د. النور حمد

 

يرى بعض الأكاديميين المعاصرين أن آراء بن خلدون في ما يتعلق بـ “البدو” و”الحضر”، قد عفا عليها الدهر، وهذا ليس صحيحًا، تمامًا. فابن خلدون لا يزال نافعًا في ما نحن بصدده، من صراع القيم القبلية الرعوية مع العقل والعقلانية، ومع بنية الدولة الحديثة، ونظمها، وقيمها. كان ابن خلدون، رائدًا فذًا في تشريح الأحوال الاجتماعية العربية. وهو لا يزال صالحًا حتى اليوم، لأن البيئات العربية لم تتغير كثيرًا، منذ عصره، رغم مظاهر الحداثة المظهرية التي لحقت بها. فقد فهم ابن خلدون طبيعة هذه البيئات العربية، أكثر مما فهمها الباحثون الغربيون الذين يجعلون من القوالب التي يعالجون بها مجتمعاتهم الغربية معيارَا عامًا لكل المجتمعات البشرية. ومن كبرى إشكالات بعض الأكاديميين والمثقفين العرب، أنهم لم ينفكوا منذ ما سمي بفجر النهضة العربية، ينظرون إلى واقعهم العربي بمنظارٍ غربي. قال هادي العلوي، إن الواقع العربي لن يُفهم، ولن يتغير بالفكر المترجم.

ليس المطلوب، في نظري، نفي، أو محو، ابن خلدون، ودمغ رؤيته بأنها من مخلفات التاريخ، وإنما المطلوب هو إعادة انتاج طروحاته، بعد تعميقها، وتوسيعها، واستلال دلالاتها الجديدة التي لا تزال، واضحة جدًا، في سياق الحاضر. فالواقع العربي المعاصر لا يزال واقعًا قبليًا، لم تغيّر الحداثة المظهرية بناه العقلية. ومن ينظر إلى الأحوال السياسية العربية الراهنة، والاضطرابات التي تكتنف كثيرًا من الأقطار العربية، ومن يتأمل سيطرة عقلية القبيلة على مجريات السياسة، واختطاف العقل الرعوي منظومة الدين، برمتها، وتحويلها إلى عكسها تمامًا، تظهر له الاشكالية. ومن ينظر إلى تعثر انجاز التحول الديمقراطي، وبناء الدولة الحديثة، يعرف أن هذا الفضاء الجغرافي العربي، لا يزال يحمل من قيود التاريخ وأثقاله، أكثر مما يحمل من سمات الحاضر. ويجعل كل ذلك ابن خلدون صالحًا لزماننا، إلى حدٍّ كبير.

الرعي نشاط سابق للاستقرار وللزراعة. فالراعي يتجه حيث يوجد المرعى، وحيث تهطل الأمطار. هذه الحياة المتنقلة، بحثًا عن تأمينٍ ضروريات الحياة، اقتضت قوةً البأس، وشكَّ السلاح. كما اقتضت ثقافةً قتاليةً، وقدرةً عمليةً على وضع اليد على حيازات الأرض، والدفاع عنها، كلما اقتضى الأمر. ومع تنقل الرعاة تصبح هذه الحيازات غير واضحة المعالم. وقد يتعدى تنقل الرعاة لتأمين ضروريات حياتهم، مجرد السبق إلى المرعي الأفضل، ووضع اليد عليه، ليبلغ درجة سلبِ ما لدى الغير، أصلا، من مرعى، أو فرض المشاركة فيه، بقوة البأس. ولا نزال في السودان نرى، إلى يومنا هذا، كيف أن المراعي والتنقل طلبًا للمرعي هي السبب الرئيس في الصدامات العنيفة التي لا تنفك تنشب بين القبائل. كما شاهدنا على مدى العقودٍ القليلة الماضية، انتقال القبائل من استخدام الحصان، والسيف، والحربة، وبندقيات جيم 3، والكلاشنكوف، إلى اقتناء سيارات “التاتشر” ذات الدفع الرباعي، ومدافع آر بي جي، ومدافع “الدوشكا” المثبتة على رؤوس هذا النوع من السيارات. يقتضي نمط الحياة الرعوية، منظومةً قيميةً قتالية، تتمحور حول العصبية. كما يقتضي ثقافةً مرتكزها تأمين متطلبات البقاء، بالقوة الباطشة. ومثل هذه الثقافة لا تمثل العدالة وحكم القانون ومراعاة النظم سماتٍ رئيسية فيها.

