د. فيصل عوض حسن

اجتهدتُ لإعداد هذه الورقة عن الإدارة بالأزمات (صناعتها من العَدَم)، باعتبارها أُسلوب مُدمِّر انتهجه المُتأسلمون لتحطيم السُّودان وشعبه ولا يزالون. ولقد حرصتُ في اجتهادي الذي أتمنَّى أن يكون مُفيداً، على المَزْجْ بين الجانب الأكاديمي والواقع الفعلي (التطبيقي)، عبر عرض ومُناقشة المفاهيم العلمية وتطبيقاتها العملية.

وفي هذا الإطار، تمَّ تعريف الأزمة/الأزمات وخصائصها ومراحلها وإدارتها، مع تعريف الإدارة بالأزمات (Management by Crisis)، ونشأتها وتطوُّرها التاريخي ونطاق تطبيقاتها (إدارة الأعمال والإدارة الدولية)، ومراحلها وتكتيكاتها والنتائج المُترتِّبة عليها. أعقب ذلك، عرضٌ مُختصر لتطبيقات هذا الأُسلوب الإداري في السُّودان، وتمَّ انتقاء جوانب مُعيَّنة لقناعتي – وفقاً لعددٍ من المُؤشرات الواقعية – بحساسيتها العالية وتأثيراتها العميقة على السُّودان وأهله، فضلاً عن صعوبة عرض كامل التجربة الإسلاموية المُدمِّرة في ورقةٍ محدودة، لضخامة هذه التجربة وحاجتها لكُتُبٍ ومُجلَّدات من فرط سُوئها وبشاعتها. وانتهيتُ لبعض التوصيات والمُقترحات، التي أرجو أن تكون مُفيدة في تفسير كثير من الخفايا، ومُجيبة على عددٍ من الاستفهامات الدائرة بالأذهان، وداعمة لجهود إحداث التغيير واللحاق بما تبقَّى من السُّودان، ومُحاولة إعادة بنائه على أُسُسٍ علميةٍ سليمة.

وفي الواقع، فإنَّ فكرة إعداد هذه الورقة ظَلَّت تُراودني منذ فترةٍ ليست قصيرة، وازدادت قناعتي بحتمية هذا الأمر تبعاً لتزايُد تطبيقات هذا الأسلوب الإداري المُدمِّر من جهة، وعدم كفاية المقالات العديدة لتنبيه السُّودانيين بأخطاره ووقوعهم في فخاخه من جهةٍ ثانية. فضلاً عن دخول الأزمات الإسلاموية المصنوعة لحدودٍ خطيرة تُهدِّد بقاء السودان ككيانٍ وطني من جهةٍ ثالثة، وهي في مُجملها تفاصيلٌ شرحتها في الورقة التي استندنا فيها للأدبيات الأكاديمية الموثوقة والمُعتمدة، مع الوصف والتحليل والمُناقشة والاستنتاج بواقعيةٍ وموضوعية قدر الإمكان.

ثمَّة حقائق هامَّة أختمُ بها، أوَّلها أنَّ إحداث التغيير ليس أمراً سهلاً يُمكننا تحقيقه بالهتاف أو البيانات أو بالتجزئة وغيره، فهو يحتاجُ إلى تنظيمٍ وتخطيطٍ مُحكم، ولقيادة رشيدة وواعية والأهم (صادقة) و(أخلاقية)، لا يعلو عندها أي شأنٌ آخر سوى السُّودان (الكيان) وأهله، وما لم تتوفَّر هذه العناصر يصعُب إحداث تغيير (جذري) حقيقي نحتاجه بشدَّة، وحتَّى لو حدث ذلك التغيير فسيكون مصيره الفشل (إعادة إنتاج/تدوير الفشل). وثاني الحقائق، تتمثَّل في أنَّ مرحلة ما بعد التغيير هي الأخطر، وتحتاجُ لرُؤيةٍ (استراتيجية) رصينةٍ وموضوعة مُسبقاً والبدء بتنفيذها فور نجاح التغيير، تلافياً لأي فراغٍ مُؤسَّسيٍ أو فوضوي قد يحدث فلا تُحمَد عُقباه. وثالث الحقائق، تتعلَّق بصعوبة تقسيم السُّودان بأي حالٍ من الأحوال، لما سيترتَّب على ذلك التقسيم من فشل الجُزء المُنقسم وبقية الأجزاء، فأقاليمُ السُّودانِ ومناطقه على قدر ثرائها إلا أنَّها تُكمِّل بعضها بعضاً، ولا ترتقي لمُستوى دول (مُنفصلة/مُستقلَّة) وفقاً للمُعطيات العلمية والمنطقية. وبالنسبة لدعاوي العُنصُرية والجهوية وغيرها، فقد صنعها المُتأسلمون باحترافية، واستغلَّها (بخبثٍ) المُتاجرون بقضايا الشعب، والضحية الأوحد هم المُواطنون البُسطاء. ويُمكن القول بأنَّ تقسيم البلاد، تحت أي مُسمَّى، سيقود لتلاشي الجميع من الوجود تماماً ولن يستفيد منه السُّودانيون، مما يُحتِّم علينا التعاطي بأعلى درجات الحكمة والتفكُّر مع الكثير من التحديات، التي من أخطرها مسألة الوافدين الجُدُد الذين أتى بهم المُتأسلمون في مُختلف مناطق السُّودان، وما يُمكن أن يفعلوه بالبلاد والعباد وتغيير كثير من الموازين، وهذا لا يتأتَّى إلا باتحاد جميع السُّودانيين والاتفاق على رُؤيةٍ موضوعية لمُواجهة المُتأسلمين ومن شايعهم. ويُمكن التأسيس لهذه الوحدة المنشودة، على أُسُسٍ ومعاييرٍ جديدةٍ وعقلانية، أساسها المنافع والاحترام المُتبادل بين أقاليمنا ومناطقنا، بثقافاتها وعاداتها وتقاليدها ومُعتقداتها المُختلفة، ودعم كل هذا بقوانينٍ رادعة، واستراتيجياتٍ رصينة، وتفعيل أساليب المُتابعة والتقييم والتقويم المُستمرَّة.

