نبيل أديب

كنا فى الاسبوع الماضى قد تناولنا حق الإضراب وفقا للمستوى الدولي، والذي تعبر عنه منظمة العمل الدولية بواسطة لجنة الخبراء ولجنة حرية التجمع وتفسيراتهما للمادة 8 (1) د من العهد الدولى الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية لعام 1966. ورأينا أن حق الإضراب لا يجب أن يقتصر فقط على النزاع العمالى بين العاملين والمخدم، بل يشمل أيضا الحق فى الإضراب إحتجاجا على سياسة عامة تؤثر على المستوى المعيشي للعمال، وحق العمال فى الإضراب تعاطفاً مع عاملين آخرين. ورأينا عدم جواز منع الموظفين العمومين من الإضراب بشكل عام، وتعرضنا لحالات تقييد الحق فى الإضراب بالنسبة للموظفين العموميين الذين يباشرون سلطة الدولة نيابة عنها، وبالنسبة للعاملين فى الخدمات الضرورية بالمعنى المقيد لهذا التعبير.

يثير نزاع ضباط السجون مع الحكومة في المملكة المتحدة مسائل قد تغير من القواعد التي تحكم إضراب من يمثلون الدولة. كان يُعتقد في ظل قانون السجون 1952 أن ضباط السجن، مثل الشرطة، ممنوعون من الإضراب إعتماداً على أن قانون السجون 1952 يقرر أن ضابط السجن يتمتع ب “كافة الصلاحيات والسلطات، والإمتيازات والحماية المقررة لشرطي”وهو الأمرالذي تم تفسيره بأنهم كالشرطة ليس لهم الحق في الإضراب.
في عام 1994، جعل المحافظون هذا الأمر أكثر وضوحا من خلال إدخال حظر قانوني على الإضراب في قانون العدالة الجنائية والنظام العام. لكن هذا الحظر تم رفعه في 2003عام،  بعد حملة طويلة من قبل إتحاد ضباط السجون.
بدلا من الحظر القانوني، تم التوصل إلى اتفاق طوعي بين إتحاد ضباط السجون، ومصلحة السجون، إستبعد الإضراب على وجه التحديد، كوسيلة لتسوية النزاعات.  لما كان هذا الاتفاق يشكل عقد مدني واجب النفاذ قانونا، فقد لجأت الحكومة إلى المحكمة العليا عندما أعلن ضباط السجون إضراب ليوم واحد في عام 2007 والتي أصدرت أمراً بعودة المضربين إلى العمل أو مواجهة إحتمال الحكم عليهم بغرامات باهظة. رغم صدور الأمر فقد نفذ المضربون إضرابهم رافضين الإنصياع للأمر القضائى الذي يمنعهم من ذلك، إلا أن الحكومة رأت أنه من الحكمة التغاضى عن ذلك، وعدم إتخاذ أى إجراء بشأنه. بعد تكرر النزاع قدم ضباط السجون فى المملكة المتحدة في 2012 دعوى لدى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية ضد المملكة المتحدة، يسعون فيها  لإعلان أن المملكة المتحدة قد إنتهكت حقهم  المقرر بموجب المادة 11 من الاتفاقية، وهو الحق في “حرية التجمع السلمي و. . . التجمع بما في ذلك حق الأفراد في تشكيل والانضمام إلى نقابات لحماية مصالحهم”. كما ويطالبون بالتعويض عن الأضرار الناجمة عن ذلك الخرق. وما زالت الدعوى ماثلة أمام المحكمة.

 ونوالي فيما يلي عرضنا للشروط المقبولة عالميا لحق الإضراب.

شروط شرعية الإضراب

حق الإضراب ليس حقاً مطلقاً، وقد إشترطت القوانين الوطنية عدة شروط حتى يكون الإضراب شرعيا، ولكن اللجنة المختصة بحرية التجمع إشترطت لقبولها أن تكون معقولة، وأن لا تضع قيوداً تحد من حق المنظمات النقابية فى الإضراب بشكل جوهرى، كما رأت أن سلطة الفصل فى شرعية الإضراب يجب أن تكون لدى جهة محايدة .

