الصادق المهدي

  1. بين ظهرانينا فيل ضخم شاخص ولكننا لعوامل معينة لا نراه. يشكر للسيد دونالد ترامب وحملته الصاخبة أن أظهر لنا هذا الفيل لنراه ونتعامل مع حقيقته.

الحركة الاجتماعية كالحركة الطبيعية خاضعة لسنن: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)[1]، (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)[2]

فوجئ العالم في ثلاثينيات القرن الماضي بفوز الحركة النازية في ألمانيا. ولكن رئيس وزراء جنوب أفريقيا يومئذٍ (جان كريستيان سمتس) قال للويد جورج رئيس وزراء بريطانيا (1919م): “إذا أبرمتم اتفاق “فرساي” المزمع هذا مع ألمانيا المهزومة بما فيه من إذلال فسوف تقع الحرب حتماً بعد جيل من الزمان”. 

وفي ألمانيا قبل الحرب الأطلسية الثانية احتل اليهود مكانة كبيرة في الحياة العامة مع ما لديهم من ادعاء بالتفوق العنصري. 

الفكر النازي تبنى ادعاء تفوق الجنس الآري. صارت النازية حركة لاسترداد الكرامة الألمانية التي مرغتها اتفاقية “فرساي” ودعوى تفوق الجنس الآري.

  1. هنالك عوامل في التعامل بين المسلمين والدول الغربية أفرزت غضب مسلمين، ومخاوف غربيين أفرزت كراهية الإسلام: الإسلاموفوبيا.

الدول الغربية هي التي احتلت بلدان المسلمين وفعلت بها الأفاعيل. ولكن بعد تلك المرحلة ولأسباب تاريخية معلومة شهدت الدول الغربية تمدد مسلمين وعرب في بلدانهم ما جعل مفكرين وكتاباً يدقون نواقيس خطر على هوية البلدان الأوربية. وصاحت مؤلفات عديدة: الذئب. الذئب – مثلاً: 

  • كتاب بعنوان “يوريبيا” بقلم بات ياؤر (2005م) ومعناه أن هوية أوروبا سوف تتغير لتصير يوريبيا.
  • وكتاب “فرصة الغرب الأخيرة” بقلم توني بلانكي (2005م) ومعناه أن هوية أوربا في خطر ما لم تدرأه.
  • وكتاب “بينما أوروبا نائمة” بقلم بروس باور (2006م) ومعناه أن تمدداً مغايراً يغزو أوربا في غفلتها.
  • وبلغت المخاوف من هذا الخطر درجة جعلت البابا بنديكت السادس عشر يحذر من خطر الإسلام في محاضرة ألقاها بعنوان: “العقيدة والعقل والجامعة: ذكريات وأفكار” (2006م) تحدث فيها عن فضائل المسيحية ورذائل الإسلام الدين اللاعقلاني والمطبوع على العنف.

ساد انطباع في الدول الغربية أن الدعوة للإسلام صارت تكسب أرضيات في بلدانهم وأن نقصهم الديمغرافي سوف يحتل مكانه سكان مسلمون وعرب.

  1. منذ سبتمبر 2001م في الولايات المتحدة اتخذ الخطر المنسوب لمسلمين طابع التطرف والإرهاب فقد وقعت في واشنطن، ونيويورك، ولندن، وباريس، ومدريد، وبروكسل وغيرها هجمات استقتالية نسبت أعمالها للإسلام.

هذه الحقائق غذت ظهور حركة “بيغيدا” أي أوربيون وطنيون ضد أسلمة بلدانهم. وجعلت كثيرين ينسبون العلة للمسلمين قاطبة. قال روبرت ميردوخ خاقان الصحافة: “ربما أن أغلب المسلمين مسالمون. ولكن إلى أن يعترفوا بسرطان الجهاديين الذي يتنامى ثم يقوموا بتدميره يجب تحميلهم المسؤولية”. 

