د.النور حمد

 

لا تحتاج ظاهرة  غلبة الثقافة الرعوية على بنيتي الوعي في السودان والصومال، في تقديري، إلى جهدٍ في إقامة الشواهد. فحال البلدين الآن، يحكي عن تجسيدهما لهذه الظاهرة، بأفضل مما يمكن أن يحكيه أي باحثٌ أو محللٌ، أو حتى مجرد واصف. فظاهرة العجز عن الامساك بالحداثة وتثبيتها في واقع القطرين، تعلن عن نفسها بوضوح، لا مجال للمراء فيه. ويتمثل طرفٌ من تجليات هذه الأزمة في السودان، بخاصة، في ظاهرة الانكار، وعدم القدرة على رؤية النقائص. وليس هذا بغريب، ففي مثل هذه البيئات، التي تسيطر عليها القيم الرعوية يتعذر النظر الموضوعي للأمور. ويصعب فصل ما هو ذاتي، عما هو موضوعي؛ إذ يختلطان اختلاطًا يجعل النظرة الموضوعية للأمور معتذرةً تماما. وبما أن بنية العقل الرعوي مؤسسة، بصورة عامة، على إنكار النقائص، فإن الإقرار بالخطأ، والاعتراف بالنقص أو القصور، من حيث هما، أمور غير مرغوبة. فهما يمثلان لدى العقل البدوي الرعوي، إقرارًا بالضعف، وإعلانًا للهزيمة. ويفسر هذا، في تقديري، تفشي ظاهرة عدم القدرة على الاعتراف بالخطأ، بيننا؛ نحن السودانيين، وضيقنا الشديد بالنقد، الذي غالبًا ما نَعُدُّه استهدافًا شخصيًا، وننطلق في التعاطي معه من هذه الزاوية. ولا غرابة إذن، أن بقيت مساجلات المثقفين السودانيين، منذ أن نشطوا في الكتابة، بُعيد الربع الأول من القرن العشرين، حافلةً، إلى اليوم، بالقسوة والمرارة، والميل الذي لا يني للانتصار للذات، والتقليل من شأن الخصم، بل والعمد إلى إهانته، والزراية به، بكل سبيلٍ ممكن.

يستخدم “المتحاورون”، أو “المتبارزون”، على الأصح، في مجادلاتهم الفكرية مع خصومهم في الرأي، على صفحات الجرائد، والمواقع الإلكترونية، جميع الأسلحة المتوفرة لديهم لسحق الخصم الفكري، سحقًا لا قيامة بعده. فالعقلية الرعوية، بطبيعتها المرتبطة ارتباطًا عضويًا بالقيم المتجذرة في محيطها البيئي، الجغراثقافي، الرعوي، لا تملك إلا أن تحول الحوار الفكري إلى مبارزة. وبصورة تلقائية، يجري تعليق شرف الفرد، وشرف القبيلة، وشرف الطائفة، وشرف الحزب الذي ننتمي إليه، وشرف الشريحة الاجتماعية التي تضمنا، وتحرس منظومة مصالحنا، على هذه المبارزة، التي لابد من الانتصار فيها، بكل سبيل ممكن. يجري تعليق الشرف الفردي والجماعي، على الحوار الفكري، مثلما كان يجري تعليقهما، في الماضي، على المبارزة بالسيف، بين فرسان القبائل المتحاربة. ولا أراني بحاجةٍ إلى عرض نماذج، مما ظل يجري بين مثقفينا، من “مبارزات”، من هذا النمط المتسم بالعنترية، مما ساد بيننا، عبر أكثر من ثمانية عقود. فالنماذج، كما يقولون، “على قفا من يشيل”.