 وقد أدخلت اللجنتان تبعاً لذلك العديد من التعديلات على القواعد التى وضعتها القوانين الوطنية، فإشترطت بالنسبة للآلية التى تضعها لحل النزاع أن تكون غرضها الوحيد التوصل لحلول وليس تقييد الحق فى الإضراب، وأن لا تكون معقدة أو بطيئة، بحيث يصبح الإضراب المشروع  مستحيلاً (كما فعل القانون السودانى كما سنرى حالاً)، أو يفقد جدواه. وقد إشترطت اللجنة الخاصة بحرية التجمع أن يقتصر التحكيم الملزم على حالة قبول الطرفين لذلك التحكيم. وقررت أنه بصفة عامة لا يجوز إرغام المنظمات العمالية على اللجوء الى التحكيم ما لم تقبل هى بإرادتها الحرة ذلك، أو أن تكون تلك الاجراءات ضمن إتفاقية جماعية تم الإنضمام إليها بإلارادة الحرة لأطرافها.

وقررت اللجنة عدم جواز إشتراط نصاب قانوني عالي أو أغلبية عالية، ورأت أن وضع شروط يصعب تحقيقها ينتهك الحق فى التجمع. وقد ذكرت اللجنة فى شكوى حديثة أن تتطلب أن يصدر قرار الإضراب بما يزيد عن خمسين فى المائة من مجموع عضوية المنظمة، هو إشتراط تعسفى يصعب تحقيقه، وقد أيدتها فى ذلك لجنة الخبراء. بالنسبة لحرية غير المضربين فى الإلتحاق بالعمل قبلت اللجنة ما يعرف بالـ Picketing ، والذي يتم بموجبه تجمهر العمال المضربين حول مكان العمل، بشرط أن يكون سلمياً، ويقتصر على محاولة إثناء العاملين غير المضربين عن الإلتحاق بالعمل .

فرض الحد الأدنى من الخدمات على المضربين

إشترطت لجنة الخبراء لمنع العاملين فى الخدمات الاساسية من الإضراب إيجاد ضمانات تعويضية compensatory guarantees  وأنه فى الحالات التى لا يكون من المنصف حظرها كليا، يجب إباحتها بشرط توفير القدر الأدنى من الخدمة. على أن ذلك يجب أن يقتصر على حالات الخدمات الضرورية بالمعنى المقيد لهذا التعبير، أوالخدمات التى أصبحت ضرورية بسبب ظروف الإضراب، أو حالات الطوارئ، أوالخدمات ذات الأهمية القصوى. وقد قررت لجنة حرية التجمع أن سلطة تحديد ما هو الحد الأدنى من الخدمات الذى يقدم، وعدد العاملين الذين يقدمونه، لا يجب أن تنفرد به السلطات العامة، بل يجب أن يتم بالإتفاق عليه مع أصحاب العمل، ومنظمات العاملين فى القطاع المعين، للوصول لتحديد لا يؤثر سلباً على حياة المواطنين، ولا على فاعلية الإضراب. ورأت اللجنة أنه فى حالة الخلاف بين الأطراف المذكورة حول تحديد ذلك يجب أن يتم الفصل فى ذلك الخلاف بواسطة جهة محايدة.

