حيدر ابراهيم علي

دأب شاعر كبير خلال مرضه على ترديد الحديث عن خذلان الجسد، وكان يقصد أن الأشواق والطموحات والرغبة في الإنجاز ما زالت حية وقوية وطموحة، ولكن الجسد المريض يقعد بالمريض ويحرمه من التحقق والفعل، وهذا يعني أن الروح تظل عظيمة وقوية، ولكن يخذلها الجسد المنهك والمتعب.

كانت تجربة مرضي الأخيرة سانحة لاختبار مقولة “خذلان الجسد” وإعطاء الروح فرصة للانتصار.

وقررت الدخول في تحد حقيقي بين قدرات الروح ومادية الجسد.

وبالتأكيد سوف ينبري لي خبيث أو متحذلق ليقول لي : مالك وأنت العلماني المادي وقدرات الروح؟ وهو لا يدري عدم وجود تناقض بين العلمنة والروحانية الحقيقية.

لأسباب عديدة منها أن العلمنة كثيرا ما تفهم بمعناها الأيديولوجي كمذهب وليس كعملية تطور اجتماعي يخضع لها في القرن الحادي والعشرين حتى أعتى السلفيين والمحافظين فليس هناك أدنى تناقض بين الروحانية والعلمانية ولكن لابد أن ندرك الفرق الشاسع بين التدين الشكلاني وبين التروحن أي أن تكون روحانيا.

وهناك كثير من المتدينين غير الروحانيين لأنه تنقصهم أبسط متطلبات الحب والذوق والتسامح فهم قادرون على  الكراهية والحقد والتعصب فقط بينما الله محبة.

 وهنا كثيرا ما يسندني صديق فكري هو الكاتب العراقي هادي العلوي والذي تعمق كثيرا في الأديان الشرقية والتجارب الصوفية وقد روج لفكرة التاوية. ومعناها المبسط هي القوة السارية في الموجودات. وتنسب إلى لاوتسه وهو فيلسوف معاصر لكونفوشيوس، وهي من النواميس الخاصة بتنظيم حياة الفرد والمجتمع بموجبه لتجنب الأضرار التي نجمت عن معاكسة الطبيعة من طرف الإنسان المتمدن.

ويقول هادي بأن الصين ليس فيها أنبياء ولا أديان بالمعنى المتداول لأن الدين يشمل العقيدة والطقوس والعبادات. كما أنه ليس في الصين فكرة عن المطلق ولم يبحث الفلاسفة الصينيون عن الأول أو بداية الخلق بنفس الطريقة التي عرفتها الأديان فهي تتحدث عن البداية ولكن ضمن حاجتها الى تصور الكون والقوة المنتجة فيه وفي التاوية البداية نسبية وهي بداية لقياس ما بعدها فقط ونقرأ في بعض نصوصها:

كانت هناك بداية
كانت هناك بداية تسبب هذه البداية.

ولكن العلوى افترق عن التاوية التي انقسمت بين الفلسفة والدين. ويفهمها بطريقته الخاصة. حيث يقول: لكي تكون تاويا يجب أن تكون بسيطا في كل شئ فالتاو يتعارض مع التركيب و الإفراط والغلو والإنسان التاوي هو الذي يعمل بلا رد فعل أي أنه ينتج ما هو خاص به وينسحب دون ضوضاء أو ادعاء أو لجاجة.

وينطبق هذا الشرط على الدولة المثالية ايضا وهنا تظهر الدعوة إلى ترك الناس للطبيعة وتحريرهم من الخوف أي من القمع سياسيا وأخلاقيا، وكل انسان – في التاوية – قادر علي ممارسة وضعه الطبيعي إذا تُرِك وشأنه. ويعنى ذلك أن الدولة تفعل أقل ما يمكن من الفعل وأن يصدر من القوانين أقل ما يجب لأنه مع كثرة الأوامر والنواهي يكون الاضطراب والتشويش.

ويرى العلوي أن هذه الفكرة موجودة في الفكر الإسلامي عند الخوارج والمعتزلة الذي يرون إمكانية الاستغناء عن الإمام أي عن الدولة كما أن أبا العلاء أنكر كل سلطة غير سلطة العقل.