وتتمثَّل الحقيقةُ الرابعةُ في إسقاط فكرة الدعم الخارجي من حساباتنا نهائياً، فالخارجُ يدعم البشير وجماعته بكل قوَّته رغم إجرامهم غير المسبوق، والشواهد عديدة ولا تحتاج لاستدلال، ومن السذاجة بمكان التعويل على الخارج الذي يجد مصلحته مع هؤلاء، ولم ولن يقف معنا لتغييرهم أو استبدالهم، ولو طَلَبنا دعماً خارجياً فسيكون مشروطاً بصورةٍ تنتفي معها معاني التغيير. فالسُّودان بأوضاعه الحالية فريسة مُغرية وسهلة الالتهام، ومن أراد تغييراً حقيقياً عليه عدم التعويل على الخارج بأي شكلٍ من الأشكال، ولنعتمد فقط على سواعدنا ومواردنا وقدراتنا الذاتية. وأمَّا الحقيقةُ الخامسة، فتتمثَّل في ضرورة الابتعاد (تماماً) عَن الموسومين بالقيادات التاريخية، بعدما فشلوا (عملياً) في تسيير البلاد منذ الاستقلال وحتَّى الآن، بما في ذلك (فشلهم) الواضح في اقتلاع المُتأسلمين وإيقاف إجرامهم المُتزايد، وتآمُر بعضهم معهم وأيضاً الأمر لا يحتاج لاستدلالٍ وتأكيد.

إنَّنا نسيرُ نحو هاويةٍ سحيقةٍ تُهدِّد بقاء كل ما هو سُّوداني، وعدونا الأكبر والأوحد هم المُتأسلمين ومن يتآمر ويتراخى معهم، سواء مُتآمري الداخل تُجَّار الحرب باسم النضال الذين لا يهمهم سوى مصالحهم السُلطوية والمالية، أو المُجتمع الدولي الطامع في مقدراتنا، أو أولئك المُتدثرين بثوب الأشقاء ويلتهمون أراضينا ويستبيحون أرواحنا، ولا مجال للتخلُّص من كل هذه الكوابيس إلا باقتلاع المُتأسلمين كبدايةٍ لأي إصلاحٍ (حقيقيٍ) اعتماداً على ذواتنا، والتأخير والتردُّد والصراع في ما بيننا يضرنا ويُضعفنا، وينبغي توحيد جهودنا نحو العدو الحقيقي. وتبقى ورقتنا هذه اجتهاداً شخصياً (بحتاً)، قد يشوبها القُصور في جوانب وقد يُحالفها التوفيق في جوانبٍ أُخَرْ، فنلتمسُ العُذر لو أخطأنا أو تَقَاصَرنا عن الطموحات، ونتطلَّع لأن يُساهم ما خَطَطْنَاهُ مع جهود الآخرين (لو وُفِّقنا) في تحقيق التغيير المنشود.

 

 

 

رابط تحميل الورقة كاملةً:

http://up.top4top.net/downloadf-331lqnzn1-pdf.html