حماية منظمي الإضراب

تقتضى حرية التجمع وتكوين النقابات وما يتبعها من حق فى الإضراب حماية منظمي الإضراب، وقادة منظمات العمال وعضويتها من الإجراءات التعسفية Measures  Prejudicial  فى مواجهتم، بما فى ذلك الفصل كما تحدده المادة الأولى من الإتفاقية رقم 135. وتنص المادة الرابعة من نفس الإتفاقية على وجوب توفير حماية كافية للموظفين العمومين ضد الإجراءات المؤسسة على التمييز ضد التجمعات النقابية فى وسطهم. وعلى وجه الخصوص ضد الإجراءات التى تهدف لمنعهم من الإنضمام أو البقاء فى تنظيمات الموظفين النقابية، أو فصلهم، أو التمييز ضدهم بسبب عضويتهم فى تلك التنظيمات، أو بسبب ممارستهم لنشاط يقع ضمن أنشطة تلك المنظمات. وقد قررت لجنة الخبراء فيما يتصل بذلك ما يلى (حيث أن الحفاظ على علاقات عمل هو نتاج طبيعي للإعتراف بحق الإضراب، فإن ممارسته لا يجوز أن تتسبب فى فصل العاملين المضربين أو التمييز ضدهم). وبالإضافة لعدم جواز فصل العاملين لمشاركتهم فى إضراب مشروع، فإن لجنة الخبراء إفترضت دائما أن فصل منظمى الإضراب المتزامن مع الإضراب او اللاحق له يعتبر فصلاً تعسفياً تسبب فيه النشاط النقابي للمفصولين، بل وإفترضت اللجنة أن يكون القصد من فصل المشاركين فى الإضراب فى مرحلة الإعداد لذلك الإضراب هو عرقلة التحضير للإضراب، وإعتبرته تبعاً لذلك فصلاً تعسفياً.  من الجهة الأخرى قررت لجنة الخبراء أنه لا يجوز فى كل الأحوال حرمان أى شخص من حريته أو تعريضه لعقاب جنائي بسب مشاركته فى إضراب سلمي.

كذلك فقد رأت اللجنة أن مجرد تعويض العاملين عن الفصل بسبب الإضراب قد لا يكون كافيا، وإنما يجب أن يكون العلاج لذلك الاجراء التعسفي هو بإعادتهم للعمل. وقد رأت لجنة حرية التجمع ضرورة حماية العاملين ضد الاجراءات التعسفية التى تؤخذ ضدهم بمناسبة مشاركتهم فى الإضراب، والتى لا تقتصر على الفصل، بل تتعداه إلى النقل، وتخفيض المرتب، ووضعهم فى قائمة سوداء، وتطلب توقيع تعهدات، والعقوبات الجنائية. وقد أوضحت اللجنة أنه لضمان عدم إتخاذ مثل هذه الاجراءات التعسفية قد يكون من المستحسن إقامة آليات لمنع وقوعها، مثل تطلب موافقة هيئة مستقلة على إجراءات معينة قبل إتخاذها فى مواجهة ممثلى العمال، أو عدم جواز فصلهم أثناء توليهم تلك المناصب، أو بعد إنتهاء فترتهم ،إلا بسبب  سوء السلوك .

حظر القيام بأعمال إجرامية

عدم فرض عقوبات جنائية بسبب الإضراب، يقابله إلتزام المضربين بعدم إرتكاب أعمال إجرامية. لذلك ذكرت اللجنة المختصة بحرية التجمع فى شكوى تم فحصها حديثاً حول إضراب مراقبي تحكيم الحركة الجوية ( إن تغيير كلمة المرور من قبل المضربين والذى يعرض حركة الطيران وحياة المسافرين للخطر يمنح الحكومة الحق فى رفض إعادتهم للعمل)  وقد لاحظت اللجنة أن حماية الحق فى التجمع لا يتضمن حماية إساءة الحق فى الإضراب بإرتكاب أفعال جنائية أثناء الإضراب  كتخريب الممتلكات .

تعارض حق الإضراب مع الحقوق الأخرى

وكانت محكمة العدل الأوربية قد تعرضت لعدد من الشكاوى فيما يتعلق بالإضرابات التى تخرق حقوق أخرى منها الدعوى والتى رفعها لافال ـ وهو مواطن من لاتفيا أقام إستثمار فى السويد ـ ضد إضراب قاده العمال السويديون لعدم إلتزامه بالإتفاقية الجماعية بين أصحاب العمل والعمال فى السويد ،وقد أقام لافال دعوى ضد إتحاد العمال الذى كان قد فرض حصاراً عاماً على كل المواقع التابعة للافال فى السويد . عندما وصل الأمر لمحكمة العدل الاوربية رأت أن حرية تقديم الخدمات عبر الحدود فى أروبا، هى حرية نصت عليها المادة 41 من المعاهدة الاوربية، وأنها تعتبر حرية أساسية لا يجوز للمضربين عرقلتها متبعة فى ذلك عدد من السوابق التى كانت أصدرتها من قبل . ولكن فى دعوى حديثه تشكل معلماً فى التطور القانوني الخاص بحق الإضراب قررت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان فى دعوى ENERJI YAPI-YOL SEN v. TURKEY