ويقدم العلوي نفسه كمتصوف فهو يرى أن نشأته سياسيا واجتماعيا وطبقيا جاءت ردا على عسف الدولة وطغيانها من جهة وعلى اشتداد التفاوت الطبقي من جهة أخرى وفي رد على سؤال :ألا يفترض التصوف دينا أو وسطا دينيا ينشأ فيه ويمارس فعله؟ أجاب بكلا. لا يشترط التصوف وسطا دينيا لأنه حركة اجتماعية فكرية محكومة بخصوصيتها ومصادرها وينبه الى أن التصوف الإسلامي يجمع بين الثورة المعرفية والنضال الاجتماعي.

الروح لديه هي مفتاح مرحلة متقدمة في المعرفة لذلك فهو يفضل مفهوم المثقف الكوني على مفهوم المتصوف. وهذا المثقف روحي وثقافته روحية وقد جاءته من خلال سيرورة متواصلة ومتعمقة للعقل وهنا قد يتبادر إلى الذهن تحليل الأستاذ محمود محمد طه القائل بوجود ثلاث مراحل لتطور البشرية: مرحلة الجسد الصرف ثم مرحلة الجسد والعقل المتنازعين وأخيرا مرحلة الجسد والعقل المتسقين (مقدمة كتاب رسالة الصلاة الطبعة السابعة).

وتبدأ هذه الروحانية بتكوين مثقفي التحرر من التدين الشكلاني وعناصره الأولى هي الزهد ورفض اللذائذ والتي يسميها في مواقع أخرى الخساسات. وهذا المثقف-المتصوف هو مناضل اجتماعي يستمد قوته على خوض النضال من قوته الروحية أي من تجرده من مطالب الجسد ومطالب النفس، الأولى هي الأكل والشرب والجنس والملابس أما مطالب النفس فهي السلطة والوجاهة. وهو في هذه الحالة يتجنب الإفراط في كل هذه الأمور لكي يكون قادرا على مواجهة السلطات الثلاث وهي: الدولة وسلطة التدين الشكلي وسلطة المال. ويترتب على  ذلك ما يسميه التكوين المثقفي.

وفي هذا السياق يعطي تمييزا دقيقا بين الأمي والجاهل فالنبي امي ولكن ليس جاهلا بل مثقف. بينما هذا الفيلسوف الشهير – في رأيه – جاهل حين طالب باستخدام القنبلة النووية لهزيمة المعسكر الاشتراكي، ويدرج ضمن المتصوفة الغربيين (ماركس وجوته ولينين)

أسهبت في التعريف بأفكار العلوى بقصد التأكيد روحنة وعقلنة رفع التناقض بين المادية والعلمنة وبين الروحانية والتصوف. كما أنني تسلحت بأفكاره في معركة المرض ومعانقة الموت ونفي الفكرة القائلة بخذلان الجسد بمعنى أنه مع المرض والوهن تستمر الاشواق والطموحات والرغبة في الإنجاز ولكن الجسد يقعد بالروح ولا يساعدها في التحقق.

وقررت أن أصحب الروح في رحلة المرض فقد داهمتني الجلطة وتهت في مستشفيات القاهرة بدءا من السلام الدولي، ولكن نخرها الجشع وعدم الجدية وعدم المتابعة للعلم وبعد إهمال محكم الأركان، ولكنني كنت محظوظا فقد عرفتني د.ماجدة محمد علي على دكتور أشرف جوهر، وهو حفيد مخلص لابقراط مزود بكل الخصال المطلوبة في الطبيب الإنسانية والمعرفة والتواضع، وبمساعدة من الطبيبة البارعة د. راوية كمال إبراهيم أحمد تم انقاذي وكانت أول خطوة هي نقلي لمستشفى سان بيتر بميدان الحجاز، والتي تتميز بتمريض جيد وهذا ما تفتقده المستشفيات المصرية.