لو راجعنا ثقافة القبيلة في الأدب العربي لتبينت لنا، بجلاء، هذه السمات التي أتحدث عنها، وهي ذات السمات التي أشبعها ابن خلدون حديثًا. لقد عارضت الثقافة الرعوية العربية ومنظومتها القيمية، الدعوة الإسلامية في مبتدئها، أشد المعارضة. رأت الثقافة الرعوية في الدين الجديد تقويضًا لها من أساسها. وبالفعل، فقد جاء الإسلام بما يناقض قيمها، كما عمل بالفعل على إبدال قيمها، وثقافتها، بمنظومةٍ قيميةٍ، وثقافيةٍ أرقى، وأعلى، منها في سلم التطور. وقد أنجز الإسلام ذلك بالفعل، ولكن بعد جهدٍ جهيد، إذ حمل السيف في وجوههم، وكسر شوكتهم. بل، إن قيم القبيلة ما لبثت، مع اندلاع الفتنة الكبرى، أن التفّت، من جديد، على جوهر الدعوة الإسلامية، وأفرغتها من محتواها الحقيقي، وحولت دولة الحق والعدل، في وقتٍ وجيزٍ، إلى ملك عضوض.

يروي طه حسين قصة قريش والتفافها على الدين الجديد، في كتابه، “الفتنة الكبرى”، الذي، لم يُقرأ بعد، بما يستحقه من التمعُّن الفاحص. يقول طه حسين، إن قريشًا لم تكن قبيلةً محاربةً، ولم تكن أقوى قبائل العرب. لكنها، استفادت من سدانة البيت، ما منحها ارستقراطية على بقية العرب. كما منحتها التجارة، وهو الأهم، التجربة والخبرة والدربة، والمكر وسعة الحيلة. يرى طه حسين، أن وضعية قريش المتميزة التي منحتها لها سدانة البيت، مخضت فيها بُعد الهمة، وامتداد أسباب الطمع، إلى غير حد، والصبر على المكروه، حتى تظهر عليه. كما دفعتها هذه الوضعية، إلى ما هو أشد من ذلك خطراً؛ وهو ازدراء القيم المقررة، والاستهزاء بما تواضع الناس عليه من العقائد والتقاليد، واستباحة كل شيء في سبيل المنفعة القريبة والبعيدة. كما منحتها، أيضًا، سعة الحيلة التي أتاحت لها أن تظهر أمينةً على الدين، في حين أنها ليست من الدين في شيء. (طه حسين، الفتنة الكبرى، (ط9)، دار المعارف بمصر، 1976، ص 81).

يرى طه حسين، أن قريشًا كانت تنظر إلى الدين وسدانة البيت كوسيلةٍ، وليس كغاية. وتنظر إلى الأوثان، التي تحرسها، كوسيلةٍ إلى كسب الرزق، وبسط السلطان، لا أكثر. ويصف طه حسين السيِّدَ من قريش بأنه: “شديد الطمع، بعيد الهم، عظيم المكر، داهية”. ويرى طه حسين أن عمرًا بن الخطاب عرف كل هذا في قريش، فلم تستطع أن تخدعه عن حقيقة أمرها، حتى بعد أن أسلمت. فإذعانها للإسلام كان دهاءً منها، لا أكثر. فهي قد أحنت رأسها لعاصفة الإسلام، حتى تستطيع أن تستجمع قواها، بعد أن خسرت معه  مواجهاتها العسكرية. لذلك، لم يغير عمر بن الخطاب رأيه فيها، إذ: “لم يلن لها، ولم يرفق بها، ولم يخل بينها وبين طمعها الشديد، وهمها البعيد، واعتدادها بنفسها، وازدرائها لغيرها من الناس”. (المصدر السابق، نفسه).

سيطرت قريش على حركة القوافل بين الهند والإمبراطورية الرومانية، وبين الشام واليمن، وبين الجزيرة العربية والهضبة الحبشية. غير أن قريشًا التي سكنت الحاضرة، ظلت تعيش بعقلية القبيلة الرعوية، وبقيمها. ويجعلنا هذا، نقول بأن نمط الاقتصاد الأجد، لا يغير وحده، بالضرورة، ما ينسرب من قيم الاقتصاد الأقدم إلى البنية الاقتصادية الأحدث. فالتغيير ربما اقتضى عملاً من نوع آخر. وهذا هو ما حاوله الإسلام مع قريش؛ بالموعظة الحسنة حينًا، وبالشدة الشديدة، حينًا آخر.