صحيح توجد نصوص إسلامية سوف نفصلها لاحقاً اعتمد عليها الغلاة في حملاتهم. ولكن الذي أشعل الغضب الحديث أحداث سياسية معاصرة يتحمل الغرب فيها مسؤولية كبيرة. أذكر أربعة منها: 

(‌أ)         في كتابه عن سياسة أمريكا في الشرق الأوسط بعنوان: “القوة، والعقيدة، والخيال” قال مايكل أورن: “لا يوجد في مجال الهندسة الاجتماعية العالمية عمل أكثر استفزازاً من تأييد أمريكا لقيام دولة يهودية في عالم عربي شديد العداء لها”.

(‌ب)    وقال الأستاذان جون مير شايمر ووالت ستيفن في كتابهما بعنوان “اللوبي الإسرائيلي” قالا: “على امتداد عقود عديدة مضت لا سيما بعد حرب الأيام الستة في يونيو 1967م ظلت السمة المتكررة لسياسات الولايات المتحدة وحجر الزاوية فيها هي علاقتها بإسرائيل. اللوبي الإسرائيلي حقق هذا الانجاز وصاغت نشاطاته المتطرفة التصرفات الأمريكية في الشرق الأوسط”.

(‌ج)     وقال بول كنيدي في جورنال وول ستريت (5/10/2001م): “لو وضعنا أنفسنا في مكان سكان الشرق الأوسط ووضعناهم في مكاننا وفعلوا بنا ما نفعل بهم الآن فسوف يكره الأمريكيون هذا العملاق شرق الأوسطي الافتراضي وسوف يحاولون إيذاءه”.

(‌د)        وقال غراهم فوللر في مجلة السياسة الخارجية عدد يناير/ فبراير 2008م: “إذا حذفنا الإسلام من مسار التاريخ وعومل سكان منطقة الشرق الأوسط كما عوملوا الآن مع عدم وجود الإٍسلام فإن الوضع في المنطقة سوف يؤول إلى ما هو عليه. في غياب الإسلام ومع السكان الافتراضيين غير المسلمين فإن العالم سوف يشهد الخلافات الدامية المستمرة التي لا تزال تغطي حروبها  وصراعاتها على الساحة الجيوساسية. لو لم تتذرع المجموعات الافتراضية غير المسلمة بالدين لوجدت راية أخرى تعبر في ظلها عن هويتها وسعيها للاستقلال”.

  1. هذه حواضن للغضب الكامن ولكن التطرف والإرهاب المصاحب له الآن على أيدي القاعدة وداعش وفروعهما الكثيرة مرتبطان بمستجدات أخرى:

(‌أ)          الغزو السوفيتي لأفغانستان حرك ضده نداء جهاد لتحرير بلاد المسلمين من هذا الغزو. القاعدة تكونت ضمن التلبية لهذا النداء وحظيت بدعم غربي وعربي، مالي وسلاحي وتدريبي هائل، واستطاعت أن تكون آلية قتالية أهلية لا مثيل لها، واستطاعت مع الحركات الجهادية الأفغانية أن تنتصر على القوات السوفيتية فانسحبت من أفغانستان.

جنود القاعدة لم يكونوا مرتزقة بل كانت عقيدتهم القتالية هي تحرير بلاد المسلمين من الاحتلال الأجنبي. رفضوا اعتماد دولهم على حماية أجنبية ما أدى لتناقض مع السياسة الأمريكية وتداعى الأمر حتى  أصدرت القاعدة في 1998م فتوى بأن قتل الأمريكان عسكريين ومدنيين في أي  مكان في العالم فرض عين على المسلم.

هذه الفتوى تتناقض مع أحكام القتال في الإسلام. ولتبرير هذا النهج الإرهابي غير الجهادي قال عبد الله عزام المرشد للقاعدة قبل اغتياله: “إن العديد من المسلمين يعرفون الحديث الذي أمر فيه النبي صحابته ألا يقتلوا امرأة أو طفل أو شيخ. ولكن القليلين يعرفون أن هناك استثناءات في هذه الحالة”. وخلاصة القول إن على المسلمين ألا يوقفوا هجوماً على  المشركين لوجود نساء أو أطفال غير مقاتلين.