أن حق الإضراب هو أحد حقوق الإنسان المعترف بها قانوناً وبالتالي فإنه لا يخضع للتقييد إلا فى أضيق الحدود، ووفقا للمعايير المقبولة قانونا.وأدانت المحكمة تركيا  لخرقها للمادة (11) من الإتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان المتصلة بحق التجمع المتضمنة للحق فى تكوين والإنضمام للنقابات، وذلك بسبب إصدار الحكومة التركية لأمر منعت بمقتضاه الموظفين العموميين من المشاركة فى إضراب نظمه إتحاد العمال للإعتراف بالحق فى المفاوضات الجماعية فى القطاع العام . ذكرت المحكمة أن قدرة التنظيمات العالمية على الدفاع عن أعضائها، تتصل اتصالاً وثيقا بحق الإضراب، وبالتالي فإن الحق فى الإضراب لا يمكن تقييده إلا فى ظروف محددة تحديداً قاطعاً، لا يجوز التوسع فى تفسيرها، يحددها مسبقا قانون لتحقيق مصلحة مشروعة للدولة وذلك فقط عندما يكون ذلك  ضرورياً بالنسبة لمجتمع ديمقراطي. وعلى ذلك فإن أحكام محكمة العدل الأوربية فى دعاوى لافال والفايكنج والتى أجازت تحديد حق الإضراب لحماية الإلتزام نحو حرية حركة السلع يجب إعادة النظر فيها على ضوء هذا الحكم.

إلزامية المبادئ الدولية بالنسبة للقانون السوداني

والسؤال هو هل هذه المبادئ ملزمة بالنسبة للقانون السوداني ؟

فى تقديري أن الاجابة يجب أن تكون بالايجاب وذلك إستناداً لنص المادة 40 (1) و (2) من الدستور ( يكفل الحق في التجمع السلمي ، ولكل فرد الحق في حرية التنظيم مع آخرين بما في ذلك الحق في تكوين الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات والاتحادات المهنية والانضمام إليها حماية لمصالحه ) ( ينظم القانون تكوين وتسجيل الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات والاتحادات المهنية وفقاً لما يتطلبه المجتمع الديمقراطي ) .

أضف لذلك أيضا أن المادة 27 (3) تنص على ( تعتبر كل الحقوق والحريات المضمنة فى الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الانسان والمصادق عليها من قبل جمهورية السودان جزءً لا يتجزأ من هذه الوثيقة ) وتنص المادة 21 من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية على ما يلي (. لكل فرد حق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، بما في ذلك حق إنشاء النقابات والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه.
2. لا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم. ولا تحول هذه المادة دون إخضاع أفراد القوات المسلحة ورجال الشرطة لقيود قانونية على ممارسة هذا الحق.
3. ليس في هذه المادة أي حكم يجيز للدول الأطراف في اتفاقية منظمة العمل الدولية المعقودة عام 1948 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي اتخاذ تدابير تشريعية من شأنها، أو تطبيق القانون بطريقة من شأنها أن تخل بالضمانات المنصوص عليها في تلك الاتفاقية.
) .

