خالد فضل

في البدء لابدّ من تثبيت حق واضح لوسائط الاتصالات الحديثة التي وفّرت بيئة حُرّة للتفاعل الايجابي مع القضايا الوطنية الكبرى , شكرا للمواقع الاليكترونية السودانية التي تتيح فرصة النشر والتعبير لكل صاحب رأي , وتنقل الأخبار والوقائع كما هي وليس كما يريد لها جهاز الأمن أنْ تظهر , حدّثت زميلة إعلامية ذات مرّة أنّها كانت تُعدُّ وتقدّم برنامجا تفاعليا في إحدى الإذاعات الولائية , وصدف أنْ تعرّضت بعض أنحاء تلك الولاية لعمليات عسكرية ضمن سياق الحروبات الأهلية المستمرة في أرجاء واسعة من بلادنا , وبالطبع تتم تغطية أخبار تلك المعارك وإفرازاتها  بصورة آحادية في أجهزة الإعلام الحكومية أو تلك الأجهزة الموالية أو الخاضعة للسيطرة الأمنية  تجرّد حركات المقاومة السياسية المسلّحة من أيّ فضيلة , أجرت تلك الإعلامية لقاءات مباشرة مع مجموعة من النساء في معسكر النزوح الذي ضمّهن عقب تلك الأحداث في عاصمة الولاية  , ومما قلنّه إنّ أكثر ما يؤذيهن هو تلك الأخبار التي تبثها أجهزة الإعلام الحكومية عن تعرضهنّ للإغتصاب والنهب من جانب المتمردين , بينما الواقع يقول إنّ قوات المتمردين هي التي فتحت لهن الطريق , وتأمين وصولهن إلى المدينة بسلام , دون أنْ يفقدن شرفهن أو مقتنياتهن على بساطتها . قالت تلك الزميلة إنّها أرادت بث رسالة طمأنة لأهل وأسر أولئك النساء , ومن ثمّ تقديم خدمة إعلامية مفيدة لصالح التعايش وخلق روح السلام بين مكونات المجتمع المختلفة في تلك الولاية المنكوبة بالحرب والتهميش , فأوردت في سياق برنامجها ما يفيد بسلامة وصول النساء , وعدم تعرضهن لأي صعوبات .. إلخ ,لم يرض هذا الأمر الجهات الأمنية في الولاية فسارعت إلى تنبيه الإعلامية بأنّ حديثها ذاك يغالط ما تبثّه أجهزة الإعلام المركزية الرسمية من أخبار ووقائع . هذه الواقعة تشير إلى حجم التضليل الذي تمارسه أجهزة الإعلام الرسمية , وبالتالي يمكن تقدير سقف الحريات الصورية التي تتيحها أجهزة الأمن المعنية فقط بتأمين كراسي السلطة وامتيازاتها للمتشبثين بها من الإنتهازيين الذين يبررون لسلوكهم الانتهازي هذا بالعقلانية تارة , وبضرورة عدم ترك الساحة للإسلاميين وحدهم تارة أخرى , ومؤخرا ظهرت حدوتة الحوار الوطني كأحد المبررات للذين تهفو جيوبهم قبل قلوبهم لنيل بعض فتات الإمتيازات التي يوفرها التعلق بأهداب السلطة أيّا كانت درجة سؤ معاملتها لشعبها