(‌ب)     الاحتلال الأمريكي للعراق أدى لتطبيق سياسات غيرت التوازن الطائفي. قرر الحاكم الأمريكي للعراق اجتثاث حزب البعث وحل القوات المسلحة العراقية وصار تكوين الحكم الجديد تحت سيطرة عراقيين شيعة مارسوا السلطة وإدارة الأمن بصورة فيها انتقام مما شهده الشيعة على يد حكم البعث المباد. عناصر عراقية ووافدة قاومت الاحتلال الأمريكي للعراق ومن بينها تنظيم القاعدة في أرض الرافدين. هذا التنظيم قرر في 2006م تكوين دولة لأهل السنة في العراق. ولكنها هزمت فتحالف قادتها مع القاعدة في سوريا وكونوا الدولة الإسلامية في العراق وسوريا أي داعش ثم وبعد انضمام فروع كثيرة لهم أعلنوا “خلافة إسلامية”.

 هذه الخلافة مارست أبشع أساليب الإرهاب باسم الإسلام.. نعم اعتمدوا على نصوص إسلامية معينة مثل أن آية السيف هي آية فاصلة بين المسلمين وغيرهم، وأساس للولاء للمسلم والبراء من المشرك. قال تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ)[3]

ولكن هذه الآية سبقتها آية للوفاء بالعهد للمعاهدين من المشركين. وأعقبتها آية استجارة للمشركين. والآية الجامعة لعلة القتال هي في نفس سورة التوبة (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)[4].

القاعدة الإسلامية أنه (فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ)[5] حتى بالنسبة للمشركين أما بالنسبة للكتابين (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ).[6] واعتمدوا على أحاديث كالذي رواه الإمام أحمد في مسنده أنه صلى الله عليه وسلم قال: “بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي”. 

هذا الحديث يناقض القرآن: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)[7] ويناقض الواقع فأين الساعة بعد ألف وأربعمائة عام، وماذا يجدي السيف مع الأسلحة الحديثة؟

  1. بالنسبة للسيد دونالد ترامب فإن تبني التعبير عن أشواق الإسلاموفوبيا، وتبني تطبيق سياسة خاصة ضد المسلمين جعله ناطقاً باسم قوى اجتماعية حقيقية في الغرب عامة وفي الولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة.

ومهما قيل عن سلبيات في شخصه فإنه يجسد مطالب قوى اجتماعية حقيقية الكارهون للإسلام والمسلمين أحد تلك القوى، ولكن هنالك 19 فئة أخرى يعتبر ترامب ملبياً لطلباتهم ولا يمكن الاستخفاف بوزن هؤلاء وهم: 

