رشا عوض

أصدرت حكومة البشير  قراراتها الاقتصادية الأخيرة ممثلة في زيادة أسعار المحروقات والكهرباء والتي ترتب عليها بطبيعة الحال ارتفاع جنوني لأسعار السلع الأساسية، فيما قرر بنك السودان المركزي “تخفيض الجنيه” والتوقف عن بيع الدولار لمستوردي الأدوية بمبلغ (6.9) ليشتروه بسعر (15.9) جنيه إذا توفر في البنك المركزي أو بقرابة العشرين جنيها من السوق السوداء(اسم الدلع السوق الموازي)، وترتب على ذلك ندرة في الأدوية مصحوبة بارتفاع جنوني في أسعار ما هو متوفر.

لا شك ان هذه القرارات القاسية والمذلة للأغلبية الفقيرة من الشعب السوداني لا بد أن تشعل الغضب وتؤجج مشاعر الغبن وتدفع دفعا نحو انفجار الاحتجاج الشعبي تحت وطأة الجوع والمرض المصحوبين بقهر سياسي غليظ من النظام المسؤول مسؤولية كاملة عن توطين الجوع والمرض والجهل والفقر في السودان بسياساته الخرقاء.

من الطبيعي ان يحتج الشعب السوداني ويجعل المتسببين في معاناته ومآسيه يدفعون “ثمنا سياسيا غاليا”، ولكن المشير البشير وفي سياق كلمة له ألقاها بمناسبة زيارته لهيئة الاستخبارات العسكرية الأحد 13 نوفمبر الجاري دافع عن قرارات حكومته وزعم أنها جراحة ضرورية لحماية الدولة من الانهيار إذ ان الحكومة أمام خيارين أحلاهما مر: هذه القرارات أو انهيار الاقتصاد وانهيار الدولة، وكعادته لم يفوت البشير  فرصة استفزاز الشعب السوداني، حيث قال حسبما نقل موقع الشروق ان لهذه القرارات ثمنا سياسيا(لكن نحن ما خايفين منو)!

والسؤال هنا هل المشير البشير  مطمئن فعلا وغير خائف من دفع الثمن السياسي نتيجة لشجاعته؟ أم نتيجة للشرعية والتأييد الجماهيري الذي يحظى به وقناعة الشعب بأن سياسات حكومته في مصلحتهم؟

الإجابة هي لا هذا ولا ذاك! بل  ان المشير ومن ورائه  أركان نظامه الفاسد المستبد يظنون – وبعض الظن إثم – أنهم حصنوا  أنفسهم  من “دفع الثمن السياسي” عن كل جرائمهم في حق الشعب السوداني  بآلة القمع التي لها الأولوية القصوى في الإنفاق الحكومي إذ تلتهم الأجهزة الأمنية والعسكرية  أكثر من 70% من ميزانية الدولة، ورغم ذلك ما زال البشير خائفا من الشعب إذ لا يمكن ان يأمن الجلاد ضحيته إلا إذا شد عليها الوثاق! ولهذا استبق نظام البشير قرارات التجويع والإذلال الأخيرة بوضع قوات الشرطة والأمن في حالة تأهب قصوى وإلى أجل غير مسمى!

ولكن مؤامرة  تكبيل الشعب السوداني والعمل على شل حركته لا يقتصر على حالة الاستنفار الأمني والشرطي قبل كل قرار مأساوي، ولا على حشد مليشيات الجنجويد وإطلاق يدها في طول البلاد وعرضها بما في ذلك الخرطوم، بل يشمل كل منظومة القوانين المقيدة لحرية التعبير والتنظيم، ويشمل تقنين انتهاكات حقوق الإنسان بقوانين “غير دستورية” مثل قانون الأمن والمخابرات الوطني” الذي جعل لهذا الجهاز الحزبي سلطات مطلقة ويدا عليا على الدولة والشعب ووضعه فوق القانون! ولذلك عندما خرج الشعب منتفضا في سبتمبر 2013 أطلق جهاز الأمن ومليشياته الرصاص والدانات على رؤوس وصدور المدنيين العزل بمن فيهم أطفال أبرياء ومواطنين غير مشاركين في المظاهرات بطريقة وحشية  تدل على انهم متأكدين من انهم في مأمن تام من المحاسبة، كما  تدل على ان البشير خائف جدا جدا بل مرعوب من “دفع ثمن” سياساته الرعناء، ولذلك في كل مرحلة من مراحل انحطاط نظامه يعبر عن خوفه المرضي هذا بالإفراط في القمع والإسراف في القتل والمبالغة في الخطاب المبتذل، وهذا شأن كل دكتاتور تطاول عليه الأمد وتمكن منه مرض إدمان السلطة، وهذا المرض من أعراضه عمى البصيرة الذي يجعل البشير واثقا من قدرته على الخلود في السلطة عبر التدابير القمعية ولا يدرك ان قنابل الظلم الكامنة في أي شعب لا بد ان تنفجر يوما ولا تبقي ولا تذر!