لقد هجا الإسلام البنية العقلية الرعوية لأعراب الجزيرة العربية، أشد الهجاء. جاء في القرآن الكريم: “الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم”. (الآية 100، سورة التوبة). المدهش، أن سورة التوبة كانت آخر سور القرآن نزولاً، فقد نزلت في العام التاسع الهجري؛ أي قبل سنتين من وفاة النبي. وفي هذا دلالةٌ على أن الأعراب، بعد كل المعارك والهزائم، وبعد كل ما رأوه من مزايا القيم الإسلامية، وبعد مرور ما يقارب ربع القرن على بداية الدعوة، ظلوا على الكفر والنفاق، كما وصفهم القرآن. وبطبيعة الحال، استثنى القرآن أعرابًا آخرين من هذا الهجاء، حيث ورد: “وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ”، (الآية 99، سورة التوبة).

جاء الإسلام نقيضًا للبنية العقلية والوجدانية، التي كانت سائدة في الجزيرة العربية. وغالب ما كان سائدًا في جزيرة العرب هو ثقافة البغي والقهر والغلبة. ومعلومٌ أن من سمات العقل الرعوي وثقافته، تمجيد القوة، والفتون بها بلا حدود، والفخر بالمنعة، بل والسطو على ما في يد الآخرين. وقد سبق أن أوردت في المقالة السابقة ما أورده المؤرخ جواد علي، حيث قال: في كتابه “المفصل من تاريخ العرب قبل الإسلام”، أن الاغتصاب لمال شخصٍ من قبيلة أخرى، ليس لها حلفٌ، ولا جوارٌ، ولا عقدٌ مع قبيلة المغتصِب، يعد مغنمًا حلالا. (ج5، ص 605).  وربما ينبغي القول هنا، إن هذه البنية العقلية والوجدانية، ليست حصرًا على العرب. فهناك ما يماثلها في تاريخ مختلف المجتمعات. إنها بنية صنعتها غريزة البقاء في ظل مرحلة تاريخية بعينها، وهي ليست معيبة في ذاتها، شأن كل مرحلةٍ من مراحل التاريخ. غير أن هذه العقلية تصبح معيبةً، حين تمسك بخناق الطور الأعلى منها في سلم التطور، فتستميت في جره إلى الأرض. وهذا ما يجري لدينا الآن في السودان، على قدمٍ وساق. وهو ما يقف تحديدًا وراء كتابة هذه المقالات.

يقول العرب” حين لا يجدون من يغزونه، أو يختلقون سببًا لغزوه: “وأحيانًا على بكرٍ أخينا، إذا ما لم نجد إلا أخانا”. ويقولون: “قوم إذا الشرُّ أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافاتٍ ووحدانا، لا يسألون أخاهَم حين يندبهم في النائباتِ على ما قال برهانا”. ومن حِكَمِهم التي جرت على لسان زهير: ومن لم يَذُدْ عن حوضه بسلاحه يُهدَّم، ومن لا يظلم الناسَ يُظلم”. هذه البنية العقلية هي التي وقفت وراء حروب داحس والغبراء الطويلة في الجزيرة العربية، وقفت وراء حرب البسوس، وغيرهما مما لم يذكره التاريخ من حروب العرب المتصلة. وفي أدبنا الشعبي السوداني، ما هو متجذرٌ في تاريخ الجزيرة العربية، وهو شبيهٌ جدًا بما لدى قبائل الجزيرة العربية الرعوية.

تقول شاعرة القبيلة عندنا: “صارِّي عينو بلا وقيعة، وشايلْ حقُّو بلا شريعة، أخُويْ روحو مسبِّلا”. وتقول أمٌ في هجاء ابنها، الذي انشغل بدراسة القرآن، عن الحرب والقتال: “لمتين يا حسين سيفك معلَّقْ، لا حسين كَتَلْ، لا حسين مفلّقْ”. وفي تاريخنا السوداني القريب، وقفت هذه البنية العقلية وراء حرب الكبابيش من جهة، وبني جرار والمسبعات، من الجهة الأخرى. كما وقفت وراء حرب الشكرية مع البطاحين، وحرب الشكرية مع الحلاوين، وحرب الحلاوين مع الدباسيين، والجموعية والكواهلة مع الخوالدة، وغير ذلك من الحروب الكثيرة المماثلة. في مثل هذه البيئات، قد تنشأ الحرب، بالإضافة إلى النزاع حول المرعى،  بسبب أمورٍ تافهة، كسرقةِ بهيمةٍ، مثلاً، أو بسبب ثأر لمقتل فرد واحدٍ، يموت في محاولة أخذا ثأره العشرات، وربما المئات، والآلاف. أما في وقتنا الحالي فإن حروب القبائل في دارفور لا تكاد تتوقف أبدا. ولم تخلُ باديةٌ من البوادي العربية من احترافٍ لقطع الطريق و”الهمبتة”. ولا تزال “الهمبتة” لدينا نشاطًا محمودًا يُعتد ويُفخر به. نحن، في تقديري، لسنا منتبهين، بما يكفي إلى بقاء هذه القيم السالبة في بنية وعينا، وانتقالها من مرحلة البداوة والقبلية، إلى مرحلة الدولة الحديثة، وامساكها بخناقها، حتى عطلت حركتها، أو كادت.

