خالد فضل

  أقرُّ بأنّني على المستوى العاطفي كنت أتمنى فوز السيّدة هيلاري , لأنّها كانت ستكون أوّل سيّدة ترأس الولايات المتحدة الأمريكية , ولا غرو فالنموذج الديمقراطي الأمريكي , والتكوين التعددي للمجتمع الأمريكي يُعتبران من الملهمات في عالمنا المعاصر . لذلك فإنّ فوز سيّدة عقب إنتهاء دورتي الرئيس أوباما كأوّل رئيس من أصول زنجية يصل إلى البيت الأبيض , كان ذلك سيعتبر تقدُّما باهرا في المجتمع الأمريكي نحو  تأكيد جدارته العالمية . فقد تخطّى ذلك المجتمع عقدة التفرقة العنصرية التي كانت سائدة حتى في زمن  مولد أوباما , وبعد أربعة عقود تمّ تجاوزها فعليا و ديمقراطيا . وبالمثل كان يمكن لفوز هيلاري أنْ يدفع بمسألة المساواة والعدالة في النوع مما يمنح النساء في كل العالم فرصة جديدة لتأكيد جدارتهن بتولي أرفع المناصب في أقوى دول العالم وأكثرها تقدُّما .

  أتت الرياحُ بما لم تشتهه سُفني وسفن الكثيرين ممن أيّدوا السيّدة كلنتون , ولكن صمد النموذج الديمقراطي , وأكّد مرة أخرى على أنّ الديمقراطية هي خيار البشرية الأفضل بدون مزايدات أو إدعاءات فارغة لا تصمد أمام إختبارات الممارسة الجدية , ولنا في تجربة السودان الماثلة منذ 27سنة خير برهان ودليل , فبالغا ما بلغت درجات السوء لنظامنا الديمقراطي وهشاشته واضطرابه ؛ بيد أنّ ما أعقبه من نظام للحكم والحياة فاق كل التوقعات , لقد استرجع السودانيون مقولة نُسبت للأستاذ محمود محمد طه (بأنّ الإخوان المسلمين يفوقون سوء الظن العريض ), وعطفا على هذه التجربة المريرة يمكن ملاحظة أنّ كلّ المآخذ التي أُخذت على السيد ترامب إبّان حملته الإنتخابية تعتبر في تجربتنا الراهنة من المتبلات فقط , فقد عشنا تجربة ترامب من ترامباتنا هنا وهو يصرخ ب(منع الجنوبين من الحقنة) , فما جريرة ترامب إذا قال إنّه سيبني سور أمريكا العظيم في وجه المكسيكيين وغيرهم من اللاتينيين ؟ فتجربتنا مع ترامباواتنا تشير إلى بلوغ حد الإبادة والتطهير العرقي والتهجير القسري والإغتيالات الممنهجة  وإشعال حروب العرقيات والحواكير والقبائل والجهات , أو ليس ترامب بأفضل حالا , وإذ هو يشير في خطاب النصر إلى وعيه بالإنقسام في المجتمع الأمريكي لكنه يعد بأن يكون رئيسا لكل الأمريكيين وليس زعيما لطائفة من مؤيديه , وفي خطاب إنقسام بلادنا سمعنا وشاهدنا كيف أنّ ترامبنا يبشر بنهاية (الدغمسة والتعددية ) وعبء الجنوب الذي انزاح ! ترامب يعد بتحسين المدن والطرق والخدمات , وفتح الوظائف لتشغيل شعبه , وهنا بفضل ترامبنا , يتم تطويق المدن بالعسس والجنجويد لقمع أي مجمجة , تسيل دماء شبابنا في مظاهرة وتسجّل الواقعة ضد مجهول , والمغنية المشهورة ليدي غاغا تعتلي سطح سيارة نقل النفايات أمام برج ترامب في نيويورك وترفع لافتة (إنّي أكرهك ) , ثمّ تعود إلى بيتها وغنائها وبرامجها المعتادة , فيما يقبع خلف الله العفيف ورفاقه من معتقلي مركز تراكس للتدريب والتنمية البشرية خلف القضبان لشهور جاوزت نصف العام , قضوا خلالها فترة حبس طويلة في زنازين ضيقة وفي ظروف سيّئة لدرجة إعتبار سجن الهُدى فندق 5نجوم فتأمل في رزايا ترامب وقف تأمّل فيما نحن نعمه فيه , تهمة خلف الله ومصطفى وأروى ومدحت وليللي ورفاقهم , تدريب الناس على مقاطعة الإنتخابات , ثمّ شوي شوي , تقويض النظام الدستوري , ثمّ شوي شوي التسبب في توجيه الإتهامات لرئيس الجمهورية وزمرة المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي , علما بأنّ مركز تراكس تأسس في 2013م والتهم تلك وجّهت منذ العام 2009م , فهل كان موظفو تراكس ضمن طاقم اللجنة الوطنية أو اللجنة الدولية التي بموجب تحقيقاتها تمّ تحويل الملف للمحكمة الدولية عن طريق الإحالة من مجلس الأمن .

نعم فاز ترامب وهذا خيار شعبه , لم يحدث خجّ لصندوق إقتراع , لم يحدث تحويل رصيد لسد فجوة النصاب , وبينما كانت منافسته تتصل به مهنئة , والرئيس أوباما يدعوه للتشاور حول إنتقال سلس للسلطة , في هذه الأوقات بالتحديد يحتوي معتقلات ترامبنا عشرة أطباء سودانيين بمن فيهم إختصاصيين , بجريرة الدعوة لإضراب جزئي مبرمج عن الحالات الباردة حتى تستجيب حكومة ترامباواتنا  لما كانت إلتزمت به من وعود قبل أقلّ من إسبوعين . عندما كانت هيلاري تهنئ ترامب وترامب يُشيد بصدقها وإخلاصها في خدمة وطنها ,في تلك اللحظات بالضبط , كان الجندرمة يقتادون المهندس عمر الدقير إلى المعتقل , رفقة قيادة حزب المؤتمر السوداني كلها , وينبري السيد الطبيب أحمد بلال عثمان وزير الإعلام بالقول إنّ من تثبت عليه تهمة التحريض على المظاهرات سيقدّم للمحاكمة , وكان مجلس حرب ترامبنا المسمى بالبرلمان قد شرّع من قبل عقوبة السجن لبضع سنوات لكل مواطن سوداني مجرم يتظاهر ضد سلطة الترامبوات !! وتقول لي ترامب ياخ .