الخرطوم : قرشي عوض

زعمت الحكومة السودانية أن محدودية التحركات الشعبية ضد القرارات الاقتصادية الأخيرة مؤشرا لقبول الشعب بها، حيث أدلى الفريق بكري حسن صالح النائب الأول لرئيس الجمهورية بتصريحات تناقلتها صحف الخرطوم الصادرة الاسبوع الماضي، ذكر فيها أن عدم تحرك الشارع حتى الآن، يعد دليلاً على قبول الشعب بالقرارات الاقتصادية الأخيرة.

إلا أن مراقبين حذروا من حالة الاحتقان والغضب الشعبي المتنامي بسبب تزايد الضغوط المعيشية الذي يمكن ان تكون نتيجته انفجار  الشارع.

وهذه النتيجة حاضرة في حسابات الحكومة التي استبقت إعلان زيادة أسعار الوقود وتعويم الجنية  برفع درجة الاستعداد في أجهزة الشرطة والأمن إلى أقصاها تحسبا لتكرار احتجاجات سبتمبر 2013، فقد أصدر رئيس هيئة الشئون الادارية والتخطيط الفريق شرطة حقوقي بابكر سمرة مصطفى، خطابا موجها  الى كافة الوحدات التابعة للشرطة”اطلعت عليه التغيير الإلكترونية”، يطالبها بوضع جميع قواتها في حالة الاستعداد بنسبة 100% اعتبارا من يوم الأربعاء 2 نوفمبر، والى حين توجيهات اخرى.

استعداد أمني

إلى ذلك يرى سياسيون وخبراء قانون وإعلاميون، في إفادات لـ(التغيير الإلكترونية)، أن الحكومة قد ابتدرت حملة قمع تجاوزت بها الدستور وقانون الأحزاب والقرار الجمهوري رقم (158) والذي يبيح للاحزاب القيام بمخاطبات خارج دورها، وقامت باعتقال أكثر من (20) كادراً سياسياً إلى جانب استمرار الاعتقالات وسط الاطباء وممارسة الضرب في حق الناشطين.

وحول حق الشعب في التظاهر والاحتجاج السلمي ضد قرارات الحكومة بتعويم سعر الجنيه وزيادة الاسعار يرى صالح محمود المحامي والخبير في القانون الدولي والمدافع عن حقوق الانسان أن المادة (27) من الدستور الانتقالي لسنة (2005) المتعلقة بوثيقة الحقوق والحريات، تعطي الحق الكامل لجماهير الشعب في التعبير والاحتجاج بكافة الأشكال السلمية بمافي ذلك حق التظاهر والتجمع السلمي وإقامة الندوات والمخاطبات الجماهيرية وتقديم المذكرات والعرائض لمسؤولي الحكومة بمن فيهم رئيس الجمهورية لتوضيح رفضهم بشان القرارات الحكومية الأخيرة. هذا الحق تكفله كافة المواثيق الدولية والاتفاقيات التي يعتبر السودان جزء منها، ومن بينها الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في (10/12/ 1948) إلى جانب الميثاق الأفريقي لحقوق الانسان والشعوب ومواثيق الأمم المتحدة المختلفة. وأشار صالح إلى أن محاولة الحكومة منع الجماهير من ممارسة هذه الحقوق تعتبر انتهاك لنصوص الدستور وللمواثيق المشار إليها. كما أن استخدام القوة المفرطة ضد المواطنين والاعتقالات التعسفية الجارية الآن من شأنها أن تنتج عنها الجرائم الدولية الأكثر فظاعة في العالم من بينها الجرائم ضد الانسانية، وحذر الحكومة من تكرار تجربة ماحدث في هبة سبتمبر من العام (2013)، حيث استخدمت القوة المفرطة مما ادى الى استشهاد (200) شخص من المواطنين الأبرياء، وظلت هذه القضية واحدة من أهم الأجندة الأكثر بروزاً في دورات مجلس حقوق الإنسان في جنيف، والتي صدرت بشأنها القرارات والتوصيات بإجراء تحقيقات شفافة وعاجلة للوصول للمتورطين في ارتكاب هذه الفظائع وتقديمهم للمحاكمات.

وتوقع صالح في ظل عدم تراجع الحكومة عن القرارات المشار اليها  أن تتسع دائرة الاحتجاجات ،بسبب تحول حياة الشعب الى جحيم، وطالب الحكومة وأجهزتها المختلفة بالسماح للمواطنين بالتعبير السلمي عن رفضهم لهذه القرارات، والاستجابة الى مطالبهم العادلة في الغائها.