ظاهرة مقاربة الحوار من زاويتي النصر أو الهزيمة، ليست حصرًا على أشخاص بعينهم من مثقفينا، ممن لا تنفك تجري بينهم هذه “المشاجرات” الفكرية، التي تُسمى حوارًا، وإنما هي ظاهرة عامة، تعود جذورها إلى قيم القبيلة ومنظومتها الأخلاقية، المبنية على؛ إما النصر، وإما الموت، وإما عار الأبد. ترى هذه البنية العقلية الرعوية، في التنازل للآخر، والإقرار بصواب رأي الخصم، حين يكون مصيبًا، والاعتراف بالخطأ، أو بالنقص، أو القصور، هزيمة، لا غير. والهزيمة لدى العقل البدوي الرعوي، من حيث هي، وبغض النظر عن ملابساتها، مخلة بالشرف، ولا ينبغي أن تحدث أبدًا، فإن هي حدثت، فلا شرف بعدها، ولا نهوض من كبوتها. فهي مثل عود الكبريت الذي لا يشتعل سوى مرة واحدة. ولا غرابة أن أصبح هذا المجاز هو المجاز الذي انتقته هذه االعقلية الرعوية، لتشبه به “شرف البنت”.

كل المكابرات، التي تزخر بها حياتنا، مما نراه لدى المسؤولين الحكوميين، وقادة الأحزاب السياسية، وصفوة المثقفين، وعامة الناس، وغيرها من الخلال السيئة، يقف وراءها ما يمكن أن نطلق عليه “رهاب فقدان الشرف”، الذي ليس هو  بشرفٍ، أصلا. بل، على العكس من ذلك تمامًا، فكثير مما تواضعنا عليه بوصفه شرفًا، هو، في حقيقة الأمر، وحشيةٌ، وغرورٌ لا يعرف الحدود، بل وأحيانًا وضاعةٌ ونذالةٌ، ومفارقة للقيم النبيلة، لا تنفك تلتحف بأغطية الشرف والكرامة. فالشرف والكرامة هما التزام الأمانة، والصدق والموضوعية، وقولة الحق ولو على نفسك، والامساك بلجام النفس الجامحة، الميالة إلى الاستعلاء والزهو، والانتباه الشديد إلى تلفتاتها المنبثقة أصلا من الغرور ومن “الإيقو” المنتفخ.

تزعج التحليلات، والمراجعات، والنقد، بنية العقل الرعوي، أيما ازعاج. فهي تمثل نقيضًا للأسس التي قامت عليها في المبتدأ. فالتفكير المتأمل الناقد، والنزوع للاعتدال والتوسط والمصالحة أمور مكروهة في البيئات الرعوية. فهي تسير في اتجاهٍ معاكسٍ تمامًا لمنظومتها القيمية المتمحورة حول “النصر أو الموت، أو عار الأبد”، كما سلفت الإشارة. فمنظومة القيم الرعوية مخضتها ومحصتها الحروب والصراعات الدامية، وتأسست حول الحرص على القهر والغلبة، والإقلال من شأن الآخر. وهذا طبيعي، لأن الحفاظ على كيان القبيلة، وتحصينها ضد غارات المغيرين، وحفظ ممتلكاتها، بل وزيادتها، وبأي سبيل، أمورٌ تقوم على إظهار القوة، والفخر بها، وعلى الإعلاء من شأن الذات، وتأكيد الشعور لدى كل فرد في المجموعة بالتفوق على الآخرين. يقول نوردنستام  إن احترام الأعرابي السوداني لنفسه يعتمد، بصورة كلية، على احترام الآخرين له. ولذلك فإن نظام الفضائل لديهم، لا ينبع من داخلهم، بقدر ما ينبع من تصور الآخرين لهم. راجع:Raphael Patal, The Arab Mind, Charles Scribner’s Son, New York, 1983m p 101. . لذلك تجدنا، نحن السودانيين، مشغولين، إلى حد كبير، بصورتنا في أذهان الآخرين، بأكثر من انشغالنا بحقيقة أنفسنا. وهذه، في تقديري، تجعل النظر إلى الداخل متعذرًا تمامًا. هذه البنية العقلية نقيضة تماماً للبنية العقلية التي حاول الإسلام غرسها في الناس، وهي التي عبر عنها ابن عطاء الله السكندري بقوله: “ما ترك من الجهل شيئًا من ترك يقين ما عنده إلى ظنِّ ما عند الناس”. أي، من الجهل الشنيع أن تترك ما تعرفه يقينًا عن نقائصك، وتتطلع إلى ما يظنه الناس عنك؛ أي، أن تتطلع وتحتفي بظن الناس فيك، أنك شخصٌ خيِّر، رغم أنك تعلم يقينًا، أن ظنهم هذا غير صحيح.