الذين يضرسون، من تسمية “العقل الرعوي”، ربما احتاجوا أن يتريثوا، فلا يندفعوا إلى الدفاع بحمِيَّة القبلية. فهذا النوع من الاندفاع يمثل واحدًة من تجليات العقل الرعوي، المتحفز، الذي لا يفكر صاحبه مرتين، قبل أن يَخِفَّ إلى سلاحه ليشهره في وجه الآخر. فتعبير “العقل الرعوي” ليس “للتريقة”، على الرعاة، أو التقليل من شأنهم، أو النظر إليهم من علٍ، أو دمغهم بالنقائص، وإنما هو إشارة إلى منظومةٍ قيميةٍ ارتبطت بنشاطٍ اقتصادي بعينه، وأسلوب حياةٍ بعينها. فالمصطلح لا يشير إلى قبيلةٍ بعينها، ولا إلى مجموعةٍ بشريةٍ بعينها، وإنما يشير إلى منظومةٍ قيميةٍ شكلتها ظروف تاريخية. وهذه الظروف التاريخية، لم تكن لتسمح لها بأن تتشكل على غير تلك الصورة. فمنظومة القيم الرعوية تشكَّلت، وفق الظرف التاريخي، والمعطيات، والسياق الذي أحاط بها.

ما من شك، أن غريزة البقاء تأتي قبل كل قيمةٍ أخرى. وكل قيمة أخرى تتناقض مع هَمِّ البقاء تسقط تلقائيًا، فغريزة البقاء هي المحرك القاعدي لأفعال الناس، ولأفعال القبائل. العائلة، والعشيرة، والقبيلة، تمثّل مظلة الحماية الرئيسة للأفراد. ونظير تقديم العائلة والعشيرة والقبيلة الحماية للفرد، ينبغي على الفرد أن يتماهى، كليًا، مع منظومة القيم التي ترعاها هذه الكيانات. فعقل الأسرة والعشيرة والقبيلة، في الاقتصادات قبل الحداثية، عقلٌ جمعيِّ مسيطر، لا يقبل نشوز الأفراد، ولا استقلالهم بالرأي، ولا تمتعهم بحرية الفعل، ولا يتسامح مع ذلك اطلاقًا. فانسجام الفرد مع منظومة القيم التي ترعاها القبيلة، حتى لو كانت قيم سلب ونهب وتعدي على ما في أيدي الغير، تمثل، لدى كيان القبيلة، القيمة التي ينبغي أن يرعاها الفرد، وألا يناقشها. ومن يتجرأ ليناقشها، يجري اتهامه بمختلف التهم، ويجري تخوينه، ولفظه والتبرؤ منه. وأرجو أن نلاحظ وجود هذه العقلية الرعوية في تنظيماتنا، حتى الحديثة منها؛ كالحزب الشيوعي، ومجموعتنا نحن الجمهوريين. فمن يخرج على قبضة العقل الجمعي، تنهال عليه السهام من كل حدبٍ وصوب. الشاهد، أننا أين ما نظرنا، وجدنا أن “العقل الرعوي” ممسكٌ بخناق عقولنا وحياتنا.

يتحور “العقل الرعوي” ويتخذ صورًا مختلفة، يمكن أن نجدها حتى في الدول الصناعية. ولقد سبق أن أشرت إلى “رعوية”، ظاهرة مرشح الرئاسة الأمريكية، دونالد ترمب. كما يمكن أن أشير إلى منظمة كوكولاس كلان الأمريكية العنصرية، وجماعات الشباب النازي في ألمانيا، وإلى تنظيم داعش. كما يمكن أن تتمثل القبيلة، في السياقات الحديثة، في الحزب. كما يمكن أن تكون متمثلةً في فريق كرة القدم الذي نشجعه، أو في الالتقاء في الفتون بمغني بعينه، وتشكيل رابطة معجبين تحت اسمه، أو في طريقة صوفية، بعينها، وغير ذلك من التجمعات التي تقف وراءها العصبية، أو العاطفة. ويبدو أن الانسان يحتاج القبيلة، في كل الأحوال، إذ تصبح للأكثرية، مكملةً لوجودهم. المهم، أن نفرق بين سلطة العقل، وسلطة العاطفة، فلا نخلط بينهما، خاصة في ما يتعلق بقضايا البناء والتنمية والتغيير. وسيرد التوسع في هذا لاحقًا، في ما هو مقبل من حلقات.

