رشا عوض

تحية الشرف والمجد لكل المشاركين والمشاركات في العصيان المدني في السودان الذي بدأ صباح اليوم!

النظام راهن على انه دجن الشعب السوداني وكبّله بالخوف واليأس!

واليوم يثبت الشعب السوداني أن جحافل الأمنجية والجنجويد والعسس وعصابات الإرهاب وكل معاول الهدم والمؤامرات الدنيئة لانتزاع “إرادة التغيير” ومصادرة”إمكانية العمل من أجل التغيير” فشلت في أن تجردنا من “نبض المقاومة” !

فشلت في أن تحبسنا في خانة الاستسلام للذل والقهر!

فشلت في أن تحجب عنا أفق الحرية والكرامة والعدالة!

فشلت في أن تطفئ في نفوسنا الشوق إلى الحرية!

باختصار فشلت في أن تجردنا من “إنسانيتنا” !

فالنظام الحاكم في السودان الآن بقيادة البشير وسدنته ما هو إلا نظام لتجريد الشعب السوداني من “إنسانيته”!

أي مظاهرة وأي عصيان واي إضراب وأي جهر بكلمة حق في وجه الفرعون هو رصاصة في قلب مشروع “حيونة الإنسان السوداني”!

هو تجسيد لإرادة المقاومة التي تنمو كما الكائن الحي إلى ان تستوي عملاقة تنتزع “الحق الطبيعي” لنا في أن نعيش بكرامة!

سيخرج السودان حيا من بين أنقاض”نظام البشير” كما يخرج كثير من الناس أحياء من أنقاض العمارات المنهارة بفعل الزلازل!

تفكيرنا يجب ان يتجه نحو رسم خطة لإنقاذ السودان وإخراجه سالما موحدا قابلا للنماء والتطور من بين أنقاض هذه العصابة التي تحكمه الآن، والتي تبث الرعب بأن ذهابها يعني الفوضى!

إن الترياق المضاد للفوضى والانهيار الشامل ليس الاستسلام للفساد والاستبداد والخضوع المذل لنظام التجويع والقهر وكأننا شعب يجب ان يكون سقف طموحاته “الوجود البيولوجي” وبشروط حياة قاصرة تماما حتى عن تلبية “احتياجات الوجود البيولوجي” نفسه في الحدود الدنيا!

فأغلبية السودانيين اليوم محرومون من احتياجاتهم الأساسية في الغذاء والماء الصالح للشرب، والسكن اللائق بكرامة الإنسان، يسحقهم المرض وأسعار الدواء تتضاعف، يعجزون عن تعليم أبنائهم ويدفعون بأطفالهم ذوي الأجساد النحيلة إلى سوق العمل! وهؤلاء هم السودانيون المحظوظون! أما من هم في مناطق الحروب بدارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق فقمة طموحهم هو  البقاء في مأمن من قصف الطيران والانتنوف! فقط ان يبقوا أحياء آمنين من رعب الموت المجاني المحلق فوقهم!

إن التخويف بالفوضى وانهيار الدولة في حالة الإطاحة بنظام البشير يجب أن يكون محفزا للتغيير! وليس كابحا له كما يريد أرزقية النظام، لأن في هذا التخويف اعتراف ضمني من النظام بأنه انحدر بالسودان إلى آخر دركة من دركات الحضيض لدرجة أن وسيلته الوحيدة للدفاع عن نفسه ليست هي الانجازات السياسية أو الاقتصادية أو التنموية، بل عدِم النظام وبعد أكثر من 27 عاما من الانفراد بالسلطة ذريعة يبرر بها استمراره في الحكم إلا ذريعة واحدة هي في حقيقتها جريمة خسيسة  مكتملة الأركان، ألا وهي حقنه للدولة السودانية بالسم الزعاف الذي أعياها وأضعفها  وأفقدها المناعة التي تؤهلها للبقاء وتبعا لذلك تقزم عمر الدولة السودانية وأصبح يقاس بعمر العصابة المجتمعة على النهب والنصب والاحتيال! إن ماتت هذه العصابة أو قتلت ماتت دولتنا!

