الخرطوم : قرشي عوض

 

افرزت التحولات الاقتصادية والسياسية التي مر بها السودان خلال ربع القرن الاخير تغييراً في الاصطفاف الاجتماعي قاد الى بروز نمط جديد من أشكال التنظيم، خاصة وسط القوى الحية بنقاباتها ذات التقاليد العريقة في منازلة الديكتاتوريات ، والتي هيمنت عليها الانقاذ عن طريق التشريد من الخدمة  الذي طال معظم الكوادر المعادية او تلك التي لايرجى تعاونها ، لكن ضرورة تدوير دولاب الدولة حتى يعمل في خدمة المجهود الحربي واستحلاب ثدي الدولة ، اجبرها على الاحتفاظ ببعض الكوادر ، ذات الكفاة العالية ، او تلك التي لم تجد لها بديلا من داخل صفوفها ، مما جعل التباين داخل قطاعات المهنيبن ، وداخل الخدمة العامة قائماً ، لكنها سيطرت عليه عن طريق القانون الذي يصل بعقوبة الاضراب عن العمل كسلاح وحيد في ايدي المهنين للمطالبة بحقوقهم وتحسين حياتهم ، الى حد الاعدام ، وقد حكمت بالفعل على قيادات الاطباء الذين دخلو في اضراب بمستشفى الخرطوم في النصف الاول من عام 1990 بالاعدام ، ثم تراجعت عن العقوبة واستبدلتها بالسجن ، ثم جاءت بنقابة المنشأة المثيرة للجدل لكونها خروج عن القاعدة المتعارف عليها في التنظيم النقابي وهي تكوين جسم من أصحاب المهنة الواحدة على اختلاف المؤسسات التي يعملون فيها، ففكرتها تقوم على تكوين نقابة واحدة تضم كل العاملين في مؤسسة ما بغض النظر عن مهنتهم، مثلا لكل مستشفى نقابة تضم الطبيب والممرض والمحاسب وعامل النظافة وموظف الاستقبال، وهكذا الحال في كل المنشآت ، وفسر مراقبون هذا الاتجاه بأنه مخطط لإضعاف العمل النقابي المنظم والقوي خلف اهداف ومصالح مشتركة إذ لا يمكن ان تتوفر هذه القاعدة بين طبيب ومحاسب وموظف استقبال تجمعهم نقابة المنشأة وتفرقهم المطالب الفئوية، مما طرح التساؤل حول جدوى النقابات الموجودة الآن ، والصراع عن طريقها .

فظهرت لجان المهنيين وسط الصحفين والاطباء ، وفي قطاعات اخرى ابرقت متضامنة مع اضراب الاطباءالاخير، وبرزت تساؤلات حول امكانية ان تحل لجان المهنيين مكان النقابات في المطالبة  بتحسين شروط العمل وتلبية  مطالب العاملين، بعد الاعتراف الذي وجدته لجنة الاطباء المركزية التي قادت الاضراب الاخير واجبرت السلطات على الجلوس معها في ظل وجود نقابة المهن الصحية .

وقد تفجر هذا الجدال عقب تقديم عدد من اطباء الحزب الشيوعي لاستقالاتهم من الحزب لاسباب عددوها في بيان الاستقالة تمت من خلالها الاشارة الى التمسك بنقابة المنشأة ، وقد رد الحزب الشيوعي بانه رغم اعتراضه على نقابة المنشأة ، لكنه سيقود الانتخابات من خلال القانون الذي يرفضه ويعمل على الاصلاح من داخل نقابة المنشاة نفسها كواقع ، وان المطالب التي رفعها الاطباء لتحسين بيئة العمل كانت ستجد التضامن والالتفاف حولها من قبل فئات الحقل الطبي الاخرى ، مما يعيد طرح السؤال من جديد هل يمكن للجان المهنيين ان تحل محل النقابات ، حتى وان كانت تعتريها عيوب كالتي لازمت نقابة المنشاة ؟. د/ احمد حامد استاذ الاقتصاد المحاضر بجامعة امدرمان الاهلية في افادته “للتغيير الإلكترونية” يقول ربما تستطيع هذه اللجان ان تقوم بهذا الدور اذا استطاعت ان تلف حولها قطاعات المهنيين حقاً كما فعلت لجنة الاطباء ، وتستطيع ايضاً ان تقوم بالعصيان المدني ، لكن عاد وشكك في ان بعضها فوقي وصلته بالقاعدة ضعيفة بل ان بعضها  فوقي ولاتربطه صلة بالمهنيين

