د.النور حمد

تحدثت في الحلقة الماضية عن ظاهرة الإنكار المستشرية وسطنا، نحن السودانيين. وأبدأ بمثال يعكس بقية واقع الحال، رغم ما يتسم به من شطط، وهو انكار الإسلاميين، ومكابرتهم في الاعتراف بفشل تجربتهم التي بلغ عمرها الآن سبعة وعشرين عامًا، ونيف. لم يبدر منهم طيلة هذه المدة ما ينبئ بأنهم يمكن  أن يقرِّوا بالفشل، على الاطلاق. وفي هذا دلالة على نسخة الإسلام التي رفعها هؤلاء القوم، هي نسخة رعوية. بعبارة أخرى، هي نتاج للمسخ الذي قام عقل الرعاة لقيم الإسلام. وتلك ظاهرة لم تخل منها حقبةٌ، من حقب التاريخ الإسلامي. الشاهد، أن الإنكار والمكابرة، سمتان من سمات بنية العقل الرعوي، لا يسهل عليه هجرهما. فهما، كما سبق القول، جزء من البنية النفسية، التي تُنشِّئ عليها القبيلة أفرادها، من أجل حراسة أمنها، في بيئة اجتماعية لا تقبل الإقرار لأي نقص، على قاعدة: “لنا الصدر دون العالمين، أو القبرُ”، غلا توسط، ولا اعتدال.

رغم كل صور الفشل المدوية التي شهدنا حلقاتها، حلقة، حلقة، على مدى سبعة وعشرين عامًا، لا يبدو أن هناك شيئًا يمكن أن يجعل أهل الانقاذ يقرون أنهم أداروا تجربة غلب عليها الفاشل. فلا هجرة الريف الملحمية، التي جعلت الأرياف خاويةً على عروشها، وجعلت العاصمة تتضخم، حتى تعذرت أدارة شؤونها، ولا اتساخ هذه العاصمة بصورة لا شبيه لها في مدن العالم، ولا تراجع سعر الجنيه السوداني، بمتوالية هندسية، لا تنفك تتواصل، ولا تدهور التعليم، الذي بلغ بطلاب الجامعات درجة عدم معرفة الإملاء، دع عنك النحو والصرف، ولا احتلال السودان ذيل القائمة في كل مؤشرات النمو التي تصدرها المؤسسات الدولية، ولا ديونه التي قاربت، أو جاوزت، الخمسين مليارًا من الدولارات، ولا أي شيء من هذا القبيل، يمكن أن يجعلهم يقرون بالفشل.

لقد ظل الاسلاميون السودانيين، يديرون مسيرةً متصلة من التخريب الممنهج، الذي طال بنية الدولة، وقوانينها، وضوابط خدمتها المدنية، وحرمة مالها العام، ونزاهة قضائها، ومعيشة أهلها، بل وحتى أمنهم الشخصي، ومع ذلك لا يزالون يحاولون أن يهتفوا، ويهللوا ويكبروا، بنفس الحماسة التي كانوا عليها عام 1989. وحتى كارثة انفصال الجنوب لم تحدث لهم ذكرا. وبطبيعة الحال، هناك من بين الانقاذيين، ممن لهم علمٌ، وبهم حياءٌ، جعلاهم يباعدون بين أنفسهم، وبين هذه الحالة المستعصية من الانكار الممتد. ولكن هؤلاء قليلون يُعدون على الأصابع. وجماعة الانقاذ هنا، مجرد مثال فقط، فكل السياسيين السودانيين كانوا على ذات الشاكلة. كل الفرق أن أهل الانقاذ وجدوا في تجربة الحكم زمنًا طويلاً لم يجده غيرهم. ومع ذلك، لم يسعفهم طول الزمن هذا في التدبر والمراجعة، والاعتراف بالفشل، ومن ثم اليد لمواطنيهم المختلفين معهم، طلبا للعون، أو فتحًا لأبواب المشاركة في القرار السياسي، وفي إدارة شؤون. بل، أغرتهم القدرة على البقاء في السلطة طويلا، بفتلِ مزيدٍ من حبال الانكار والمكابرة، والغلو في العزة بالإثم.