ولا أدري لماذا أفكر في وجود مافيا إخوانية طبية تنشط بين مصر والسودان، ففي السودان رسخوا فكرة عدم وجود طب ولا علاج في البلد لذاك يتجه المرضى لمصر، وغالبا ما يحدد لهم أسماء أطباء بعينهم وايضا مستشفيات.

وقد تأكد لي هذا الهاجس في الطريقة التي تتم بها عمليات نقل الكلى وتتم الصفقة وتنظم بادعاء وجود متبرعين بينما الضحايا شباب فقير مسكين يبيع كليته بألف دولار بينما يقرر الطبيب 35 ألف دولار لعملية النقل.

تجولت في عدد من المستشفيات وكان طيف الموت يحلق فوق رأسي اذ كانت كوابيسي وأحلامي كلها مقابلات مع الموتى فقد كان والدي حاضرا باستمرار في تلك الرؤى. وزارني أصدقاء لم أرهم شخصيا مثل المتنبي والبير كامو وزكي مراد وأنه بسبب قصيدة نجم والشيخ في رثائه: مسافر مسافر فقد رحل في حادث حركة عبثي،

وقد أتاني أثناء المرض عدد من أنباء رحيل أحباء عزيزين، منهم: القديس الزاهد محمد علي جادين، والمناضل الصلد الصبور تاج السر مكي، وعندليب الحروف والكتابة د. محمد عثمان الجعلي، وتذكرت مع رحيلهم قول أبي الطيب:

لولا مفارقة الأحباب ما وجدت       لها المنايا إلى أرواحنا سبلا

كأنه يقول أن موت الأحبة يجعلنا نضعف بالحزن حتى تتمكن المنايا من الوصول إلينا نحن ايضا.

أسميت تلك الفترة معانقة الموت من حيث الاقتراب، وللفرنجة مصطلح آخر: تجربة الاقتراب من الموت (near death experience). كنت أخشى النعي والعبارات النمطية إثر علة لم تمهله طويلا أو بعد صراع طويل مع المرض وأفضل تحدي شعراء الجاهلية:

وان كنت لا تستطيع دفع منيتي      فدعني أبادرها بما ملكت يدي

(أي دعني استمتع باللذات حتى يجيء الموت)

وهو يعلم أنه حتم:
وإذا المنايا أنشبت أظفارها      ألفيت كل تميمة لا تنفع

في مرحلة معانقة الموت بدأت ممارسة عادة غريبة هي الحوارمع الموت، وكان الحوار حول إمكانية التمهل حتى أكمل مشاريعي الناقصة، فالموت في بعض معانيه هو نقص عن انجاز: ولكل شئ إذا ما تم نقصان”

كذلك بعض بنود.. المطالب الخاصة جدا فانديرا لها قبلات صباحية لبداية يوم جديد لم تكتمل، ولمظفر بعض الحكايات والذكريات يريد أن يعرف خواتمها، ولي مع حياة بعض شيخوخة سعيدة لم نعشها بعد،

كما ولقد ترك لنا محمود في الجدارية تقليدا شعريا رائعا في التحاور، حيث يقول:

يا موت انتظر يا موت حتى أستعيد صفاء ذهني في الربيع
وصحتي لتكون صيادا شريفا لا يصيد الظبي قرب النبع.

فلتكن العلاقة بيننا ودية وصريحة. لك ما لك من حياتي حيث أملأها

ولي التأمل في الكواكب لم يمت أحد تماما تلك أرواح تغير شكلها ومقامها

 

وفي موقع آخر يظهر التحدي واللامبالاة ويقلل من شراسة الموت وقدرته المطلقة:

هزمتك يا موت الفنون جميعها، هزمتك يا موت الأغاني، في بلاد الرافدين، مسلة المصري، مقبرة الفراعنة، النقوش على حجارة معبد، هزمتك وانتصرت وأفلت من كمائنك الخلود
فاصنع بنا وأصنع بنفسك ما تريد

وللشاعر المغربي عبدالسلام المساوي تحت عنوان “جماليات الموت في شعر محمود درويش.