  • هوية أمريكا تعتبر عند مؤسسي أمريكا هم البيض والبروتستانت ذوي الأصل الانجلوسكسوني: الواسب (WASP)، وهم الذين أزاحوا الإنسان الأحمر من دياره. وهم الذين استغلوا الإنسان الأسود ورحلوه من دياره، ولكن مع تطور حقوق الإنسان اكتسب الجميع المساواة في المواطنة والحقوق السياسية. هذا التطور أغضب كثيرين وصارت تعبر عنهم منظمات من أشهرها الـ(kkk) الكيكيكي. هؤلاء نشطوا بحماسة دعماً للسيد ترامب. قال القيادي في هذه المنظمة دافيد ديوك: “كان يوم انتصار ترامب أسعد أيام حياتي فإن جماعتنا كان لديهم دور مهم في تحقيق هذا الانتصار”.
  • وتجاور أمريكا الشمالية شعوب أمريكا الجنوبية الأفقر ما جعل كثيراً من مواطنيهم يهاجرون لأمريكا وهم يوفرون أيدٍ عاملة رخيصة ويتبعون أنماطا سلوكية مختلفة لا سيما المهاجرين من بلاد المكسيك المجاورة، ويعيش 12 مليون منهم في أمريكا دون أوراق قانونية. ومهما كانت الحدود محروسة فإنها لطولها مخترقة فإن دعوة ترامب لسياسة حازمة مع هذه الهجرات وفكرة حائط وجدت تجاوباً ملموساً.
  • ووجهت انتقادات لخدمة أوباما كير للتأمين الصحي واستجابة لهذا النقد قرر ترامب المرشح إلغاءها.
  • وهنالك تيار ديني محافظ يستنكر حرية الإجهاض التي يعتبرها آخرون من حقوق الإنسان بينما هم يرون أن في هذا تدخلاً مع إرادة الله، ويطالبون بموقف متشدد منها.
  • والاتجاه اللبرالي صار يعتقد أن الاعتراف بالمثلية واعتبارها أسلوباً مقبولاً للعلاقات بين الناس إلى درجة حقّ التزاوج، ولكن هذا ترفضه اتجاهات محافظة.
  • في عهد أوباما، واستنكاراً لوقوع أحداث عنف كثيرة، نسبت لحرية امتلاك الأسلحة النارية ما أثار اتجاهاً لدى الحكومة لضبط هذه المسألة بينما يرى آخرون وهم منظمون في اتحاد أن حرية امتلاك الأسلحة النارية من حقوق المواطن التي كفلتها مادة التعديل الثاني في الدستور. هؤلاء وجدوا في ترامب مدافعاً.
  • العولمة جعلت شركات كثيرة تنقل أعمالها الاستثمارية إلى مناطق خارج الولايات المتحدة ثم تستورد السلع إلى أمريكا بما يسلب العمال الأمريكيين من فرص عمل ما أدى لمطلب وقف هذه الممارسات.
  • الصين غمرت الأسواق الأمريكية بسلع ذات أسعار متدنية ما جعل كثيرين يشكون من أن الصين اغتصبت السوق الأمريكي.
  • عدد من الأمريكيين يشكون من أن فكرة الاحتباس الحراري زائفة بل بعضهم يقول إن هذه مؤامرة ضد النمو الاقتصادي في أمريكا. وينتقدون إهمال البنية التحتية في أمريكا صيانة وإنشاءً من طرق وكباري وغيرها. لذلك هم يرفضون ميثاق باريس المبرم عام 2015م.لضبط الاحتباس الحراري.
  • وهنالك شعور واسع في كثير من البلدان حتى الديمقراطية بأن الطبقة السياسية مراوغة ولا تتحدث للشعب بالصراحة اللازمة. هؤلاء وجدوا في ترامب أسلوباً مغايراً.
  • هذا الشعور التعبوي ظهر في كثير من البلدان الديمقراطية:

         الحزب الوطني في فرنسا بقيادة مارين لوبان.

         حزب الاستقلال في بريطانيا بقيادة نايجل فاراج.

         حزب الحرية في هولندا بقيادة خِيرت فيلدرز.

         حزب البديل في ألمانيا.

         حزب الحرية في النمسا.

هذه الأحزاب تمثل قوى اجتماعية راديكالية ناقدة للطبقة السياسية ويعتبر ترامب جزءاً من هذه الموجه.

