سيف الدولة حمدنا الله

الذي نصح وزير المالية بدرالدين محمود وهداه لأن يضرب صدره بالوقوف مع مدير التلفزيون السابق محمد حاتم سليمان ومُناصرته له بالخطاب الذي قصد منه تبرئته من الجرائم المنسوبة إليه  في خصوص تصرفاته في المال العام بالمخالفة للقانون واللوائح المالية، والذي ذكر فيه  الوزير أنه كان على علم وموافقة على أفعال المتهم وتصرفاته، الذي قدّم النصيحة للوزير شخص ليس لديه معرفة بقواعد القانون تجعله يُدرِك أنه جعل الوزير “يلبَس” القضية وبما ينتهي به للجلوس كتفاً بكتف في قفص الإتهام إلى جانب من سعى إلى تبرئته.

 

التكييف السليم لخطاب الوزير يُنظر إليه في ضوء القاعدة القانونية الأوليّة التي تقضي بأن الموافقة على أفعال المتهم من جهة إدارية أعلى لا تُضفي عليها مشروعية متى كانت مخالفة للقانون، فالوزير نفسه في نظر القانون لا يزيد عن كونه موظف عام يخضع في تصرفاته القانونية لما يخضع له المتهم الذي يقف في قفص الإتهام، وقد كان الصحيح أن يشرع ممثل الإتهام (وكيل النيابة) بمجرد تسلّمه نسخة من هذا الخطاب في إجراءات رفع الحصانة عن الوزير وضمّه كمتهم ثانٍ في البلاغ بإعتباره شريكاً للمتهم الأول في الجريمة بموجب قواعد المساعدة والتحريض المنصوص عليهما في قانون العقوبات، لا أن يسعى للطعن في الخطاب بالتزوير كما فعل.

 

فضلاً عمّا ورد، ما إحتوى عليه خطاب الوزير يُسمّى في القانون ب “البينة غير المُنتِجة” وهي البينة التي لا يؤدي سماعها إلى تغيير في المركز القانوني لأحد أطراف القضية حتى لو تمّ إثباتها بشكل قاطع، ومثال ذلك تقدّيم البينة حول حصول المتهم على الشهادة السودانية وهو يُحاكم في قضية سرقة، وهي بينة (غير مقبولة) في القانون (Inadmissible evidence)، ولا يُسمح بسماعها من الأساس، فقد أدخل الوزير نفسه بغير صفة أو مقتضً في مأزق قانوني حول تكييف مسألة قانونية تقع في صميم إختصاص المحكمة التي تستقل وحدها دون غيرها في تحديد ما إذا كان تصرف المتهم في المال العام صحيحاً أو أنه كان مخالفاً للقانون بحسب البينات التي تقدمت به جهة تنفيذية أخرى لديها – بخلاف الوزير –  صفة وإختصاص (المراجع العام).

 

الذي ضلّل الوزير بدرالدين وجعله يقع في هذه المصيدة هو إفتقار وكيل النيابة نفسه للخبرة الكافية التي جعلته هو الآخر يعتقد أن للخطاب قيمة قانونية، وبنى نظريته في إثبات قضية الإتهام على إستبعاد الخطاب بالدفع بتزويره، وقد سايرته المحكمة في هذا الخطأ حين وافقت على طلب الدفاع بمثول الوزير أمامها لتأكيد صحة مستند ليس له قيمة في القضية (الطريف أن محكمة الإستئناف لا تزال تنظر في طعن وكيل النيابة حول تزوير المستند).

 

الذي جعل وزير المالية يتجرأ بمحاولة (غسيل) مخالفات المتهم، هو إعتقاده أن أمثاله من المقامات الدستورية الرفيعة أصحاب رقبة في الحق العام ولهم فيه ما يحِل للمالك في ملكه، وأن كلمتهم فوق القانون، وأن واجب العضو في (الجماعة) أن ينصر أخاه في التنظيم ويأخذ بيده بالحق أو بالباطل فيما يليه، فقد ناصر الرئيس الحاجّة “تورالدبّة” ووقف إلى جانبها حين ضُبطت متلبسة بجريمة التأثير على سير العدالة في قضية إبنها ورفض قبول إستقالتها ولا تزال تعمل كثاني أكبر رأس في النيابة دون أن يستشعر الرئيس في ذلك بالحرج.