للموت جماليات وله أيضا أشكال متعددة تقول الشاعرة السودانية:
ما دايرالك الميتة أم رمادا شح      دايراك يوم لقا وبدميها تتوشح

ويكتب الشاعر البياتي عن نوع الموت العظيم للإنسان :

أن يموت واقفا وأعينه الى السماء

ويحكي عن أحد شيوخ الإدارة الأهلية أنه عندما أخبر عن موت صديق له من الشيوخ، كان تعليقه سريعا:

أماني الموت ما اتلوم مع شيخ فلان

وفي سياق التزود للتعايش أو معانقة الموت، رجعت لرواية ألهمتني صبرا وسلوانا عقب فجيعة فقدان أختي الصغرى “سمية” وهي للكاتب البرتغالي خوزيه ساراماغو عنوانها (death intervals)، وترجمتها مؤخرا الهيئة المصرية العامة للكتاب في سلسلة الجوائز تحت عنوان “انقطاعات الموت”.

وهي حكاية شيقة وممتعة بسبب خيال الكاتب الرائع يستهلها بأنه في مملكة ما تم إلغاء الموت وتقرر أنه منذ بداية اليوم القادم لن يموت أحد بالفعل لا يوجد أي دليل بأن أحدا قد مات في هذا اليوم المحدد ومما يؤكد هذا الخبر هو مقاومة الملكة الأم المسنة والتي كانت تحتضر منذ مدة فقد قررت عدم التخلي عن الحياة.

وانقضى اليوم الأول دون أن تسجل حالة وفاة واحدة لأي سبب من الأسباب. ولكن لم يسعد الناس بوقف الموت فقد ظهرت مشاكل اقتصادية واجتماعية عويصة ووجدت المملكة نفسها في أزمة وأصدر مدير وزارة الصحة بيانا يقول فيه أنه لا وجود لأي مبرر للذعر.

وقاطعه صحفي: أذكرك حتى يوم أمس كان هناك أناس يموتون ولم يكن يخطر ببال أحد أن يكون ذلك مثيرا للذعر هذا منطقي فالموت أمر عادي ولا يثير الموت الذعر إلا عندما يتكاثر كما في حرب أو وباء أي عند خروجه عن المألوف يمكنك قول ذلك ولكن تأتي الآن حين لا يوجد من هو مستعد للموت يطلب منا ألا نصاب بالذعر.

كان أول رد فعل من كاردينال المملكة الذي احتج علي القرار الذي أذاعه الوزير الأول لأن عدم وجود موت يعني عدم وجود بعث مما يهد أهم ركن في الديانة. ورد عليه بأنه يمكن أن تكون مشيئة الرب تريد خلود الجسد
تنوعت وتكاثرت الاحتجاجات وكانت أولى الشكاوى من مؤسسات التجارة الجنائزية فقد جرد المشتغلين بها من مادة تجارتهم الأولية – الجنائز.

وواجهت المستشفيات مشكلة من نوع آخر فطرحوا السؤال: ما الذي سنفعله بالمسنين إذا لم يعد الموت موجودا؟

كما أن الدورة العادية توقفت مرضى يدخلون ومرضى يشفون ومرضى يموتون قد توقفت. فقد تكاثر عدد الداخلين وبقاؤهم رغم خطورة مرضهم كذلك ضحايا حوادث المرور رغم إصاباتهم الخطيرة. وفاضت بيوت العجزة والمسنين بهم مما اقتضى رفض استقبال قادمين جدد. وأن تتكفل الأسر بأفرادها.

وصرح رئيس اتحاد شركات التأمين أن تهديدا رهيبا سيعرض صناعتهم للخطر فقد وصلت آلاف الرسائل تأمر بالإلغاء الفوري لبوالص التأمين على الحياة طالما توقف الموت وأنه من السخف دفع أقساط عالية مع عدم وجود إمكانية للتعويض.

دار نقاش طويل بين الفلاسفة ورجال الدين. وتكاثرت الجرائم الكبرى ونشطت المافيا في التهريب. إذ لم يعد للإعدام مكانا في العقوبات. فكرت الدول المجاورة في غزو الملكة التي لا يوجد فيها موت. ظهرت عصابات تحاول تهريب المرضى إلى الدول التي ما زال فيها موت.

