الدمازين : التغيير 

” لو عايز تشرب موية في البلد دي لازم تستأذن من ناس الأمن”. بهذه العبارة الموجزة ، لخص تاجر التجزئة في سوق الروصيرص بالنيل الازرق ، وبلغة غاضبة ومؤثرة الاوضاع في النيل الازرق بعد مرور نحو 5 سنوات من النزاع المسلح الذي وقع بين القوات الحكومية ومقاتلي الحركة الشعبية – شمال. 

فالتاجر الذي ظل يعمل في هذه المدينة منذ سنوات طويلة يشتكي  خلال حديثه ” للتغيير الالكترونية ” من ان كل الحياة  أصبحت تحت سيطرة الاجهزة الامنية والاستخبارات ” لو عايز تجيب بضاعة من اي مكان لازم تستأذن من ناس الامن والاستخبارات عشان تجيبا او توديها لاي مكان في الولاية .. اجراءات معقدة وبشييلو منك قروش ولو رفضت يا سجنوك يا صادروا البضاعة”. 

ولا يبدو ان التاجر الغاضب يبالغ في وصف الواقع ، فمجرد مرور سريع على طرقات واحياء مدينتي الروصيرص والدمازين العاصمة ستكتشف انها عبارة عن ثكنة عسكرية بامتياز : المظاهر العسكرية من مركبات وأسلحة وجنود  في كل مكان.. افراد جهاز الامن منتشرون في أنحاء المدينة بسياراتهم وهم يحملون السلاح وينظرون الى السكان بنوع من التهديد والاستهتار.. نقاط العبور والمراقبة منصوبة في كل مداخل ومخارج المدينة وستكون مضطرا لاستخراج تصريح المرور ومن كل الجهات المعنية حتى  ولو أردت زيارة أقرباءك في احد الاحياء الطرفية مثل الشهيد أفندي.

باختصار لا يمكن لاي شخص ان يفعل شيئا داخل مدن الولاية الكبري مالم يستأذن من الاجهزة الامنية والتي لها اليد العليا في النيل الازرق بالرغم من وجود وال عينه رئيس الجمهورية ومجلس تشريعي منتخب ، وبالرغم من مرور فترة طويلة على احداث العنف التي وقعت في الدمازين. فالأجهزة الامنية ومعها استخبارات الجيش تتحكم فعليا في مفاصل الحياة وعلى حسب رغبة ومزاج قادتها وأفرادها ، وضد رغبة الجهات العليا في الدولة او الاجهزة التنفيذية في الولاية. 

وهنالك العشرات من القصص والمواقف التي تشير الى ان الامور هناك تدار وفقا للمزاج الشخصي وضد رغبة الوالي او المسؤلين، ولعل أشهرها هو واقعة رفض احد افراد الامن  وبتعليمات من قيادته السماح لبعثة طلابية من احدي الجامعات كانت تنوي اجراء دراسة علمية على تأثير الاحتباس الحراري. ووفقا لروايات شهود العيان فقد رفض عنصر الامن بالسماح للبص الذي يقل البعثة الدخول الى الغابة  التي تقع على بعد كيلومترات قليلة غرب العاصمة الدمازين لإجراء المسح اللازم مع ان إدارة الجامعة المعنية أتمت كافة الاجراءات اللازمة من تصديقاتهم وإذن بالمرور من الخرطوم ومن الجهات المعنية بالولاية ، وأخبرته انها جاءت من اجل المهمة وستعود مباشرة الا انه اصر على موقفه بعد اتصاله بقائده ، مما حدا برئيس البعثة بالعودة الى الدمازين مرة اخرى ومنها الى الخرطوم دون ان ينجز شيئا. 

 

ولا تنحصر القيود المفروضة على الأنشطة التجارية ، بل تتعداها الى قيود مفروضة على العاملين في المجال الإنساني في المنظمات الدولية والمحلية والناشطين والسياسيين بطبيعة الحال. فطبقا لموظفين يعملون في منظمات اجنبية ومحلية مستقلة فان السلطات الامنية تفرض قيودا كبيرة على الحركة والوصول الى مناطق المتأثرين. وقال احدهم بعد ان فضل حجب هويته ” لا يمكننا العمل بحرية خاصة اذا قررنا الذهاب الى المناطق المتأثرة بالنزاع مثل الكرمك وقيسان فتتم المماطلة والتسويف والتهديد وأحيانا نظل في الانتظار حتى يموت الناس في هذه المناطق من الجوع والمرض. 

واضاف ” خلال الازمة الاخيرة والمتعلقة بمرض الكوليرا طلبنا من الجهات المسئولة بضرورة السماح لنا بالإسراع في الدخول الى المناطق المنكوبة وتقديم المساعدات في وقتها حتى يتم تحجيم المرض .. ولكن الجهات رفضت وقالت ان المرض غير مخيف وأنهم سيقومون بالسيطرة عليه ولكن كما يعلم الجميع فقد وقعت الكارثة ومات مئات الاشخاص بسبب الاهمال وعدم التدخل السريع .. والمشكلة ان الامر ذاته سيتكرر مستقبلا لان العقلية الامنية هي المسيطرة”. 

وشهدت الولاية حالات   نزوح جماعية داخلية وخارجية بسبب القتال العنيف بين المتمردين الذين يقودهم الوالي الأسبق مالك عقار والقوات الحكومية والمليشيات التابعة لها في العام 2011 اثر خلافات سياسية واتهامات متبادلة بتقويض اتفاق السلام الذي نص على منح السكان حق المشورة الشعبية لتقرير ما اذا كانوا راضين عن تنفيذ الاتفاقية.  

وظهرت مدن جديدة على أطراف الدمازين والروصيرص قوامها الالاف من الاسر التي اضطرت لترك مناطقها الأصلية ، ولكنها تعيش حياة بائسة وشديدة القسوة. وايضاً تضرب السلطات الامنية سياجا من السرية والقيود على ما يحدث في هذه المدن الجديدة ولا تترك الفرصة للعاملين في مجال الاغاثة بالوصول اليها. 

 ويقول احد السكان الذين يقطنون في منطقة حي المك  ” اننا نعيش وكاننا في العصور الوسطي .. لاتوجد خدمات أساسية مثل مياه الشرب النظيفة والمراحيض ومعظم الناس يتبرزون في العراء وحياتنا اقرب الى حياة معسكرات النزوح .. في مرة من المرات مات عشرات الاشخاص بسبب انتشار وباء الجرب ولم تصل إلينا المنظمات الانسانية او حتى الجهات الرسمية  “. 

واضاف ” لسنا في مدينة حتي تصل إلينا الخدمات ولسنا في معسكر للنازحين حتي تصل إلينا المساعدات الانسانية .. معظم الناس هنا مزارعون .. الان ليس لهم أراض ليزرعوها وهم عطالى عن العمل وليس هنالك اي مصدر اخر للرزق”.     

 ازاء ذلك ، ظهرت اصوات متعددة وسط ساكني هذه المناطق تنادي بضرورة منحهم الحكم الذاتي بدلا عن المشورة الشعبية. وقال احد الأعيان ” الناس هنا لم يعودوا يتحدثون عن المشورة الشعبية التي انتهت وهنالك الكثيرون الذين يطالبون بمنحهم الحكم الذاتي بعد ما رأوه وشاهدوه من قسوة واهمال متعمد من قبل حكومة عمر البشير والحكومة المحلية هنا .. الأن الناس تواقون لوقف الحرب ومن ثم العودة الى مناطقهم والمطالبة بحكم ذاتي يستطيعون به تعويض سنوات الضياع “.