هناك من الأمثلة، ما يمكن أن نسوقه هنا، حول ما تعترض به بنية العقل الرعوي قيم الحداثة، داخل سياقات الحداثة المظهرية. فمثلا، لا تزال كثيرٌ من الأسر السودانية تحرص على أن تتزاوج في داخل صلات القرابة الخاصة بها، وترفض تزويج الغريب؛ أيًّا كان. كما لا تزال بعض الأسر عندنا، تحرص على التنقيب الدقيق في نسب الصهر المرتقب. فإن هم اشتموا في المتقدم إلى ابنتهم، أي صلة دمٍ بمن سبق أن استُرِقُّوا، أو أن شبهة رقٍّ قديمٍ حامت حول هذا الصهر المرتقب، رفضوه، بقوة. ولا يهم رأي الفتاة في هذا الباب، ولا يهم مستوى تعليم أولياء الأمور، ولا تهم قيم الحداثة، بل ولا تهم  قيم الدين نفسها، التي قالت: “كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. تكسح بنية العقل الرعوي قيم الدين والعقل والحداثة وتحيلها جميعها إلى ركام. فالذين يتحدثون، لدينا، عن الحرية وعن الديمقراطية، وعن المساواة الاجتماعية، في السودان، اليوم، تقدم أكثريتهم حديثًا معلّقًا في الهواء، لا مساس له بأرض الواقع.

لربما تعيَّن علينا أن ننظر إلى ضيقنا بالرأي الآخر، وانتشاء كل قبيلٍ منا، بما يراه في نفسه، امتلاكًا للحكمة وفصل الخطاب، أو ما يراه في نفسه، فرادةً، وامتيازًا على الآخرين. الملفت في هذا الباب، أننا نتحدث عن التحديث، وعن التقدم، في حين تنصاع أكثريتنا، على المستوى الفكري، لسلطة العقل الجمعي، فتبدي حماسًا مستمرًا، لترديد المقولات الدارجة الساذجة الرائجة، دون فحص. فنزعة إرضاء القبيلة، بكل صورها التي ذكرناها، تبقى هي القوة المسيطرة، التي تسلب عقل الفرد، الحيدة والموضوعية. ويظهر هذا، في ما نحن بصدده هنا، في تصدي، من لا يعرفون الكتابة، ومن لا يقرأون ما يكفي، لكل صاحب رأيٍ جديد، بآراء فجة، فطيرة. يجري ذلك ممن لم يدرسوا الظواهر، وليس لهم أصلا اهتمامٌ بدراستها، وليس لهم تدريب في دراستها. يخوّل العقل الرعوي لصاحبه حق الخوض في كل شيء، بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

عمومًا، تحصر بنية العقل الرعوي، في غالب أحوالها، الفرد في خندق الدفاع عن العقل الجمعي. وليس أسهل على الفرد من تملق العقل الجمعي، وترديد ما هو مردّدٌ، أصلاً، مما يجلب الاستحسان السريع، والهتاف. يضع عقل القبيلة، أو قل “العقل الرعوي”، الفرد تحت ابطه، ويكيّف حركاته وسكناته، فيصبح أسيرًا، دائم الأسر، لسلطة السائد. بل، يصبح غير واعٍ بأنه مأسور. لذلك، لا يتردد في شهر السلاح في وجه كل من يحاول تحريك الراكد. تنفي سلطة “العقل الرعوي”، بحكم تكوينها التاريخي، وآلياتها، والظروف التي انوجدت فيها، سلطة العقل والمنطق والحجة. كما يحبسها الزهو الأجوف، والشعور الدائم بالاكتمال والاكتفاء، في إطار الترديد الببغاوي، للمقولات المحفوظة. بهذه الأوصاف، تقف بنية العقل الرعوي، بحكم تكوينها، في وجه نور العقل، وفي وجه الحداثة، وفي وجع التطور والتجديد، وفي وجه سائر القيم الرفيعة، بل، وفي وجه العدالة وحكم القانون، معيقةً، بذلك، تحقيق كل أولئك على الوجه الصحيح. ولسوف أعرض في ما هو مقبلٌ من حلقات، لمزيدٍ من تمثُّلات بنية العقل الرعوي المنحدرة من تاريخنا، مشتبكةً مع بُنى المصالح الضيقة، وامساكها بتلابيب ما نحسبه، خطأً، حياةً سودانيةً حديثة.

(يتواصل)