية قضية محكمة الجنايات الدولية، من خلال اعتقال البشير أو تحذيره بأن ممارساته ضد شعبه وخاصة المهمشين في جبال النوبة تعد أمرا غير مقبول”.
وقال فارس إن “ما من سبب يجعل الولايات المتحدة وحلفاءها الاوربيين يرفعون العقوبات عن نظام البشير في ظل استمرار الانتهاكات بالسودان واضاف أن ترامب سينسق مع المجتمع الدولي في المائة يوم الاولى من إدارته بشأن إنهاء الازمة في دارفور والنيل الازرق وجنوب كردفان”.
إذن لننتظر حديث ترامب الذي قال عبره إنه سيمنح المؤسسات النيابية مدى شهر بعد انتخابه لمنحه خطة للتعامل مع الإسلام الراديكالي وداعش في عمقه.

ليس هناك من كثير أهمية للاعتماد على أولئك الخبراء الإستراتيجيين لتوضيح ما يمكن أن تفعله سنوات ترامب الأربعة القادمة في البيت الأبيض ما دام قد فشلوا في فهم طبيعة حملته. ولكن المهم هو أن عهدا جديدا من النهج الجمهوري المعروف باعتماده على وسيلة الحرب سوف يرسم تأثيره العميق في داخل الولايات المتحدة، ومنطقة الشرق الأوسط عموما، والسودان خصوصا. الله وحده يعلم بما يفعله ترمب بخطة أوباما للرعاية الصحية، وداعش، وسور المكسيك، وملاحقة البشير عبر الجنائية، وذلك بعد أن قلب الطاولة على معاشيي حزبه، والإعلام القديم، وخبراء الوضع الداخلي الأميركي.