يحاول النظام تأجيل ذلك اليوم، ليس فقط بإرهاب الدولة، بل عبر آلته الإعلامية التضليلية والتجهيلية التي لا تمل الكذب ولي أعناق الحقائق حول طبيعة الأزمة الاقتصادية في البلاد، ونظرا لكثرة الغثاء المكتوب والمذاع والمرئي في هذه القضية، أكتفي هنا بذكر ثلاثة أكاذيب لا بد ان يصم الشعب السوداني آذانه عندما تلوكها أبواق النظام الإعلامية وهي:

أولا: أكذوبة التحرير الاقتصادي:

ما يحدث في السودان منذ بداية التسعينات ليس تحريرا اقتصاديا بل هو تهريج اقتصادي! فالتحرير الاقتصادي الذي يقتضيه النظام الرأسمالي لا يتحقق إلا في ظل شروط مقننة ومحمية دستوريا أهمها “مبدأ تكافؤ الفرص”،و”سيادة حكم القانون” ،و”الشفافية” و”استقلال القضاء” وهي شروط تستوجب وجود نظام ديمقراطي، فأين سودان الإنقاذ من ذلك؟ أين مبدأ تكافؤ الفرص في ظل نظام قمعي قائم على محسوبية حزبية صارخة ومشروع تمكين يحتكر كل فرص الترقي الاقتصادي لمنسوبي النظام؟ أين “الشفافية” في سودان الانقاذ الذي تصنفه منظمة الشفافية العالمية ضمن أفسد خمسة دول على مستوى العالم؟ أين سيادة حكم القانون واستقلال القضاء في نظام يجعل مصالحه الحزبية فوق القانون و”الإفلات من العقاب” هو القاسم المشترك الأعظم في كل حالات الاعتداء على المال العام والمصلحة العامة؟

إن التحرير الاقتصادي على طريقة وصفات صندوق النقد الدولي في الدول الهشة له آثار مدمرة حتى لو استوفى شروطه السياسية والقانونية، اما في حالة النظام السوداني فهو مجرد احتيال بموجبه تتملص الدولة من كل مسؤولية اجتماعية رغم ان أعتى الدول الرأسمالية في عالم اليوم ملتزمة بمجانية وإلزامية التعليم الأساسي، وملتزمة بدعم الصحة والزراعة وحماية البيئة.

ثانيا: أكذوبة الدعم:

إن ما تفعله الحكومة هو تصويب “سكاكينها” للقطع من لحم المواطن كلما جاعت خزائنها للمال! فليس هناك دعم ولا يحزنون! فأين دعم المحروقات الذي تقدمه الحكومة أصلا حتى تسحبه؟ المواطن السوداني ظل يدفع نفس الثمن لشراء المحروقات رغم ان سعر برميل النفط  انخفض عالميا في السنوات الماضية بنسب تراوحت بين 30% إلى 50%، أما دعم الدواء فكذبة بلقاء يحتاج تفنيدها إلى بحث مستقل يكشف كيف ان مشروع التمكين الاقتصادي للإنقاذ بدأ بنهب “الإمدادات الطبية” والمضاربة في الدواء والتلاعب باسعاره، وكم هو محزن ومخزي حصول شركات وهمية على  230 مليون دولار بسعر الدولار الدوائي (6.9) جنيه واستغلالها في استيراد سلع أخرى، وبدلا من العقاب الصارم لهذه الشركات المحتالة يقرر بنك السودان عقد تسويات معها لاسترداد المبالغ المنهوبة بالتقسيط المريح! أما العقاب الصارم والفوري  فيصوب إلى المواطن السوداني عبر الامتناع عن توفير “الدولار الدوائي” ومضاعفة أسعار كل الأدوية بما فيها تلك المنقذة للحياة في حين ان فاتورة العلاج حتى قبل هذا القرار المتوحش كانت تثقل كاهل المواطن وتقهره!

ثالثا: أكذوبة أن سبب الأزمة فقدان عائدات النفط بعد انفصال الجنوب:

إن أس الأزمة الاقتصادية هو التدمير المتعمد للقطاعات المنتجة في الاقتصاد السوداني وعلى رأسها القطاع الزراعي، فالسودان ليس صحراء جرداء ليكون “هبة النفط” فينهار تبعا لتقلص انتاج النفط، ولو أن التسعين أو المائة او حتى الخمسين  مليار دولار(في أقل التقديرات)  التي جناها السودان من تصدير النفط عندما كان سعره العالمي يبلغ مائة دولار للبرميل، استثمرت في الزراعة والصناعة ومشاريع البنية التحتية لكانت البلاد قد انتقلت إلى مرحلة اقتصادية مختلفة نوعيا عن ما هي فيه الآن، ولكن أموال النفط تبددت في الفساد، أما المشاريع المنتجة وعلى رأسها مشروع الجزيرة فقد استهدفت بسياسات تصفية ممنهجة تمهيدا لبيعها في صفقات مشبوهة، أما رأس المال الأعظم والأهم في أي دولة في العالم، إلا وهو “رأس المال البشري” فتعرض في ظل نظام الإنقاذ إلى اكبر عملية تبديد سواء عبر القتل المباشر والإبادات الجماعية في الحروب، أو عبر انهيار النظام الصحي والنظام التعليمي الذي أصبح عاجزا عن تخريج عناصر ذات قدرة تنافسية في سوق العمل، ومن تأهل بمجهوده الخاص وعرق أسرته هاجر إلى خارج البلاد فرارا من جحيم الفقر والبطالة.

إن كل أزمات السودان الاقتصادية جذرها سياسي! ولا أفق لحلها إلا في إطار حل سياسي جذري عبر مشروع ذي رؤية فكرية وبرامج مدروسة لاستئصال الفساد وتوطين الشفافية وتحفيز الإنتاج والاستثمار الذي يبدأ ببرنامج شامل للتنمية البشرية.

نظام البشير غير مؤهل لشيء من ذلك، كل ما هو مؤهل له هو إجبار المواطن المسحوق على تسديد فواتير الفساد والفشل الاقتصادي والترف الحكومي.