كما وتنص المادة 8 من العهد الدولى للحقوق الإقتصادية والثقافية والذى إنضم له السودان عام 1986 على ما يلي (تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بكفالة ما يلي:

(أ) حق كل شخص في تكوين النقابات بالاشتراك مع آخرين وفى الانضمام إلى النقابة التي يختارها، دونما قيد سوى قواعد المنظمة المعنية، على قصد تعزيز مصالحه الاقتصادية والاجتماعية وحمايتها. ولا يجوز إخضاع ممارسة هذا الحق لأية قيود غيرتلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو النظام العام أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم،

(ب) حق النقابات في إنشاء اتحادات أو اتحادات قومية، وحق هذه الاتحادات في تكوين منظمات نقابية دولية أو الانضمام إليها،

(ج) حق النقابات في ممارسة نشاطها بحرية، دونما قيود غير تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو النظام العام أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

(د) حق الإضراب، شريطة ممارسته وفقا لقوانين البلد المعنى.

٢. لا تحول هذه المادة دون إخضاع أفراد القوات المسلحة أو رجال الشرطة أو موظفي الإدارات الحكومية لقيود قانونية على ممارستهم لهذه الحقوق.

٣. ليس في هذه المادة أي حكم يجيز للدول الأطراف في اتفاقية منظمة العمل الدولية المعقودة ١٩٤٨ بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي اتخاذ تدابير تشريعية من شأنها، أو تطبيق القانون بطريقة من شأنها، أن تخل بالضمانات المنصوص عليها في تلك الاتفاقية.)

ومن مجموع كل هذه الاحكام فإن المستوى الدولى الذى تبنته منظمة العمل الدولية فى الإتفاقات التى عقدت بمبادرة منها والمستوى الدولى الذى تبنته الدول الديمقراطية ملزم لحكومة السودان وللتشريع السودانى الذى لا يجوز له أن ينتقص منها أو يصادرها وفقاً للمادة 27 (4)من الدستور.

قانون نقابات العمال لعام 2010

تنص المادة 6 من قانون نقابات العمال لعام 2010 على ما يلي

          (1) يكون نشاط الإتحادات والنقابات مشروعاً بالنسبة إلى كافة ما تتخذه من وسائل لتحقيق الأهداف التي أسست من أجلها بما في ذلك الإضراب عن العمل وفقاً لأحكام هذا القانون ونظامها الأساسي ولا يترتب عن هذا النشاط أي مسئولية مدنية أو جنائية .

(2)      دون الإخلال بنص البند (1) لا يعفى من المسئولية الجنائية والمدنية أي عضو من أعضاء الإتحادات أو النقابات إذا سبب فعله أضراراً بالغير .

 

والمادة كما نرى تلتزم بالمستوي الدولي بالإعتراف بحق الإضراب، ولكنها تقيده بأن يكون وفقاً لأحكام القانون ونظام النقابات الأساسي. ولما كان القانون لايحمل بعد ذلك أحكاماً خاصة بالإضراب فيكون من حق النقابات تضمين الأحكام الخاصة بالإضراب وفق المستوى الدولي، في النظام الأساسي الخاص بها، وإن كان ذلك بالطبع يخضع لقرار المسجل العام للتنظيمات النقابية. من الجهة الأخرى فإن الفقرة (2) تقرر المسؤولية المدنية والجنائية لأي عضوء من أعضاء الإتحادات أو النقابات إذا سبب فعله ضرراً للغير، وهي فقرة شديدة الغموض، وتفتح الباب لتفسير مخالف للقانون والدستور، إذا ما فسرت بأن الأضرار الناجمة عن الإضراب يمكن مساءلة الأفراد الذين نفذوه عنها مدنياً وجنائياً، رغم مشروعية قرار الإضراب. من جهة ثالثة لم يتحدث القانون عن الأحكام الخاصة بالإضراب في قانون العمل، وهي أحكام كما سنرى حالاً مقيدة ولما كان قانون نقابات العمل لا يتبنى أي تفاصيل لحق الإضراب فالإفتراض  القانوني هو بقاء أحكام الحق فى الإضراب فى قانون العمل وهي أحكام كما سنرى مخالفة للدستور