يمكن القول إن العقيدة المركزية التي تتمحور حولها قيم القبيلة، منسوجة على النول الذي نسج عليه عمرو بن كلثوم هذه الأبيات، التي تقول:

بغاةٌ ظالمينَ وما ظُلمنا، ولكنَّا سنبدأُ ظالمينا

ملأنا البرَّ حتى ضاقَ عنّا، ونحنُ البحر نملأُه سفينا

إذا بلغ الصبيُّ لنا فطامًا، تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا

وكُنَّا الأيْمَنِينَ إذا الْتَقَيْنا، وكانَ الأيْسَرِينَ بنُو أَبِينا
فَصَالُوا صَوْلَةً فِيمَنْ يَلِيهِمْ، وصُلْنا صَوْلَةً فِي مَنْ يَلِينا
فَآبُوا بِالنِّهَابِ وبِالسَّبايا، وأُبْنَا بِالمُلُوكِ مَصَفَّدِينا

هذه هي ثقافة الرعاة؛ رأسمالها القوة، والفخر، إضافة إلى فرضها على الآخرين بقوة البأس. وكذلك ارهاب الآخرين استباقيًا، عن طريق إخافتهم بقصائد الفخر التي يبثها شعراء القبيلة في أسواق العرب الموسمية، للتجارة وللشعر، كسوق عكاظ، ومجنة، وذو المجاز، وغيرها. فغريزة البقاء والحفاظ على الكيان القبلي في بيئة سمتها الرئيسة، شك السلاح، لا يمكن أن تسمح، إطلاقًا، بإبداء الضعف. فالتواضع، والانكسار، والامساك بلجام النفس، التي تمثل أعلى الفضائل الإسلامية، لا تمثل فضائل في مثل هذه البيئات، وإنما ضعة ومنقصة. فالتواضع والميل للاعتراف، وللإقرار بحق الآخر، والنزول عند رأي الآخر، تهدد مقومات البقاء، ولذلك، فلا تسامح معها البتة. فالحفاظ على البقاء بالقوة، وبكل توابعها، في بيئة لا تعرف غير منطق القوة، خط أحمر قاعدي، لا يُسمح لأي فردٍ من الجماعة بالنزول إلى ما تحته.

يرى براين تيرنر أن نظام الحماية الي كان سائدًا في الجزيرة العربية هو الذي شكل منظومة القيم البدوية. فالقبيلة الضعيفة كانت تحتمي بالقبيلة القوية لقاء إتاوة تدفعها القبيلة الضعيفة. فإذا بقيت القبيلة الضعيفة لوحدها، استهدفتها المغيرون فسلبوا أموالها وسبوا نساءها، وانتهكوا شرفها. وينطبق ذلك على الأفراد. فالفرد البدوي المتجول في الصحراء مع أغنامه، والمسافر لوحده، أو في رفقة قليلة، يكون محميًا ببأس قبيلته، وقدرتها على أخذ الثأر ممن يجرؤ على الاعتداء عليه من القبائل الأخرى. نظام الحماية القبلية هذا يجعل الفرد متماهيًا، بصورة مطلقة مع سلطة القبيلة، ومع بناها القيمية، وعقلها الجمعي، (Bryan S Turner, Weber and Islam, Routlege & Kegan Paul, London, 1974, p 82). . ومن هنا جاء غياب الصوت الشخصي، وطغيان نزعة التعبير عن ذاتٍ جمعية، هي فوق النقد وفوق المراجعة.

هناك نقطة جوهرية جرى لمسها لمسًا خفيفًا في هذا الطرح، ولسوف أتوسع فيها مستقبلا، حين تتحول هذه المقالات إلى كتاب. هذه النقطة الجوهرية هي أن الإسلام جاء بقيم أنسوية، وحاول غرسها في بيئةٍ وحشية، هي بيئة الجزيرة العربية. فالقيم التي جاء بها الإسلام كانت نقيضًا للقيم البدوية الرعوية، التي كانت سائدة في معظم أرجاء جزيرة العرب. ولم تخل من سيادة تلك القيم الرعوية حتى الحواضر؛ مثل مكة والمدينة. غير أن المدينة كانت أكثر حضرية، وأقل تأثرا بقيم البيئة الرعوية المحيطة بها، من مكة. وهذا هو السر، في تقديري، في اختيار النبي الكريم لها مكانًا للهجرة، ما جعلها عاصمةً للمدنية الإسلامية الناشئة حينها.