  • هنالك شعور في أمريكا أنها تتحمل أعباء الدفاع عن أوربا بموجب حلف ناتو والبلدان الأوربية لا تتحمل ما يليها من التكاليف.
  • ونفس الشيء ينطبق على الدفاع عن بلدان المحيط الهادي المتحالفة مع أمريكا كاليابان وكوريا الجنوبية ما يوجب تحمل الأعباء.
  • كذلك الحال بالنسبة لدول الخليج التي تنعم بحماية أمريكية وتحقق إيرادات مالية كبيرة ولا تدفع مقابل ذلك.
  • وكثيرون يستنكرون عجز الولايات المتحدة من هزيمة الإرهاب خاصة القاعدة ودولة الخلافة، ويتساءلون لماذا العجز وميزانية الدفاع الأمريكية تفوق 600 مليار دولار والمؤسسة العسكرية هي الأكفأ؟
  • ويستنكرون موجة اللاجئين غير القانونين لا سيما السوريون ويرون أنها غير مأمونة والتعامل معها بتساهل يضر الأمن القومي.
  • وهنالك شكوى من فداحة الضرائب ما يوجب تخفيضها في رأي كثير من أصحاب العمل.
  • وبعض القوى الاجتماعية في اليمين الأمريكي غير راضية على الاتفاقية النووية مع إيران والدول الخمس، وألمانيا والاتحاد الأوربي.
  • مواطنون يرون أن مرشحة الحزب الديمقراطي لم تساءل بالحزم اللازم على مخالفات يرونها جنائية والمرشح المنافس وعد بحبسها عقاباً.
  1. صحيح السيد دونالد ترامب عرضة لمآخذ شخصية ومالية كثيرة. وتابعت كما تابع كثيرون المناظرات الثلاث التي كسبتها المرشحة المنافسة المتمرسة بجدارة.

ولكن في النهاية فإن فصائل مهمة من التكوين الاجتماعي والسياسي للمجتمع الأمريكي انحازت له، واعتبرته المتحدث بلسانها. صوت له خمس المجتمع الأمريكي بحماسة وأوصله إلى البيت الأبيض هذه حقيقة ينبغي ألا يستخف بها، لذلك أقول إنه أقوى مما يُظن به. 

قوة جعلته ومن أيدوه يتباهون بما حققوا.

وفيما يلي أبين أنه مثلما اكتشف معارضوه أنه أقوى مما يظنون. فإن مؤيديه سوف يكتشفون أنه أضعف مما يظنون: 

أولاً: الحقوق والواجبات في الولايات المتحدة يحميها دستور يفصل بين السلطات، ويوازن بينها. الرأي العام والمشرعون حتى من الجمهوريين سوف يعارضون القيود على حرية التجارة. 

ثانياً: الأمريكان من أصل أفريقي وقد تراخوا في المشاركة في الانتخابات سوف يستعدون لمعارضة أية خطوات تنتقص من حقوق المساواة في المواطنة، وهم يعتبرون أمريكا ملكهم أسوة بالبيض وسوف ينظمون أنفسهم لذلك إلى درجة العنف. 

ثالثاً: الإحاطة بالمكسيكيين الذين لا يملكون أوراقاً قانونية سوف تكون صعبة للغاية. والمكسيك لن توافق على تحمل تكاليف أي حائط جنوبي للولايات المتحدة كما أعلن رئيسهم ذلك. 

رابعاً: الرأي العام العالمي والدول المعنية لا يشكون في حقيقة الاحتباس الحراري وسوف يعارضون أية نزعة لتنصل أمريكا من التزامها. 

خامساً: يصعب على أمريكا إخضاع الصين لأية مراجعات في العلاقات التجارية بينهما والحقيقة أن أمريكا مدينة للصين بمبلغ 1.6 ترليون دولار أي حوالي خمس الدين على أمريكا. 

سادساً: الاتفاق النووي مع إيران هو مع الخمس دول دائمة العضوية. وقد وافق عليه كونغرس أغلبيته جمهورية رغم “هبالات” نتنياهو لأن البديل له أسوأ منه. ولن تجد الإدارة الجديدة مساحة لإلغائه، وإن ألغته فسوف يسعد بذلك المتطرفون في إيران.

سابعاً: العلاقات مع حلف الأطلسي والتحالفات المتعلقة بأمن منطقة المحيط الهادي متعلقة بأمن الولايات المتحدة لا سيما المواجهات مع روسيا في شرق أوربا، ومع كوريا الشمالية في المحيط الهادي وتنامي القوة الصينية.. أي أن هامش التغيير في هذه المجالات ضيق. 