زادت الضغوط والأعباء على المملكة، وواجهتها مشكلة يمكن أن تقود للإفلاس، وهي معاش المتقاعدين الذين لا يموتون فتستمر معاشاتهم لسنوات طويلة.

تزايدت الصعوبات وكان لابد من إعادة النظر في قرار إلغاء الموت، خاصة مع حملات الكنيسة القوية.

تقرر تخفيف القرار: عودة الموت ولكن بعد إنذار الشخص المعني الذي يتسلم رسالة تقول:

سيدي سيدتي العزيزة يؤسفني أن أخبرك أن حياتك ستنتهي بعد أسبوع
اتمني استغلال وقتك المتبقي بأفضل طريقة ممكنة…. خادمتك المخلصة موت

الكتاب مليء بتفاصيل شيقة لتنفيذ القرار الجديد، ولكن المجال لا يسمح بسردها.

دخلت في المرحلة الحرجة، جئت إلى براغ بمحض الصدفة، رغم أنني جئت تلك البلاد في مرحلة الشباب بالبصات والقطارات (قبل التقسيم)، ثم افتتحت الشركة السعودية التي كان يعمل معها الأخ يس حسن بشير مجالا للسياحة العلاجية في سلوفاكيا بقرية يشتني (Piestany)، وأصبحت زبونا سنويا لمعالجة الغضروف الديسك .

وهذا العام وبعد جولات القاهرة العلاجية الفاشلة، قلت على الأقل ألحق الظهر، وامضيت اسبوعين، ولكن فجأة تدهورت صحتي، فاتصلت بالأخ د. محمد مراد استشيره في جدوى العلاج ببراغ، وقام بالحجز لي في مستشفى هومولكا (Homolce) كما ننطقها واستعجل الموعد كطوارئ.

وجئت سريعا لمدينة براغ واتخيلها صبية شابة باسكيرت فوق الركبة، وتسريحة ضنب حصان بحذاء رياضي وتتقافز في مشيتها بسعادة وفرح وتدندن بأغنية جاز. أرتاح كثيرا للمدينة ولكن هذه المرة جئتها عليلا ووهنا. فذهبت مباشرة للمستشفى.

وقد وصلت مستشفيات جمهورية التشيك مستوى راقيا فقد علمت أن الميزانية المخصصة لنشاطات الحرب الباردة سابقا قد وجهت لقطاع الصحة فاشتروا أحدث الأدوات بالإضافة لقدراتهم الأكاديمية والمهنية. وبعد الكشف قرر الطبيب عملية فورية فقد رأى أن القلب قد أتلفه ما يدور في الوطن من إذلال ومهانة للشعب السوداني. فالصمام لم يعد يعمل بكفاءة وكذلك اثنين من الشرايين.

وأدخلني فورا في العناية المركزة حتى يضمن لياقتي للعملية ومكثت في العناية لمدة 27 يوما لأنني انتكست مرة خلالها. وبعدها فقدت صلتي بالعالم المحسوس وفقدت الرغبة والقدرة على الأكل، وقد نقصت حوالي 25 كيلو، وتمت تغذيتي اصطناعيا، أما جسمي فلم يعد فيه موضع لطعنة حقنة أو وخزة درب بسبب أخذ عينات الدم المتكررة والتي لا تتوقف يوما.

وعندما تأكد الجراح من كفاءة عمل أعضاء الجسم، قال لي بثقة زائدة : أنا عملية القلب المفتوح عندي مثل قلع الضرس.

وعندما قال له مظفر : يقال أنك أحسن طبيب في المنطقة.

رد عليه سريعا : بالفعل أكيد أنا أمهر طبيب، وخاطبني أريدك أن تساعدني بالروح المعنوية العالية.

وبعدها خضعت لتخدير كامل، وقد استغرقت العملية حوالي تسع ساعات، تم خلالها تغيير الصمام ومعالجة ارتخاء اثنين من الشرايين وزرع لي منظم لضربات القلب.

ومن أطرف التعليقات عندما اتصل رجب الشاب الذي يعمل معي بالمركز مدة ربع قرن، ليسأل عن العلمية وتفاصيلها،

رد عليه مظفر: تقريبا عملوا ليه قلب جديد.