دعا الإسلام تلك العقلية الرعوية ومنظومتها القيمية بالحسنى، ثم ما لبث أن أضطر إلى قهرها بمنطقها، وهو منطق السيف والقهر والغلبة. بظهوره، وجّه الإسلام، ضربة قوية لعصبية القبلية استطاعت أن تفككها، إلى حد ما، وتعطل حدتها القديمة، لمدد غير يسيرة. وقد قاد ذلك إلى اطفاء نيران الحروب الداخلية. فقد تخلت القبائل عن حروبها مع بعضها، وتوحدت في وجهة الجهاد. (ابراهيم اسحق ابراهيم، هجرات الهلاليين، هيئة الخرطوم للصحافة والنشر، الخرطوم، 2011، ص 32). ولقد كانت الغنائم، التي أقرها الإسلام، نقلا لها كحافز للقتال وقف وراء تحفيز أفراد القبائل لمقاتلة بعضها، لتصبح حافزًا في الوضع الجديد، لكن، بالحصول عليها من غير المسلم المهزوم. ومع ذلك، تربصت القبلية ومنظومتها القيمية بالإسلام، فهادنته في مبتدأ أمره، بعد أن عرفت قوة شكوته عبر معاركها الحربية معه التي انهزمت فيها. ولكن، ما أن التحق النبي بالرفيق الأعلى، وضعف دفق الإسلام، وتراجعت حرارته في النفوس، انقلبت عليه القبيلة، وأفرغته من محتواه، وأحلت قيمها الموروثة، التي جاء الإسلام أصلا لمحوها، ولكن بعد أن أسمتها “إسلاما”، هذه المرة، بحكم تبدل الظروف، وتعذر الرجوع إلى الوضع القديم، كما هو. وقد عبر عن ذلك سادة بني أمية، عقب تولي عثمان الخلافة، حين قال أبو سفيان للخليفة عثمان بن عفان، حين صارت الخلافة إليه، “قد صارت إليك بعد تيم وعدي”، إشارة إلى قبائل أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب”. ثم قال: “فأجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك، وما أدري ما جنة ولا نار”، (المقريزي، كتاب التخاصم فيما  بين بني أمية وبني هاشم، (تحقيق حسين مؤنس، دار المعارف، مصر 1984، ص 56). وبالفعل، تحول الإسلام عقب الفتنة الكبرى إلى ملك قائم على العصبية القبلية الموروثة من الجاهلية. وهكذا أعادت بنية العقل الرعوي انتاج الإسلام بما يناسب هواها. هذا الإسلام المعاد إنتاجه “رعويًا”، هو ما يظنه المسلمون اليوم، الإسلام الذي نزل من السماء.

لربما تكون نزعة الانكار، ومقت التفكير النقدي، والانصراف عن الملاحظة، وعدم القدرة على استنطاقها، إضافة إلى تضخم الذات والرضا عن النفس بلا انجاز، هو ما يجعلنا، نحن السودانيين، لا نبدي اهتمامًا جديًّا بصعود اثيوبيا الصاروخي، مؤخرا، وبتراجع أحوال السودان والصومال. أعني، أن نهتم بذلك، بالقدر الذي يجعلنا نتنبه للعلة المُقعدة، التي حبست كلّاً من السودان والصومال عن النهوض. فسر انطلاق إثيوبيا أخيرًا، وهو انطلاق طال انتظار الإثيوبيين له، إنما يعود، في تقديري، لكون إثيوبيا ظلت بيئة حضرية، احتفظت رغم الاضطرابات، والفقر المدقع، بحضريتها. لم يتعرض التاريخ الإثيوبي لانقطاعات، ولا للتدخلات الأجنبية، إلا لخمس سنوات فقط أثناء الحرب العالمية الثانية. ولم يكن لتلك السنوات الخمس تأثيرٌ معيق. فتواصلية التاريخ مكّن لنمو القيم المتمدينة فيها، ولثبات بنية الحكم ومؤسساته. هذا في حين غلبت في السودان والصومال القيم الرعوية، واستشرى، من ثم، نهج تقوية القوى الجهوية المختلفة، لنفسها، على حساب بنية الدولة.