ثامناً: الحديث عن عظمة أمريكا كما صورها المحافظون الجدد لن يتحقق، فمن الناحية الاقتصادية كل دولار في دخل الميزانية الأمريكية فيه 40 سنت مستلف. ومن الناحية العسكرية فقد اتضحت حدود الإرادة العسكرية بوجود الردع النووي لدى الأعداء الافتراضيين. كما اتضح عجز الجيوش النظامية في هزيمة الأعداء من قوات غير متكافئة ليس في فيتنام قديماً بل في أفغانستان حديثاً، فبعد 15 عاماً من الحرب التي قتل فيها آلاف الجنود الأمريكيين (2500) وصرفت أمريكا ما يزيد على 750 مليار دولار فإن الإدارة الأمريكية هناك توشك أن تهزم لصالح طالبان. 

تاسعاً: ملف التشدد ضد المسلمين قد يجعل الدول الإسلامية بشكل جماعي تقرر معاملة أمريكا بالمثل إذا منعت المسلمين كمسلمين الدخول للولايات المتحدة. مشاعر الاسلاموفوبيا الدافعة لمثل هذا القرار لن تحقق مطلبها إلا على حساب مصالح أمريكية فعلاقات أمريكا مع الدول المسلمة تميل لصالح أمريكا كما هو معلوم.. 

مثلما يقف وراء المطالب التي دعمت السيد ترامب قوى اجتماعية وسياسية معينة فإن أية إجراءات راديكالية في المجالات المعنية سوف تستفز قوى اجتماعية مضادة لمعارضتها، تقودها التيارات اللبرالية والإنسانية في أمريكا، وهم قوة هائلة.

عاشراً: الوعد الصريح بأهمية صيانة وتنمية البنية التحتية يتطلب ميزانية ضخمة وهذا يتناقض مع الالتزام بخفض الضرائب.

 حادي عشر: الوعد بالقضاء على داعش في ظرف شهر يعني تصعيد الدور الأمريكي في المعركة وهو حتى الآن في أقصى درجاته بالمجهود البحري والجوي. أي أن التصعيد الممكن هو بالبري. وهذا دونه عقبات. وعلى أي حال تجربة الولايات المتحدة العسكرية في أفغانستان والعراق حتى مع البأس البري كانت فاشلة وأدت لنتائج عكسية. 

ثاني عشر: لعل أسعد الناس بفوز ترامب هم اليمين الأمريكي كما عبر عن فرحته دافيد ديوك، وكذلك أسعد الناس به حركات الغلو والتطرف التي تسمى نفسها إسلامية كالقاعدة، وداعش ومئات الحركات المماثلة في كل أنحاء العالم هم وفروعهم المنتشرة، لأنهم سوف يصورون الإجراءات ضد المسلمين على أنها حرب صليبية جديدة تستهدف المسلمين ما يعزز أطروحتهم المتطرفة، لا سيما اليمين الإسرائيلي الذي فرح لفوز ترامب بلا حدود واعتبر أنه سوف يقضي على حل الدولتين وينقل السفارة للقدس. 

ففي فبراير 2002م كنت في الرياض وقدمت حديثاً حول علاقات التعايش والسلام بيننا وبين الدول الغربية. وكان الأستاذ المرحوم محمد قطب بين الحاضرين وعلق بقوله: يا أخي دعك من هذا فنحن أحوج ما نكون لسياسات معادية وحمقاء تمارسها أمريكا وإسرائيل لأن عملاق الإسلام النائم لا توقظه إلا هذه الصليبية والصهيونية. 

ثم واصل حديثه ليقول: إن توينبي المؤرخ قد قال: “إن عملاق الإسلام حتماً سوف ينهض ليحتل مكانه في العالم”. السياسات العدائية ضدنا هي التي سوف توقظ هذا العملاق. 