فيما قال فيصل محمد صالح الكاتب الصحفي انه لايمتلك معلومات كافية حول تلك التنظيمات وسط القطاعات الاخرى ،لانه على هذه المعلومات يستطيع الشخص ان يبني موقفا حول مدى فعاليتها وقدرتها التنظيمية وتواصلها مع الولايات والمدن المختلفة كما فعلت لجنة الاطباء ، والتي من الواضح انها كانت منظمة جداً ولديها تواصل جيد مع فرعياتها الى جانب وضوح الرؤية وتحديد القضايا التي يمكن ان تحرك قاعدتها ، لذلك نجحت نجاحاً مبهراً وملهماً ، ويعتقد فيصل ان القطاعات الاخرى تحتاج ان تستلهم هذه التجربة وتستفيد منها في تنظيم عملها والتواصل مع قواعدها ، وان تحقق ذلك يقول فيصل انه يمكن الحديث عن البدء في عمل تنسيق بين كل هذه القطاعات ، وبناءً على التنسيق الذي يتم يمكن تحديد الخطوة اللاحقة ، والتي لايجب استباقها وتحديدها مسبقاً، وعن ما اذا كانت عصيان مدني او خلافه ، لكن مهما كانت طبيعة تلك التنظيمات الوليدة او التي تحت التكوين يرى فيصل انه في الوقت الحالي لاجدوى من النقابات الموجودة حالياً ، وليست هناك امكانية عملية من الدخول في انتخابات ومحاولة استعادتها كمعبر عن القطاعات المختلفة ، وليس هناك بديل سوى السعي في تكوين هذه الاجسام التنسيقية في القطاعات المختلفة ، حتى تقوى وتشتد ، ويرجع اليها بعد ذلك تحديد امكانية الدخول في انتخابات من عدمه ، او الاكتفاء بتكوين الاجسام الموازية .

.لكن المهندس محمد فاروق الناطق الرسمي باسم أحزاب نداء السودان بالداخل يرى  امكانية ذلك ويشير في افادته “للتغيير الإلكترونية”  الى ان اللجنة المركزية للاطباء الان نقابة للاطباء ودعوتها الان للاضراب ووحدة الاطباء خلفها ، هى حلقة من حلقات العصيان المدني ، ويضيف فاروق بان هناك حلقات اخرى مطلوبة وسط قطاعات اخرى ، لكن الاهم في العصيان المدني هو التجاوب الشعبي مع دعواته وتطور الدعوات للاضرابات واتساع رقعتها ليطال كل اوجه الحياة . القضايا المطلبية هذه هى اساس عملية العصيان المدني تتحول الى موقف سياسي مع فشل النظام في الاستجابة لها دون الحوجة لان تتبناها جهات سياسية . النظام هو من يسيسها ، حتى الاحتجاجات على زيادة الاسعار تبدو كقضية مطلبية ، فشل النظام في التراجع عنها اعلان لفشله كنظام  وأساس للدعوة لاسقاطه.

لكن فاروق لايرى ان ما حدث وسط الاطباء قابل للتكرار وسط القطاعات المهنية الاخرى ، ويرى ان اغلب المهنيين الان خارج دائرة هذا النشاط ، ولم تتكون لجان لهم ولم تتبلور مطالبهم القطاعية ، الانهيار الذي طال قطاع الخدمات بالدولة اضعف من وجود وتأثير قطاعات مهنية كثيرة في جهاز الدولة ، او حتى خارجه في ظل تسييس  الاقتصاد وهيمنة النظام والامن حتى على القطاع الخاص . ويستدرك فاروق بان هناك قطاعات يمكنها ان تبدأ في تنظيم نفسها في قطاع الطاقة والمؤسسات العدلية والمراجع العام كاجهزة تابعة للدولة مازالت تستوعب اعدادا مقدرة من المهنيين وايضاً في البنوك والمصارف وقطاع المواصلات .