ظللنا، لعقودٍ، نرى قادة الانقاذ يقفون، كل يوم، أمام أجهزة الإعلام، مؤكدين أننا نتطور وننمو. بل إن بعضهم يجنحون إلى إغاظة معارضيهم، بكل سبيل ممكن، وبكل منكرٍ، من القول، والفعل. وحين ينكسر كبرياء بعضهم قليلاً، بسبب ضخامة الفشل وصعوبة انكاره، يحيلون أسبابه إلى الاستهداف الدولي! ويا لها من حيلةٍ رخيصةٍ، مكشوفة! فالاستهداف، إن صح أن هناك استهدافًا، غرضه الأساس الإعاقة، فلماذا لم يعق هذا الاستهداف دولا أخرى؟ فها هي الدولة في إيران لم تنشطر، ولم تتفكك، ولم تتراجع، مثلما حدث لدولتنا السودانية؟ لقد أضعفت العقوبات إيران، هونًا ما، ولكن إيران بقيت متماسكةً، وفاعلةً في محيطها الإقليمي، بل ومسببة قلقًا حقيقيًا لكل المنطقة.

الفارق بيننا وبين إيران، في تقديري، هو أن في إيران دولة بقيت حاضرة، مدًا وجذرًا، على مدى الأزمان، منذ حقب الامبراطورية الفارسية، ومرورا بحقب الإسلام المختلفة. بقيت إيران بسبب عراقة تقاليد الدولة فيها، وبسبب أن أهلها يتشاركون شعورًا قوميًا إيرانيا موحدًا. أما نحن، فلم نعرف أصلاً ما الدولة. وأعني هنا، أننا لم نعرفها في تاريخنا القريب المؤثر على حاضرنا، وهو تاريخ لا يتعدى مداه الزمني الخمسمائة عامًا الأخيرة. ولا يُستثني من ضعف الدولة عندنا، واضطرابها، في الخمسمائة عام الماضية، سوى فترة الاستعمار البريطاني (1898-1956). وهي فترة قصيرة العمر، حرسها البريطانيون من التخريب، وما أن رحلوا انهارت عقب خروجهم مباشرة، كما سبق أن أشرت في الحلقات السابقات.

لقد ظلت تلك التي نسميها، مجازًا، “دولة”، مجرد ساحةً للنهب، وتحويل المال العام للحيازة الخاصة، دون أي شعور بالذنب. فالعقل الرعوي طبيعته السلب، وليس من طبيعته البناء. فهو يمثل مرحلة من مراحل التطور البشري، ونمطًا من أنماط عيش البشر. فالبدو متنقلون، ولهم مفهومهم للزمن، والتطور والتغير ليس وجود لهم في نمط عيشهم. فالزمن لديهم اقرب ما يكون للدائري. ولذلك تظل حياة البدو، كما هي تقريبًا، ولآلاف السنين. وحين يعلو البدو على الحضر بالغلبة، ويجلسوا في مقاعد القيادة، بدلا منهم، يحبسون الحياة، بإخضاعهم لها لطبيعتهم. وهذا ما حدث حين جرى في تخريب سوبا. فقد هُدمت تقاليد الدولة السودانية القديمة الراسخة، وقامت على أنقاضها سلطنة الفونج، وهي سلطة رعاة.