   قلت إنّ الفضاء الإليكتروني قد وفّر مساحات واسعة لحرية التعبير ونقل الوقائع , وأيّا كانت درجة المصداقية أو الوثوقية في ما يتم تداوله من أخبار عبر تلك الوسائط , بيد أنّ الراجح عندي أنّ درجة المصداقية أعلى بمراحل مما يُبثّ عبر الأجهزة الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية , فالأخيرة هذه تقتات على ما يُطبخ من أخبارداخل أجهزة الأمن وليس لها الحقّ في التقصي المستقل , ولذلك تكثر حالات التعدي على  الصحفيين /ات السودانيين مما يضع السودان ضمن أسوأ الدول في مجال حرية الصحافة ,علما بأنّ حرية الصحافة تعتبر من أولويات حقوق المجتمع وليست حقّا للصحافيين , أمّا الكتّاب وأصحاب الرأي , فإنّ ما يخطونه يعتبر في الواقع مما يعبّر عن أفكارهم ومشاعرهم لذلك جاءت مقولة الخبر مقدس والرأي حر , كترجمة لهذين الضربين من العمل الصحفي , ومن عجب أنّ بعض كًتّاب الرأي في الصحافة السودانية , وممن لا يُحسبون ضمن أطقم سدنة الإنقاذ أو الإسلاميين عموما , ما فتئوا يشنون حملات السخرية ضد زملائهم المفترضين ممن يداومون على الكتابة في المواقع الإليكترونية المختلفة مثل موقع الزميلة الراكوبة وغيرها , بإعتبار تلك المنابر تًعتبر أدوات النضال الوحيدة للمعارضين , وتتمة القافية كما هو معلوم , معارضي الفنادق . بصراحة لا يُعجبني هذا الهمز والغمز وغمط حقّ الآخر في إختيار وسيلته لمعارضة الظلم والإذلال الذي يعاني منه المعارض المطرود من وطنه جبرا أو إختيارا , فكما هنالك معارضون يناضلون بالبندقية كخيار مفروض عليهم لمواجهة الغلواء والبندقية المصوّبة نحوهم , هنالك معارضون بالكلمة وهي سلاح لا يقلُّ أهمية من الطلقة , وإذا كان هنالك بعض الأفراد هنا وهناك ممن يتاجرون ويتكسبون من المعارضة فإنّني لعلى يقين بأنّ معظم إنْ لم يكن كلّ المعارضين الذين يقعون في دائرة معرفتي , من أولئك الصناديد /ات , الذين يناطحون في صخور المظالم , ويقاومون بصدق وتجرّد وإخلاص لما آمنوا به من قضايا عامة تهمّ غالبية أبناء وبنات شعبهم . الحقّ يجب أن يُقال ؛ فمعظم الأسر السودانية في أجزاء واسعة من بلادنا تعتمد في بقائها على قيد الحياة على أبنائها وبناتها المغتربين طوعا وكرها , ووسط هولاء كثير من المعارضين ممن يكتبون رأيهم في المواقع الإليكترونية , فكيف يجوز أخلاقيا السخرية من هولاء ؟ وكيف يكون عمليا الإقرار بمساهمة هولاء المغتربين والمغربين في تسيير وتوفير أسباب معيشة وعلاج وتعليم ذويهم من الباقين في السودان , وفي ذات الوقت التقليل من شأن ما يطرحونه من آراء , وما يعبرون عنه من مشاعر , وما يطرحونه من أفكار حول الثورة والتغيير ؟ من ذاك الماجد في السودان اليوم الذي يغالط في أنّ وسائل التعبير السلمي ومنابره كلها مغلقة بضبة الأمن وجنازيره الغليظة , منظمات المجتمع المدني , المراكز الثقافية , الإتحادات , الصحف ,… إلخ , كما أنّ الإعتقالات والحبس والمحاكمات والعقوبات تُفرض على الناشطين /ات دون هوادة , فهل يستطيع أحد الكُتّاب الذين يسخرون من معارضي (الكيبورد ) كما تزيّن لهم لغة السخرية والتحقير القول , من التطرُّق لمثل هذه الوقائع وإدانة إعتقال السياسيين والنقابيين والناشطين ؟ أم أنّ هولاء الزملاء /ات من كًتّاب الداخل لا يعلمون بهذه الوقائع مثلهم مثل وزيرة الدولة بوزارة العدل تهاني تور الدبّة ؛ التي أنكرت من أيام علم وزارتها بوجود معتقلين سياسيين , أو مثل بدرية سليمان عضو المجلس الوطني التي أوضحت أنّ عمل لجنتها البرلمانية لا شأن له بإعتقال وتعذيب ولجم وغمط حقوق المواطنين في التعبير السلمي وممارسة الحقوق الدستورية المنصوص عليها في الدستور الذي يُفترض نظريا أنّه هو الحاكم لعلاقة الشعب بالسلطة الحاكمة , قالت بدرية بذلك قبل يومين عندما إعتذر الأستاذ كمال الجزولي المحامي عن تلبية دعوتها لحضور ورشة في برلمانها تتعلق بموضوع تعديلات دستورية في شأن فصل سلطات النائب العام عن وزارة العدل , ومما أورده كمال في إتذاره عن المشاركة الإشارة لوجود انتهاك لنصوص الدستور الموجود أصلا فما الداعي لمناقشة تعديلات لا تًقدّم ولا تؤخر ؟

    الوطن الحقيقي في تقديري , هو ذاك المنفي مع المنفيين , الوطن ليس جغرافيا فحسب , بل إحساس بالإنتماء , الوطن علاقة تبادلية أخذ وعطاء , الوطن هو الحضن والملاذ , الأهل والصحاب , الليالي والأمسيات الأفراح وحتى الأحزان , القدلة في السوق الكبير وشاي المغربية مع الولاد والأصدقاء وإلى اللقاء , كما في حميم قول الراحل محجوب شريف . فمن من كتاب الداخل الذين يسخرون من رصفائهم كتاب الخارج من يعيش في الوطن , ما الوطن وما المنفى ؟ كما في التساؤل الموجع لدى المرحوم الخاتم عدلان !