لكن الاستاذة فائزة ابراهيم نقد رئيس مكتب النقابات في الحزب الشيوعي تقول ان لجان المهنين تستطيع ان تقوم بدور النقابة في حالة واحدة ، هى اذا استطاعت ان تحل محل النقابة باستبدال عناصر النظام في داخلها بعناصر ديمقراطية ، لكن لوحدها لاتستطيع لانها ينقصها القانون ، فالصراع النقابي والمطلبي محكوم بالقانون ويستمد قوته من القانون ، وتشير نقد الى تجربة نقابة اساتذة جامعة الخرطوم التي حاول من خلالها الاساتذة الدفع بنقابة فئوية بعيداً عن نقابة المنشأة ، وقد وصلت قضيتها حتى المحكمة الدستورية ولم تحقق شيئا ، لان المحكمة ترجع الى قانون النقابات الذي يفصل هكذا نزاع ، لكن الاستاذة نقد عادت واكدت على قدرة تلك اللجان على انجاح العصيان المدني كهدف سياسي وليس نقابي لان الهدف السياسي يمكن ان يتحقق بالخروج على القوانين ، عكس الاهداف النقابية التي يلزمها قانون ليكون لها قوة الزام للدولة .

وفي ذات الاتجاه يمضي الاستاذ مختار عبد الله النقابي السابق بهيئة السكة حديد ، ورئيس اخر نقابة لعمال مصنع النسيج السوداني قبل تصفيته اواخر عهد نميري ، ويرى ان لجان المهنيين هى في الاساس هيئات سياسية ،  وحتى تقوم بدور نقابي عليها ان تقوم باسقاط العناصر النقابية داخل قطاعاتها المهنية ، لكنها في حالتها الراهنة ستظل هيئات سياسية حتى وان رفعت مطالب فئوية ذات بعد نقابي ، لان السلطات اذا تعهدت لها فانها لاتسندها حماية قانونية ويمكن التراجع عنها دون ان تترتب على ذلك التراجع مسالة قانونية، على عكس التعهدات التي يتم القطع بها مع جسم نقابي محمي بقانون النقابات . لكن مختار عاد واكد على امكانية نجاح تلك اللجان في قيادة العصيان المدني وانجاحه ، مستشهداً بما حدث في اكتوبر ، حيث تكونت هيئات مهنية في كل القطاعات قامت بالعصيان المدني وخلقت تحولا سياسيا صعدت من خلاله جبهة الهيئات الى السلطة وحكمت البلاد لمدة عام كامل بقيادة سر الختم الخليفة .

لكن يبدو ان الحزب الشيوعي ميالا لخوض انتخابات النقابات في ظل نقابة المنشأة ، فهذا يتناسب مع تاريخه ، وهو دائماً يخوض انتخابات النقابات تحت ظل القوانين الموجودة مهما تكون عيوبها ، مع انتقاده لتلك العيوب بحسب حسن كنترول القيادي النقابي القديم في افادة لكاتب هذه السطور لم تنشر بعد ان الحزب خاض انتخابات النقابات في ظل قانون 1948 وقانون 1951 كما خاضها في ظل قانون 1961 وقانون 1973 ، وقانون 1977 ، وكلها قوانين بها عيوب كثيرة وبعضها يضع الحركة النقابية تحت وصاية الدولة ويجعل منها رافداً للاتحاد الاشتراكي ، كما ان بعضها يمنع قيام النقابات في بعض المرافق ، وقد قلص بعضها النقابات الى 44 نقابة ، كما قلصها القانون الحالي الى 16 نقابة ، بدمجمها مع بعضها البعض ، وكل ذلك يمثل اضعافا للحركة النقابية ، لكن الدليل على ان السلطة لم تحكم السيطرة على الحركة العمالية والمهنية في البلاد هو خوفها من اقامة انتخابات حرة ونزيهة للنقابات حتى في ظل هذا القانون كما اثبتت التجربة الاخيرة ، والتي شابتها عمليات تزوير مخجلة رغم انها جرت في ظل هيمنة شاملة للسلطة على الاعلام وقدرتها على منع الحشد بمختلف القوانين الاخرى ومنها قوانين ليست ذات اختصاص مثل قانون الصحة العامة الذي يعالج قضايا البيئة .