ومن جانب اخر لم يستغرب الاستاذ محمد ضياء الدين، الناطق الرسمي باسم تحالف قوى الاجماع الوطني، أن تلجأ الحكومة للحل الأمني في كافة المحكات التي تواجهها سياسياً واقتصادياً لأن الحل الدائم عندها هو اللجوء للاعتقالات، ولأنها لاتملك ماتقدمه كبديل للاعتقالات والاستدعاءات والمراقبة للحد من اي نشاط متوقع تقوده كوادر الاحزاب لمواجهة سياسات النظام، لذلك امتلأت السجون والمعتقلات بكوادر الأحزاب، وكذلك الأطباء، ولازال البعض يسجل حضوراً دائماً في أجهزة الأمن، بمعنى استدعاءات منهكة.

وطالب (ضياء) في إفادته للتغيير بإطلاق سراح المعتقلين ووقف الاستدعاءات والمراقبة، وعدم منع النشاط السياسي العام وفي الدور الحزبية، بما يتناسب مع القانون والدستور الذي يكفل للأحزاب السياسية حق ممارسة العمل السياسي السلمي بكافة وسائله.

من جانبها أدانت أحزاب قوى نداء السودان بالداخل الاعتقالات الأخيرة في اجتماع لها مساء التاسع من نوفمبر الجاري، كما أدانت الاعتقالات التي طالت قيادات الأطباء، واستهداف دور الأحزاب والحقوق السياسية والدستورية والحريات بواسطة مليشيات النظام، مثل اقتحامها للمركز العام لحزب المؤتمر السوداني أكثر من مرة واعتقال قيادات من الدار. وقال المهندس محمد فاروق، الناطق الرسمي باسم احزاب نداء السودان بالداخل في تصريح صحفي لـ(التغيير الالكترونية)، أن الاجتماع انعقد في ظل غياب المهندس عمر الدقير رئيس تحالف أحزاب نداء السودان بالداخل، والذي اعتقل فجر نفس اليوم من منزله بامدرمان،  و في ظل حملة النظام التي وصفها فاروق بالمسعورة منذ اعلان القرارات الاقتصادية الأخيرة وتنامي  الرفض الجماهيري لها ، والتي خلص الاجتماع المشار إليه لرفضها والتصدي لها، وتصعيد العمل الجماهيري في مواجهتها وإيقاف خط النظام الرامي لإفقار شعبنا ودعم فساده وخططه الحربية عبر السياسة المسماة زوراً برفع الدعم،وهو دعم غير موجود أصلاً، كما خلص الاجتماع إلى المشاركة في اجتماعات المجلس القيادي لقوى نداء السودان لمناقشة مرحلة ما بعد خارطة الطريق لعدم أهلية النظام للحل السياسي وتنصله عن التزاماته ، كما دعا الاجتماع لوضع برنامج لتصعيد المقاومة  السلمية، وطرح بدائل للعمل وسط الجماهير والتواصل معها لتحقيق آمال شعبنا في حياة آمنة وكريمة. وفي ظل تنصل النظام عن إتفاقه مع الأطباء لإصحاح الخدمات الصحية للمواطنين، أكد الاجتماع دعمه لإعلان اللجنة المركزية للأطباء لإضرابها المجدول كما طالب بالوقف الفوري لهذه الإنتهاكات والإطلاق الفوري لسراح المعتقلين .

وضمن توالي ردود الفعل السياسية على حملة الاعتقالات التي نفذتها الأجهزة الأمنية ضد عدد كبير من الناشطين السياسين والمهنيين ، أدان الحزب الشيوعي السوداني في تصريح صحفي نشرته صحيفته الرسمية الميدان يوم الخميس الماضي، أدان هذه الاعتقالات، وطالب بالإفراج الفوري عن كل المعتقلين السياسيين والنقابيين، أو تقديمهم لمحاكمة عادلة، والسماح لمحامييهم وأهلهم بمقابلتهم للتأكد من سلامتهم ووضعهم الصحي، كما طالب بإطلاق سراح الأستاذ مسعود محمد الحسن عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الذي يقضى اسبوعه الثاني رهن الاعتقال.

 قتل-اطفال-المدارس