تلك، في تقديري، هي النقطة التي جرى فيها القضاء على بقايا الدولة الكوشية النوبية العظيمة، وإرثها وتقاليدها الدولتية العريقة، واستبدالها بكيانٍ مهلهلٍ، أصبح أداةً للنهب، وموضوعًا له، في ذات الوقت. مرة أخرى، الفارق بيننا وبين إيران، بل بيننا وبين إثيوبيا، أننا انقطعنا عن جذرنا الحضاري، الكوشي القديم، الذي عرف الدولة منذ آلاف السنين، وحافظ على تقاليدها، حتى نهاية العصر المسيحي. مع اعتبار الفارق الكبير من حيث الرسوخ والانجاز الحضاري، الذي تتفوق فيه دولة مروي، التي استمرت من القرن الثالث قبل الميلاد، إلى القرن الرابع الميلادي، على الممالك المسيحة التي قامت على أثرها. تمثل المنعطف الخطير، الذي أربك مسيرة التاريخ السوداني، في الصورة التي قامت بها سلطنة الفونج، التي حولت الدولة إلى مجرد كرسيِّ للمجد القبلي، والشخصي، وللوجاهة الاجتماعية، وللحيازة، عن طريق آلة الحرب. كانت حقبة سنار سلسلة متصلة من الحروب على الحطام. والميزة الوحيدة لسنار، هي انتشار التصوف، الذي كثيرا ما أطفأ من نيران القتال المرير، في تلك الحقبة المشتعلة.

البحث في الظواهر يمكن أن تجري جمع مادته، عبر مناهج كثيرة، منها طريقة “ملاحظة المشارك”؛ أي أن يراقب الباحث المنخرط في مجال بعينه، انخراطًا يمنحه صفة المشارك، حدوثًا متكررًا لظاهرة ما، بما يصل إلى تشكُّل ما يمكن أن نعدُّه نمطًا. يسمي أهل مناهج البحث العلمي الكيفي، هذا النوع من طرق جمع المعلومات، بـ “ملاحظات المشارك” participant observation. ويُستخدم هذا النوع من طرق جمع المعلومات، في البحوث المتعلقة بالأنثروبولوجيا الثقافية، وغيرها من فروع علم الإنسانيات.

العقل الرعوي منحبس، دائمًا، في الهم الشخصي، ومنحجبٌ دائمًا عن الهم العام. ولهذه الظاهرة في حياتنا السودانية تجليات جمة. غير أن الاعتياد، من جهة، والانكار، من جهة أخرى، إضافةً إلى عدم القدرة على الملاحظة، تجعل الكثيرين لا يلتفتون إلى الظواهر السالبة، دع عنك أن يقروا بوجودها. وأحب، في ما يلي، في هذه المقالة، أن أورد أمثلة لهذه الحالة. وتتعلق الأمثلة بتحويل الملكية العامة، إلى ملكية خاصة. أي؛ تحويل ما هو للدولة، وما هو ملك عام، إلى الحيازة الشخصية.

أول تلك الأمثلة، تعكسها ظاهرةٌ متواترةٌ الحدوث، في قرى الجزيرة. فقد لاحظت عبر عقودٍ من المعايشة اللصيقة، أن كل فردٍ يعيد بناء حوش منزله، لأي سبب من الأسباب، يسعى، وبصورة تلقائية، إلى ضم جزء من مساحة الشارع، إلى بيته. ولقد لاحظت، في عدد من القرى، كيف أن الشوارع التي كانت في ما مضى فسيحةً، تحوّلت بفعل هذه الاعتداءات المتكررة، إلى أزقة بالغة الضيق. فما كان منها يمرر شاحنةً، أصبح لا يمرر عربةً صغيرة. بل إن بعض الشوارع تحولت إلى أزقة لا يستطيع صاحب حمارٍ يحمل على جنبتي حماره، حزمتي قصب، أن يمر من خلالها.

ولا تنفك هذه النزعة المتجذرة في نوع من الطمع، يبلغ درجة العصاب، تثير الشجاراتِ بين الناس. ويفشل شيخ القرية في ايقاف هذه الاعتداءات، ويأتي الناس للوساطة لإيقاف الشجار. فشيخ القرية أصلاً بلا سلطات تنفيذية وعقابية. والناس مصابون بانتفاخ الأنا، وبقلة الحياء في ابداء الطمع والدفاع عنه إلى أقصى الحدود، ما يجعلهم لا ينصاعون للسلطة، ولا للقانون. والمسؤولون الإداريون الذين ظلوا يعملون منذ الاستقلال في إدارة الشؤون البلدية في المدن، وفي الأرياف، ينتمون إلى ذات العقلية التي لا تسعى لتعديل سلوك الناس، ومنع التعديات بقوة القانون. تحققتُ من عموم هذه الظاهرة المتكررة، بسؤال بعض الأصدقاء الذين من يعيشون في قرى مختلفة، من قرى الجزيرة، لم أعش فيها، ولم أزرها بصورة متكررة، وأكد لي جميعهم حدوثها، وبذات الصورة.