فكان سؤال رجب العفوي: يعني تاني ما حيحبنا زي زمان؟

وهنا بدأ عمل الروح، فقد مثل لي د.محمد مراد وزوجته الفضلى خديجة جزءا من أسرة ممتدة جديدة، أما أبناء الجالية السودانية جميعهم ببراغ – ومنهم خصوصا حسن الطيب (حسنكو) ومبارك الجزولي سعيد وابننا محمد ادريس – فقد كانوا سندي وعضدي الذي عجل بالشفاء، وأغرقوني في مودة واهتمام رفع معنوياتي للسماء.

وخلافا للعادة جاء يوم شكرهم الآن فردا فردا، وسأظل مدينا بهذا الجميل طوال حياتي.

ويبدو أن التشيك ما زال فيهم عبق من انسانية الاشتراكية. فقد قالوا لي: لا يوجد أي داع لبقائك أكثر بغرفة في المستشفى، فهذه كلفة لا مبرر لها، يمكنك الذهاب للمنزل وأن تعود بصورة منتظمة للمراجعة.

قارنت بينهم وبين مستشفي السلام الدولي بالقاهرة. أشير إليها مرددا:

سبحان الذي سخر لنا هذه وما كنا له بمقرنين.

بالإضافة إلى مظفر وأنديرا، جاءت أختي ثريا من أمريكا وأخي ياسر من الرياض، وقاموا جميعهم بمتابعة دقيقة لأوامر الطبيب ومواعيد تناول الأدوية. وكانت طريقة مظفر حادة بسبب خوفه علي. فكنت أقول له لا تلعب معي بخشونة زي ود الأشول. وصار الجميع ينادونه بود الأشول بدلا عن كبروس النعت السابق الشهير.

ولنا تاريخ طويل معه هو وأخته أنديرا في مجال التنشئة الموجهة رغم أن المثل السوداني يقول: قلبا بالمواصي عاصي. ولكنني أردت منهم تجنب أخطائي، رغم أن الوجودية تقول لا يشعر بشعور الشخص الا الشخص نفسه.

كما أن جبران خليل جبران ذكرني زاجرا:
إن أبناءكم ما هم بأبنائكم، فقد ولدهم حنين الحياة إلى ذاتها
فيكم خرجوا إلى الحياة وليس منكم وإن عاشوا في كنفكم فما هم ملككم.
قد تمنحوهم حبكم ولكن دون افكاركم
ولقد تبنون أجسادهم ولكن لا أرواحهم فأرواحهم تسكن دار الغد
وفي وسعكم أن تجتهدوا لتكونوا مثلهم ولكن لا تحاولوا أن تجعلوهم مثلكم
فالحياة لا تعود القهقرى ولا هي تتمهل عند الأمس
أنتم الأقواس ينطلق منها أولادكم سهاما حية

لذلك قررت القبول بإقتراحاتهم بل توجيهاتهم أحيانا، لذلك أدار مظفر تجربة مرضي بطريقة لعلاقات الغد المدهشة بكل ما تحمله من واقعية وعلمية خاصة المساهمات المادية، فقد كنت متحسسا مع أن الصوفية يصفون المال بأنه وسخ الروح واضعا اعتبارا لمواقف خبيثة وشريرة محتملة.

فكان رده: هذا تفاعل مع ناس يهمهم أمرك ويكنون لك المحبة والاحترام، ويسرهم تماما مساندتك،

وتذكرت قول الشاعر: إذا ما جئته متهللا      كأنك تعطيه الذي أنت نائله

وذهلت للاستجابة التي رفعت معنوياتي إلى السماء، وأنني لست وحيدا بل لي عزوة أفاخر بها الأمم. وتدفقت المساهمات لما سمي علاج حيدر من خلال أفراد ومجموعات تمتد من الامارات والخليج والسعودية حتى استراليا وكندا، بالإضافة لزملاء مصريين. كذلك اهتمام الزملاء العرب من علماء الاجتماع وابتكر الأصدقاء في واشنطن طريقة جماعية برعاية الأخ عبد الرحمن الأمين تمثلت في إحياء حفل غنائي وجه ريعه للحملة.