ولدى فوز الرئيس الأمريكي بوش الابن في عام 2004م وهو صاحب سياسات معلومة. قال السير ايفور روبرتس السفير البريطاني في إيطاليا: “إن أسعد الناس بفوزه هم جماعة القاعدة لأنه أكفأ ضابط تجنيد لهم”. 

المجهود الحربي الدولي الموجه ضد دولة الخلافة المزعومة سوف ينجح في تقويضها، وفكرة الانتقال من حركة إلى دولة في الأصل كانت خاطئة، كما قالت القاعدة وكما تفعل كل فروع هذه الأجندة المتطرفة الإرهابية فهم اتبعوا نهج التحرك المفاجئ من دون عنوان، ولذلك فإن القاعدة التي كانت في عام 2001م محصورة في أفغانستان، صارت الآن ذات فروع في باكستان، وفي اليمن، وفي أرض الرافدين، وفي الدول المغاربية.. صارت أخطبوطاً رهيباً.

 أما طالبان فإن الحركة تنازلت عن الدولة وانسحبت من كابول واتبعت نهج الحروب غير المتكافئة، لذلك استطاعت أن تواجه قوات الاحتلال التابعة لحلف ناتو وحلفائه الأفغان. وبعد هجوم على طالبان استمر 15 عاماً قتل أثناءها 2500 جندي أمريكي وعشرات الآلاف من الجنود والمدنيين الأفغان وصرف 750 بليون دولار، الآن طالبان تسيطر على ثلث البلاد وتحاصر قوات ناتو والحلفاء الأفغان.

إذا اتبعت سياسة الرئيس المنتخب الجديد الأمريكي استهداف المسلمين فإن هذا النهج سوف يصب في تعزيز أطروحات الغلاة بأنهم يتعرضون لحرب صليبية ما يزيد من مواردهم من مصادر كثيرة، وما يزيد من قدراتهم على التجنيد. وسوف يتجنبون خطة إقامة دولة ويتبعون الأسلوب غير النظامي، ولكن الأخطر أنهم في المرحلة القادمة سوف يسعون لامتلاك أسلحة دمار شامل، وسوف يسعون لاستخدام تكنولوجيا طائرات بدون طيارين. ومثلما سوف يستهدفون الدول العالمية التي تعاديهم فإنهم سوف يركزون على الدول العربية والإسلامية التي تحالفت ضدهم. 

  1. الدول العربية باستثناء محدود تمثل الرجل الدولي المريض للأسباب الآتية:
  • أن مجتمعاتهم هي الأكثر تغييباً للعقل البرهاني وبالتالي الأكثر ركوداً.
  • أنهم الأكثر امتثالاً لفقه منكفئ ينادي بأنماط للحكم مجافية للواقع، وأحكام مشدودة لنصوص جامدة وعارية من المقاصدية التي تقول: الشريعة كالشمعة توفر لنا نوراً يساعدنا للانتقال من مكان إلى آخر في الظلام وإذا نسينا إلى أين نحن ذاهبون وركزنا على الشمعة ضاع المعنى.
  • وهي الأكثر خضوعاً لحكم الفرد وبالتالي الأكثر إهداراً للحريات العامة: حكم الفرد العشائري سواء عشيرة الحاكم أو عشيرة الجندية، ما جردها من صفة دول وطنية بل دول عشائرية مخندقة في قيود أمنجية.
  • وهي البلدان الأكثر ممارسة للظلم الاجتماعي ما بين فئة محدودة ذات ثراء غير محدود وأغلبية غير محدودة ذات فقر بلا حدود.
  • أشباه الدول هذه طغت عليها خلافات ملية، وإثنية، وطائفية جعلتها أكثر بقاع العالم اشتباكاً في اقتتال. اقتتال تدفع إليه عصبيات وتستغله قوى دولية لمآربها وأهل المنطقة عاجزون عن التحرك الواعي الايجابي لإنهاء هذه المواجهات الدامية.