إن التحدي أمام الشعب السوداني بأجمعه ولا سيما قواه الحية أن يبطل مفعول “السم الزعاف” الذي حقنه نظام الاستبداد والفساد في شرايين حياتنا السياسية ومؤسسات خدمتنا العامة مدنية وعسكرية، ويتوحد خلف الهدف التاريخي الذي هو واجب هذه المرحلة التاريخية، ويتمثل في “انتزاع مصير الشعب السوداني من هذا النظام دون السماح له بجر البلاد إلى الفوضى التي يهددنا بها”

وهذا الهدف ليس مستحيلا بشرط أن يدفع كل منا ما يليه من استحقاقات، ولكي يتم ذلك بصورة منهجية لا بد ان يجتمع كل “أصحاب المصلحة في التغيير” حول مشروع سياسي انتقالي مستوعب لكل تعدديات السودان الإثنية والسياسية، مشروع له القدرة على مخاطبة كل الشعب السوداني وكسب ثقته وحشد حماسه ومن ثم التضحية من أجله، وفي الساحة السياسية رصيد من الأدبيات والاتفاقيات السياسية في هذه الاتجاه يجب إحكام بلورتها وتوسيع طاقتها الاستيعابية ومن ثم رسم خطة محكمة لكيفية تحصين وطننا من الانهيار واستشراء الفوضى والحرب الأهلية الشاملة، تهديد النظام بالفوضى هو تهديد جدي، وقوى التغيير يجب ان تقلب الطاولة بالاستعداد الجدي لهزيمة مخطط الفوضى عبر وحدتها وعبر تخطيطها المحكم لتنفيذ عملية انتقال سياسي آمن للبلاد، وليس عبر “الكف عن السعي في إحداث التغيير” لان هذا مستحيل! فالشعب السوداني تطوقه ضغوط تدفعه دفعا للخروج إلى الشارع، ووصول حراك الشارع إلى الكتلة الحرجة مسألة وقت ليس إلا، ولذلك لا الحكومة ولا حتى المعارضة تملك ان توقف حراك الشارع، وتأسيسا على ذلك فإن الحادبين على الاستقرار والمخلصون للشعب السوداني والراغبون حقا لا نفاقا في إنقاذه من الفوضى وحالة اللادولة هم الذين يعملون من أجل التغيير باخلاص، ويتضمن عملهم في مشروع التغيير صناعة “مضادات الفوضى” عبر البرامج والخطط العملية  وقبل ذلك الخطاب الفكري والسياسي والإعلامي.

لا يتسع المقام هنا لتفاصيل في هذا الإطار، ولكن هناك جملة من الأمور التي يجب على أصحاب المصلحة في التغيير أن يأخذوها بعين الاعتبار في أي حراك سياسي يهدف للإطاحة بالنظام هي:

أولا: نحن الآن في مرحلة العمل من أجل نقل السودان إلى خانة”القابلية للتغيير في اتجاه السلام والديمقراطية” لأن النظام القابض حاليا صادر تماما هذه القابلية وابقى لنا خيارا وحيدا هو الاستسلام المذل! وبالتالي فإن هذه المرحلة تتطلب الوحدة واتقان العمل المشترك رغم اي اختلافات فكرية أو سياسية.

ثانيا: يجب إدراك ان تحقيق شروط السلام العادل والتحول الديمقراطي والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية هي عملية تاريخية لا يمكن ان تتم ضربة لازب! ولكنها تتطلب بيئة سياسية وقانونية وثقافية مواتية، وبالتالي فإن التحالفات السياسية في هذه المرحلة يجب ان يكون محورها “الالتزام بالعمل من أجل شروط هذه البيئة المواتية وعلى رأسها السلام، حرية التعبير والتنظيم، برنامج إسعافي لفك الضائقة المعيشية المصنوعة بسبب الفساد ونهب الموارد”.

ثالثا: العمل على إبراز قيادات جديدة هدف استراتيجي، ولكن لا بد ان لا يتعارض مع مبدأ العمل المشترك المنتج مع المكونات السياسية الراهنة للمعارضة، فهذه المرحلة هي مرحلة تجميع الطاقات وتوحيدها صوب هدف “الانتقال الآمن إلى خانة القابلية للتغيير” والتغيير بطبيعته عملية تاريخية مستمرة، فهذه المرحلة ليست للمفاصلات الحدية سواء على أساس فكري أو آيدولوجي ، المفاصلة المطلوبة الآن هي بين من يعملون على تصفية نظام الحزب الواحد لصالح نظام الوطن الواحد المحكوم بنظام سياسي تعددي يكفل الحريات العامة وحقوق الإنسان. وبعد ان ننجح في ذلك تبدأ عملية الفرز السياسي وفق شروط التنافس الديمقراطي الشريف.