لو نحن نظرنا بعقول صاحية، صافية، إلى جوارنا الإقليمي، رغم قلة كسبه من التحديث، وقارنّا أحوالنا بأحواله، لاتضح لنا أننا مصابين بداءٍ عضال لا تخطئه العين. لقد مرت كل الدول التي نالت استقلالها، حوالي عقديْ الخمسينات والستينات، من القرن الماضي، بفترة من الاضطراب، وبحالةٍ من الضياع، أعقبت خروج المستعمر، ولقد استمرت تلك الحالة عقودًا، وكان ذلك أمرًا طبيعيًا. غير أن ثلاثًا من دول الجوار القريب، هي إثيوبيا، وكينيا، وإلى حد ما يوغندا، أخذت تنعم بشيءٍ من الاستقرار النسبي، وشرعت تحث الخطى في مسارات التحديث، والتنمية، في حين تخلف كل من السودان والصومال. يطرح هذا الوضع سؤالاً جوهريًا لا معدي عن الإجابة عليه، وهو: لماذا كان كلٌّ من السودان والصومال استثناءً في عدم الحفاظ على مكتسبات التحديث، والوقوع في براثن التراجع المضطرد الذي لامس، حواف الفوضى؟ لابد أن هناك علةً مركزيةً في الثقافة السائدة، تحول، وباضطراد، دون الإمساك بأسباب الحداثة، وتجعل الدولة أضعف من القوى المجتمعية، وأعني، بصورة خاصة هنا، القوى المتمثلة في سلطة النخب المعادية للصالح العام، المنشغلة بالوجاهة وبإثراء الذات والعشيرة، وشفط المال العام، من حيث ينبغي أن يعمل، وتحويله للدوران خارج فلك الدولة، والعمل المستمر في الفتك الذريع ببنية الدولة.

احتفظت إثيوبيا بتحضرها، إذ حصنتها المرتفعات الشاهقة من زحف الرعاة. لقد ظلت أقاليم أثيوبيا متمحورةً، طوعًا أو كرهًا، حول دولتها المركزية، في كل أحوالها؛ هبوطًا وصعودا. احتفظت إثيوبيا بتواصلية تاريخها، والاحتفاظ بسماتها الثقافية عبر العصور. وأهم ما احتفظت به إثيوبيا هو شخصية الإثيوبي، التي ظلت إطارًا جامعًا للإثيوبيين، رغم اختلاف الإثنيات، واللغات، والديانات. أيضًا، حافظت إثيوبيا على استقلالها، وعلى ما يقتضيه استقرار الدولة من انصياع المواطن للسلطة، واحترامه لها، سواء كانت سلطةً دينيةً أو دنيوية. ويرى إبراهيم اسحق ابراهيم، أن من ضمن أسباب هجرة القبائل العربية من الجزيرة العربية إلى إفريقيا الابتعاد من سلطة الدولة. وأن هذه القبائل وجدت صعوبة في الخضوع لسلطان الدولة المركزية، أينما حلت، (إبراهيم اسحق، مصدر سابق، ص 32).

من الضروري جدًا، الإشارة هنا، إلى أن الانصياع لنظم الدولة، ولحكم القانون، ضروري جدًا للتحضر واستدامته. وليس بغائب عني، من الجهة الأخرى، أن الشعوب التي لا تعرف كيف تتمرد وتعصي، حين يقتضي الأمر التمرد والعصيان، تبقى، يد الدهر، في أسر القهر والاستغلال. ومع ذلك، فإن الشعوب التي لا تعرف كيف تنصاع لنظم الدولة، ولحكم القانون، تضر بقيومية الدولة، بل وتهدد بقاءها. فهناك حاجة لكل من الانصياع والعصيان، ولكن بحسابٍ محسوبٍ في كل حالة.