أخذت هذه الظاهرة صورة أخرى، في العاصمة الخرطوم. وقد بدأت صورها الأولى تظهر في سبعينات القرن الماضي. أخذ سكان الامتدادات السكنية المختلفة، يبنون مصاطب خارج بيوتهم، ثم يقومون بتسويرها؛ إما بسياجٍ شجري أو حديدي، أو بكليهما. فضاقت الشوارع وأصبحت لا تتسع لمرور سيارتين، تسيران متعاكستين. يقضم جارٌ جزءًا من الشارع، ولا يعترض، عليه جاره، وإنما يتخذ من ذلك ذريعة، ليقضم هو جزءًا من الشارع مثله، وفي صمتٍ تام. وهكذا تستمر هذه المؤامرة الصامتة لقضم الشارع ليتحول إلى مجرد زقاق. ومن يقومون بهذا النوع من نهب الملكية العامة، والحاقها بالملكية الخاصة، في القرية، وفي المدينة، يعدونه، “فلاحة” و”نجاضة” و”شطارة”. بعبارة أخرى، يصبح الاعتداء على الحيز العام فضيلة ومأثرة. ولهذا النمط من الأخلاق السيئة جذور تاريخية. فما يهم الفرد أو الأسرة، هو منزلهم، وحسب. ولا شأن لهم بالشارع؛ اتسع، أو ضاق، أو انغلق كليا. فهذه العقلية تقف على النقيض تمامًا من نظم الدولة، ومن أسس التخطيط الحضري، ومن جملة ما نسميه، المصلحة العامة المشتركة. هذا مع أن أساس فكرة الدولة، بغض النظر عن صورتها التي تكون عليها، من صلاحٍ أو طلاحٍ، هو إقامة الوزن بالقسط؛ بين الحيز الخاص، والحيز العام. فالتمدن كله قام على القوانين التي تحافظ على هذه المعادلة البسيطة. لكن العقل الرعوي، بطبيعته، يضيق بهذه المعادلة، ويظل يعمل على تكسيرها، ما وسعته الحيلة.

من الأمثلة الأحدث نسبيًا، في التعدي على الشارع العام، ظاهرة تمدد أصحاب الدكاكين خارج دكاكينهم. أصبح كل صاحب دكان، يبني أمام دكانه مظلةً من الحديد، ويحميها بشبكة معدنية، ليجعل منها امتدادًا لدكانه ووضع جزءٍ منبضائعه في الشارع العام. ويبدو أن بعض، أو كل، “العقول الرعوية” الجالسة في إدارة المحليات، وجدت في هذه التعديات فرصةً جديدة لزيادة الأتاوات، أو فرصة لتلقي الرشاوى، فغضت عنها الطرف، ولربما شجعتها. ولم يكن الأمر كذلك، لما أصبحت هذه التعديات أمرًا طبيعيًا، ولما بقيت هذه التحديات، دون أن يطال أصحابها القانون. بعض هذه المظلات المعدنية وتوابعها، يمتد في الشارع العام من ثلاثة إلى خمس أمتار، الأمر الذي يخلق، مع توقف المواطنين، بسياراتهم، أمام هذه الدكاكين للشراء، اختناقات مرورية مزعجة. وبما أن التمدن يعني تكامل المنظومة الحضرية، فإن أي انكسار في جزء من هذه المنظومة،  يؤدي إلى تأثر بقية الحلقات الأخرى، فتنهار في تتابع يشبه تتابع انهيار قطع الدومينو. وهكذا تتآكل مكاسب التحديث في حياتنا ونترد باستمرار إلى الفوضى و “الإيدية”. وكما تقدم، لا يقف هذا النمط من السلوك، المعاكس للتحضر ولقيم الحداثة، عند الأفراد في الحواري، وإنما يتعداهم إلى رجال الدولة أنفسهم. فالعقلية هي، هي، في الحالين. وكما ورد في الأثر، “كيفما تكونوا يُولَّى عليكم”.