إن إفراز هذه الحروب من مهاجرين وغلاة وإرهابيين يتعدي حدودها ويدفع الدول الأخرى لاتخاذ خطوات لاحتواء تلك الآثار. 

هشاشة أشباه الدول هذه سوف تجعل الإدارة الأمريكية الجديدة المتطلعة لصفة الحزم تجتهد في تطبيق قانون (جستا) بل تطبيق فكرة إجبارها لدفع ربع إيرادات البترول وبأثر رجعي ثمناً للحماية الأمريكية لهم. 

وسوف تستغل إسرائيل ظروف الهشاشة هذه للعمل على تصفية القضية الفلسطينية لا سيما وكثير من دول المنطقة سوف تعطي أولوية للحروب الطائفية والإثنية. 

دول الرجل المريض هذه سوف تجد نفسها تواجه مطالب شعوبها بالحريات والعدالة والخبز. شعوب عبأتها ثورات الربيع العربي التي مهما تراجعت فقد تركت بصماتها في الوعي السياسي. 

دون تنسيق فإن أية إجراءات جباية تتخذها الإدارة الأمريكية الجديدة، وأية اعتداءات تقوم بها حركات الغلو والإرهاب، وأية تطلعات شعبية للحرية والعدالة والمعيشة سوف تشكل حصاراً ذا ثلاث شعب لهذه الدول الهشة. 

هذه الملامح يمكن أن تكون حيثيات احتضار أو حيثيات مخاض لنظام عربي جديد. 

  1. في القرن الواحد وعشرين هذا لا مجال لكيان سياسي اجتماعي أن  تكون له جدوى إلا إذا توافرت فيه الشروط الآتية: 

أولاً: كفالة حرية العقل البرهاني وآثار ذلك في صحوة فكرية ونهضة علمية وتسكين التكنولوجيا الحديثة. 

ثانياً: التخلي التام عن التأصيل المنكفئ والتخلي عن أنماط الحكم الماضوي، واستصحاب الأنماط الحديثة. والتخلي عن أحكام فقهية تقليدية لصالح تشريعات مقاصدية، والتخلي عن تطلعات علمانية استلابية لصالح أهداف مدنية عقلانية. 

ثالثاً: إقامة نظم الحكم على أساس المشاركة والمساءلة والشفافية وسيادة حكم القانون. 

رابعاً: إقامة الاقتصاد على أساس يحقق التنمية بمعدلات عالية والتزام بالعدالة الاجتماعية. 

خامساً: التوفيق بين الانتماء الوطني دون عصبية، والانتماء الأوسع العربي، والقاري الأفريقي، والدولي في حلقات انتماء مميزة ولكن ليست متناقضة. 

سادساً: إقامة العلاقات بالآخر الدولي على أساس الندية والعدالة والسلام. 

إن انتخاب السيد دونالد ترامب بما فيه من تحديات للآخر المسلم والعربي سوف يثير عوامل لا يمكن للدول الهشة المستهدفة أن تواجهها بوسائل تقليدية خشية أن تدمرها العوامل المستجدة أو تستنهضها لفجر جديد. 

الحقائق واضحة وقديماً قال أفلاطون: “إذا عرف الإنسان الحق والباطل فإنه سوف يختار الحق”. ولكن قال أرسطو: “هذا لا يكفي ما لم تتوافر إرادة إحقاق الحق”. هذا يتطلب أن تنهض حركة مشبعة بإرادة بناء الفجر الجديد. 

(إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ)[8]

[1] سورة القمر الآية (49)

[2] سورة طه الآية (50)

[3] سورة التوبة الآية (5)

[4] سورة التوبة 13)

[5] سورة البقرة الآية (193)

[6] سورة العنكبوت الآية (46)

[7] سورة البقرة الآية (256)

[8]  سورة الرعد الآية (11)

15/11/2016م