 

هذه هي القواعد في القانون التي تقضي – بالقطع – ببطلان شهادة بدرالدين وخطاب تبرئته للمتهم، وقد أتاحت لي الظروف الوقوف على وقائع قضية مُشابهة قمت بنظرها أثناء فترة عملي بمحكمة “كوستي” في النصف الأول من عام 1989، وهي قضية كان يُحاكم فيها المتهم وهو مسئول كبير بالدولة عهدت إليه وزارة الزراعة بمهمة الإشراف على توزيع كميات كبيرة من البذور والتقاوي على المزارعين بمناطق النيل الأبيض بلا مقابل، وكان الهدف من ذلك – بحسب ما قُدّم أمام المحكمة – هو تنفيذ مشروع سعت بموجبه الحكومة الديمقراطية برئاسة الصادق المهدي لإنبات الأرض وتخضيرها بعد تمدّد التصحّر وإنحسار الغطاء النباتي.

 

 جريمة المتهم أنه كان قد تقاضى مبالغاً مالية من المزارعين في مقابل التقاوي وقام بتحويل حصيلة ذلك لمنفعته الشخصية، وقد ثبت كل ذلك أمام المحكمة. في دفاعه، ذكر المتهم أن لديه شاهد وحيد هو وزير الزراعة في ذلك الوقت (الدكتور عمر نورالدائم)، فتم إستدعاؤه من الخرطوم (تلكأ الوزير في المثول أمام المحكمة برغم إعلانه لأكثر من مرة حتى صدر في حقه أمر بالقبض)، وبسؤال الوزير ذكر كلاماً مُلخّصه أن وزارة الزراعة راضية عن دور المتهم في توزيع التقاوي وبالحد الذي يرى معه أن المتهم يستحق الثناء لا المحاكمة، وأن الذي يهم الدولة ووزارة الزراعة هو نجاح المشروع الذي تحقق بالفعل، سواء كان ذلك قد حدث نتيجة توزيع التقاوي بمقابل أو غير مقابل، وإختتم شهادته بالقول بأن وزارة الزراعة لا ترغب في إختصام المتهم أو مقاضاته.

 

نتيجة المحاكمة، أن المحكمة إنتهت إلى إدانة المتهم بتهمة خيانة الأمانة من موظف عام، وقد أصدر الحكم القاضي عباس علي بابكر “قاضي المحكمة العليا الآن” الذي كان خلفني في متابعة نظر القضية بعد أن تمت إحالتي مع عدد من الزملاء “للصالح العام” في أول كشف صدر بعد أسابيع من قيام الإنقاذ، وإعتبرت المحكمة – بحق – أن ما ذكره معالي الوزير يُعتبر “رأي” لا يؤثر في تكييف وقائع القضية، ثم أنزلت على المتهم عقوبة مُغلّظة بالسجن والغرامة، وقد تأيّد الحكم عند نظره بواسطة محكمة إستئناف الجزيرة والنيلين بوادمدني، وقد كتب في ذلك رئيس الدائرة مولانا الصادق سلمان (يعمل حالياً قاضٍ يعمل بالمحكمة العليا) مذكرة ضافية حول حدود مسئولية الموظف الحكومي عن المال العام.

 

 

هذه مناسبة لأن نعرج – من جديد – بالحديث عن الدور المفقود لوكلاء النيابة في حراسة القانون، وذلك بسبب عملهم ضمن طاقم الجهاز التنفيذي للدولة وعدم إستقلال سلطة النيابة، ولا يعني نجاح المساعي التي تجري حالياً بفصل ديوان النائب العام عن وزارة العدل أن تُحل المشكلة بما يُحقّق المقصود، ذلك أن إستقلال النيابة (مثل القضاء) يلزمه وجود عقول تُؤمِن بهذا المبدأ ولديها إستعداد للتضحية من أجل تحقيقه، ذلك أن مجرد فصل النيابة عن جهاز الدولة والنص على إستقلالها لا يؤدي للنتيجة المقصودة في غياب أشخاص لا يمتلكون الشجاعة والجسارة اللازمتين ويكون همّهم إيثار السلامة بما يحقق لهم ما يصبون إليه من ترقيات وعلاوات كما هو حال الكوادر البشرية بأجهزة أخرى تتمتع بالإستقلال.

 

لا أتوقع أن تأخذ النيابة بشيئ مما ورد في شأن بطلان شهادة وزير المالية برغم وضوح ذلك في القانون، ولكننا على يقين من أنه سوف يأتي اليوم الذي يُناهض فيه الوزير نفسه ويقول أن خطابه بالفعل كان مُزوّر.

 

 

saifuldawlah@hotmail.com