تتجلى رعوية عقول المسؤولين، في الاعتداءات المتزايدة على الساحات العامة، التي شغلت الصحف السودانية في العقود الأخيرة، خاصة في ظل نظام الانقاذ الحالي، الذي ترك للعقل الرعوي الحبل على الغارب، ودعمه بسلطة باطشة، وبضرب المحاسبية، ما شجَّع على التجاوزات. المهندسون الذين رسموا الخرائط في البداية، وجعلوا للشوارع مساحات معلومة، تختلف من شارع لآخر، وتركوا فضاءات خالية لمنشآتٍ يُتوقع أن تتولد لها الحاجة مستقبلاً، رسموا خرائطهم وفق ما درسوه في علوم التخطيط الحضري. غير أن العقل الرعوي الذي يتشاطره الجمهور، مع النخب الحاكمة، لا يؤمن بالصالح العام ولا بالملك العام. فهو لا ينفك يضع عينه على الملك العام ليحوله، بمختلف الحيل، إلى ملكٍ خاص. فالبداوة قامت على الشعور بالأحقية المطلقة: “ونشرب إن وردنا الماء صفوًا، ويشرب غيرنا كدرًا وطينا”. فهي ترى أن من حقها أن تضع كل ما يمكن أن تطاله يدها، عن طريق القهر والغلبة، تحت يدها. ولذلك، فإن الرعاة حين اجتاحوا بنية القرية السودانية، وبنية المدينة السودانية، اجتاحوها بنفس العقلية. وهي عقلية يتع1ر عليها أن تفهم أن هناك معادلة ينبغي حفظها، بين الملكية الخاصة، والملكية العامة.

أيضًا، سبق أن ذكرت، أن سودنة الوظائف، التي جرت قبل الاستقلال بقليل منحت أكثر من 98% من الوظائف للسودانيين الشماليين، حتى في الجنوب. وهذا تصرف جرى على ذات الأنساق التي ذكرنا. فقد أصبحت الوظيفة الحكومية عقب الاستقلال جزءًا من أسلاب الفترة الاستعمارية، التي كانت الأعين مصوبة عليهاوما أن ذهب المستعمر، ذهبت الوظيفة الحكومية للأسرة، وللأقارب، وللقبيلة، ولسائر المحاسيب. تبعت ذلك أيضا، استغلال الحق في المنازل الحكومية. فقد ظل الموظفون الحكوميون يسكنون في المنازل الحكومية، تأسيًا بالبريطانيين، الذين كانوا أغرابًا، عابري سبيل. وبما أن القلم أصبح في يد الأفندية، الذين خلفوا البريطانيين على الكراسي، جاد هؤلاء الأفندية على أنفسهم، بالسلفيات الميسرة من البنوك، لبناء المنازل الفاخرة، في امتدادات الدرجة الأولى الجديدة، ثم قاموا بتأجيرها للسفارات ولأعمال التجارية وللأجانب، وظلوا يسكنون في بيوت الحكومة، وهي بيوت مدعومة الخدمات. بل إن بعضهم ظل مستمرا في السكن في البيت الحكومي بعد سنواتٍ، وسنواتٍ، من تركه العمل. وتبعت ذلك تصاريح السفر على الطائرات والقطارات والبواخر. وتبع ذلك الحصول على المشاريع الزراعية الشاسعة وغيرها من الأراضي الحكومية، بأسعار بخسة. وراجت في فترة من الفترات ظاهرة منح مساحات لقطع الأخشاب، ولإنتاج الفحم، ما وضع ضغطا مستمرًا على الموارد الطبيعية، أوصلها حد النفاد، وما تسبب في تدهور مريع في البيئة.