يمكن القول أن التطور يحتاج الانصياع،conformity ، ولكن بعلم، كما يحتاج للتمرد والعصيان، ولكن بعلم أيضًا. تمرد السودانيون وعصوا مرتين؛ في أكتوبر 1964، وفي أبريل 1985، ولكنهم تمردوا من غير علم، فلم يجنوا شيئًا، وظلت الأمور بعد كل تمرد، تسير نحو الأسوأ. والغريب أن التساؤل حول نتائج هذين التمردين لم تجر بما يكفى، لا من حيث السعة، ولا من حيث العمق. بل إن ذات الحداة الأقدمون، لا يزالون يحثون الناس على تمرد جديد، شبيه، يجري من غير علم، على ذات النسق السابق. غلب على الإثيوبيين في عموم تاريخهم الانصياع، ولكنهم حين تمردوا على نظام الدرك والرعب الأحمر، الذي ساد فترة حكم منغستو هيلا مريام الشيوعية، تمردوا بانضباط، ولم تهتز الدولة عقب سقوط أديس أبابا، ولم ينفلت عقد النظام. وأرجو أن نقارن استقرار الأحوال في إثيوبيا عقب هروب منغستو، وانهيار قوات الدرك، وسقوط أديس أبابا في أيدي الثوار، بما جرى في جنوب السودان، الذي انفصل بهدوء تام، نتيجة لاستفتاء شعبي. فقد انتهت حال جنوب السودان، في وقت بالغ القصر، إلى فوضى ما لها من قرار. ولا غرابة، فثقافة الرعاة لا تستطيع، بطبعها، التعاطي مع إدارة الدولة، لأنها، تمثل، بطبيعتها، نقيضًا للمؤسسية. وهذا ما فات على جون قرنق، منذ البداية، حين ظن أن بوسع حركته أن تقفز، جملةً واحدة، على هذا الواقع المتخلف.

على خلاف السودان والصومال، حفظت مزية احترام الدولة والانصياع لسلطتها وقوانينها، لأثيوبيا تواصلية الاستقرار الإداري البيروقراطي، رغم ما جرى من تغيُّرات جوهرية في نظام الحكم، منذ انهيار النظام الإمبراطوري. وعلي سبيل المثال، وهو مثال مدهش حقًا، استمرت الخطوط الجوية الإثيوبية تنمو باضطراد، رغم مرور البلاد في بحر القرن العشرين، بثلاث حقب سياسية، متباينة أشد التباين. فقد ظلت الخطوط الجوية الإثيوبية تنمو في حقبة الإمبراطور هيلاسلاسي، وفي حقبة منغستو الشيوعية، وفي ظل النظام الحاكم اليوم، ولم يؤثر أيٌّ من هذه الأنظمة، سلبًا، على تطورها. بل أصبحت الناقل الجوي الأول، في إفريقيا كلها.

يدل كل ما تقدم ذكره، على أن في إثيوبيا بنية مؤسسية، متماسكة سلمت من إلى حد كبير من تلاعب النخب. كما يدل على وجود ضوابط وكوابح بنيوية، ترسخت، وأضحت مانعةً للتراجع، ولانهيار البنى القانونية، والإدارية، والمحاسبية، وسائر منظومة أخلاق العمل الضرورية لتماسك الدولة. هذه الانهيارات هي ما اتسم بها السودان طيلة حقبة ما بعد الاستقلال، بسبب أن الكوابح التي تحول دونها لم تكن متوفرة أصلا في بنية الثقافة السائدة، وفي التقاليد، وفي الموروث التاريخي القريب الذي شكله الرعاة. وتعطينا الدولة المهدية نموذجًا واضحًا للكيفية التي ينسف بها العقل الرعوي بنية الدولة. ولأن إثيوبيا حافظت، رغم كل الاضطرابات على التواصلية الحضارية، وسلمت بحكم طبيعتها الجغرافية، من وصول الرعاة إلى قلب حضارتها، استطاعت أن تحافظ على الثابت الوطني الرئيس، وهو تماسك جهاز الدولة، واحتفاظه، في كل الأحوال، بقدر معقول من الفاعلية.  (يتواصل).