الحق فى الإضراب فى قانون العمل

نظم قانون العمل الحق فى الإضراب فى الفصل الثاني عشر منه، وهو تنظيم معيب، لعل أهم عيوبه هو أنه وضع قيوداً على ممارسة الحق فى الإضراب تؤدى لمصادرة الحق عملياً. فقد نصت المادة 124 من قانون العمل لعام 97 على ما يلي ( يحظر على العمال أو الموظفين التوقف عن العمل كليا أو جزئيا ويحظر على المخدم قفل مكان العمل كليا أو جزئيا بسب أى نزاع عمالي وذلك في الحالات الاتية : أ/ قبل الدخول في المفاوضات ب/ مباشرة بعد تقديم أي طلب للتوفيق من جانب أى طرف ج/ اثناء إجراءات التوفيق د/ مباشرة بعد قرار الوالي بإحالة النزاع الى التحكيم هـ/ أثناء إجراءات التوفيق و/ بعد إصدار او إعلان قرارات هيئة التحكيم )

بدأت المادة بتأكيد إلزامية الدخول فى المفاوضات ولا مشكلة فى ذلك ولكن المشكلة تكمن فى حكم المادة 106 من القانون، والتى تقضى بأنه اذا لم يتوصل الطرفان لإتفاق جاز لأى طرف أن يتقدم بطلب للسلطة المختصة (وزير العمل أو الوالي) بالتدخل للتوفيق، والتى يجوز لها أن تأمر بإحالة النزاع للتوفيق من تلقاء نفسها وحتى لو لم يقدم لها طرف بطلب لذلك. واذا قدم أى طرف طلبا بذلك إلتزم الطرف الثانى بإنتظار قرار السلطة المختصة. أى أن كلاً من صاحب العمل والسلطة يمكنهما منع العمال من ممارسة حق الإضراب لحين إنتهاء مرحلة التوفيق، بغض النظر عن مدى جدية الإحالة للتوفيق. فإذا لم تتم تسوية النزاع ودياً خلال ثلاثة أسابيع وجبت إحالة النزاع للتحكيم ولا يلزم لذلك موافقة العاملين ،ويكون قرار التحكيم ملزما. وهذا يعنى مصادرة حق الإضراب تماما لأنه يجعل قرار الإضراب فى يد السلطة والتى يجوز لها عقب التفاوض غير المثمر منع العاملين من الإضراب بتحويل النزاع للتوفيق، و لايجوز للعمال أن يضربوا فى هذه المرحلة وإذا لم يقبلوا ما يطرح عليهم فى التوفيق يتم إلزامهم بالتحكيم، والإحالة للتحكيم تمنع الإضراب نهائياً .كل هذه القيود تمنع المنظمات العمالية من ممارسة حق الإضراب، وتجبرها على قبول تسوية حتى تتفادى اللجوء للتحكيم، خاصةً وأن تشكيل لجنة التحكيم لا يجعل منها هيئة تكوينها غير متوازن. تتكون الهيئة برئاسة قاض، وعضوية ممثل للعاملين، وممثل لصاحب العمل، إضافة لممثل لوزارة القوى العاملة وأحد ذوى الخبرة ترشحه السلطة المختصة .أى أن هنالك ممثل واحد للعاملين فى هيئة تحكيم مشكله من خمسة أعضاء . وإذا كان صاحب العمل فى النزاع هو احد المؤسسات أو الهيئات العامة أو الشركات التى تملك الحكومة 50% أو اكثر من أسهمهما، فإن وزير المالية أو الوالى يعين إضافة للمذكورين ممثلاً له فى هيئة التحكيم. وبناء على كل هذا فإن لجنة التحكيم التى ستصدر قرارا نهائيا فى النزاع ستكون فيها كفة الحكومة وأصحاب العمل أرجح، مما يجعلها تفتقد التكوين المتوازن اللازم بالنسبة لهيئة التحكيم المقبولة فى المستوى الدولى . وإذا كان مجرد فرض اللجوء للتحكيم مخالف للمستوى الدولى المطلوب، فما بالك إذا كانت هيئة التحكيم المفروضة على ذلك النحوغير محايدة. وهذه الأحكام تخالف الأحكام الدستورية حول الحق فى الإضراب.

نبيل أديب عبدالله

المحامى