فكر الأخ محمد الفاتح سيد احمد في مخاطبة مؤسسة زين التي تدعي مساندة الكتاب والمبدعين، ووضع عددا من العوامل التي قد تجعل ردهم ايجابيا، ولكن نسي أن هذه الجماعة المتنفذة قد قسمت الوطن إلى فسطاطين: موالين ومعارضين ولم يعد المعيار اشتراك السودانيين في تراب هذا الوطن الطاهر والخالد.

فقد كان الأصدقاء والزملاء هم تأميني الصحي وضماني الاجتماعي وظل دولتي يوم لا ظل إلا ظله، فقد أحاطوني من الموت بالمشاعر النبيلة ورددت مع عبدالصبور:
رجعت من بحار الموت دون موت
فالموت لم يجد في ما يميته

فقد وجدت حولي سياجا من محبة وتمنيات ودعوات حقيقة. هذا الكم المتنوع من البشر لا يسمح أن تفارقهم بسهولة، زملاء وأصدقاء ومعارف في التدريس ومن خلال المركز وطلاب، بل ظهر لي أصدقاء من مدرسة القضارف الوسطى. هذه الأجواء انعشت الروح فتغلبت علي الجسد وخذلانه.

ومن أدوات ترقى التصوف السماع، فكان العلاج الغناء والموسيقى. فقد بدأت فور وصولي المنزل برنامجا للسماع تستهله فيروز بـ”بحبك يالبنان” ونحن والقمر جيران “، ثم كل الصباح لعثمان حسين، خاصة يا ناس لالا ولا تسلني وأنا والنجم والمساء،

واحيانا بعض من ابراهيم عوض خاصة أغنيته الوجودية: يازمن وقف شويه،

وايضا عبد العزيز محمد داؤد، بالذات المقطع في هل أنت معي:
سكر السمار والخمار في حان الغرام
وأنا الصاحي أرى في النور أشباح الظلام
وبدت كأسي علي راحي بقايا من حطام

ويبدو أن الذاكرة لم تعد تسعفني فانسب هذه القصيدة لبازرعة وأحيانا للشاعر محمد محمد علي، والذي أجد فيها من روحه ونفسه أكثر.

وكان لأبي داؤد قصيدة لبازرعة لها قصة طريفة، فقد جاء بازرعة في زيارة لأمدرمان، وفي جلسة بدار الفنانين ألقي قصيدة جميلة أعجبت أبوداؤد. وفي اليوم التالي غادر بازرعة إلى بورتسودان، فلحق به أبوداؤد وركب نفس القطار، وعند الوصول ذهب معه لمنزله وأقنعه بأن يسمح له بغناء القصيدة، وبالفعل لحنها وغناها، فغضب منه عثمان حسين،

وعندما قابله أبو داؤد:
– يا عثمان يا اخي انت بازرعة دا زارعو براك، ما تدي الناس فرصة فيه.

تلك حقبة لصعود كل شئ وبالطبع الفنون.

ساعدني السماع كثيرا وبدأت في الحركة والتجول علي كرسي في حدائق براغ الرائعة ومع روحنة تتزايد، وكنت أقول لزوار لقد صرعت المرض بالغناء والموسيقى. واعتبرت بسخرية أن الفترة الحالية من عمري: هي علاوة على أساس أن العمر الأصلي اكتمل. ويجب على استثمار العلاوة بجدية وكثافة وأن لا أبعثرها سفاهة.

فقد حملني الأصدقاء مسؤولية جسيمة بدعمهم ومحبتهم الغير المحدودة، ولابد أن أرد الجميل مزيداً من الكتابة والإنتاج الفكري والموقف الثابت من أجل الحرية وتقدم الوطن.

الآن تحسنت كثيرا عدا بعض الوهن وبطء في التحرك والمشي، ولكنني عدت للقراءة والكتابة،

وهذه أول رسالة لكم ردا للجميل، وتعبيرا عن الشكر والامتنان، وهي أضعف الايمان.

وان يسعد النطق ان لم يسعد الحال”.