ورث الوطنيون تدليل البريطانيين لأنفسهم. غير أن البريطانيين كانوا يعيشون في دولة غريبة، لا يعنيهم مستقبل أهلها كثيرا، ولذلك لم يجدوا بأسًا في تدليل أنفسهم من مالها العام، خاصة أنهم جاءوها من بيئة متقدمة وحياة رغدة، مرفهة. غير أن الوطنيين لم يروا قدرة البريطانيين على البناء، وقدرتهم على حراسة ما بنوه، وإنما رأوا الريع الذي ظنوه لا ينضب، فأخذوا يخمشون منه بلا ضوابط، أو روادع.

تفتحت، عقب الاستقلال، شهية العقل الرعوي للحيازة وللتملك، ولتحقيق المجد الشخصي، والوجاهة الاجتماعية. واندفع إلى الغرف من المال العام، بما يشبه الجنون. دلل الوطنيون أنفسهم من المال العام، تأسيًا بالبريطانيين، وجاء من بعدهم خلفٌ ساروا على ذات الدرب، لأن البنية العقلية ظلت كما هي، ولم تتغير. والآن صحونا جميعًا، لنجد أن الدولة قد ذهبت. كما وجد هؤلاء الذين بنوا العمائر من المرمر والرخام، أنهم لا يستطيعون الوصول إليها في الخريف، إلا بعد أن يخوضوا في الأوحال؛ راجلين، أم راكبين. وأنهم، لحظة خروجهم من أبوابهم، ومن أسوارهم الأنيقة، وسياراتهم الفارهة، يغرقون في الفوضى، والأوساخ، وفوضى الشارع العام، وكآبة المنظر، التي تعوذ منها النبي الكريم.

تجلس كل هذه الأحياء الراقية فوق بنية تحتية غاية في البؤس. فهي بلا نظام صرف صحي، إضافة إلى معاناتها، مثل بيوت الفقراء من انقطاعات الماء والكهرباء، ومن ضعف خدمات النظافة. غير أن أهل هذه العمائر أقدر من غيرهم على اجتراح الحلول الفردية. وتقود كل هذه الظواهر إلى وضع الأصبع على ظاهرة  عدم قدرة على تنسيق الجهود، وعلى العمل المؤسسي الرسمي السليم؛ يستوي في ذلك الأفراد والدولة. وعلى سبيل المثال، يوجد في كل بيت من هذه البيوت، وفي غيرها في من الأحياء الأقل فخامة، بئر سيفون وسيبتك تانك. والسبب أن الدولة لا تملك من المال، ولا من سداد الرؤية، ولا من القدرة على تنسيق الجهود، ما يمكنها من إنشاء نظامٍ عام للصرف الصحي. ولذلك يحل كل بيت مشكلة الصرف الصحي بمفرده، هذا مع العلم أن سيبتك تانك واحدًا، وبئرًا واحدًا، يمكن أن يستوعبا الصرف الصحي لعدد من البيوت. تمامًا، مثلما يحدث في العمارات متعددة الطوابق التي يسكنها عدد من الأسر. فلو جمع المال الذي يصرفه الأفراد على منشآتهم هذه، لربما كفى نصفه لعمل نظام صرف صحي عام. ولكن، لا وجود للدولة في حياتنا، ولا وجود لمفهومها أصلا. كما أننا لا نملك العقل الذي يمكن أن يدير الدولة، ويضمن ديمومة فعاليتها.

لا شك في ضرر نظام الآبار الفردية، ضحلة العمق، بالبيئة، خاصة في مدينة تشقها ثلاثة أنهر. الشاهد أن العقل الرعوي جعل من الدولة في السودان عبئًا على المواطن، بدل أن تكون عونًا له. فهي أقرب ما تكون إلى الشيء الزائد الضار. ذكر الدكتور خالد التجاني، مرة، أن عدم وجود الدولة في الصومال، جعل الشيلينغ الصومالي أكثر قدرة في الحفاظ على قيمته، في حين أدى وجود الدولة غير الرشيدة، ذات السياسات الخاطئة، في السودان، إلى فقدانٍ متواصلٍ في قيمة الجنيه السوداني.

يتواصل