عيسى إبراهيم *

 

* كيف تكون هناك دولة وحكام وسلاطين وهم لا يقدمون لمواطنيهم أبسط خدمات التعليم والصحة والأمن والمواصلات والتنمية وفرص العمل والحماية من الكوارث والنكبات والاشراف على اصلاح الطرق وتقديم خدمات الصرف الصحي وحمل النفايات واصلاح البيئة ومكافحة الأوبئة والبلاوي المتلتلة، من يحمي المواطن من جبروت وطغيان الحكام؟!!..

* الحادث المؤسف الذي وقع صباح السبت 26 نوفمبر 2016 في منطقة الحصاحيصا – أبوفروع (تصادم بين لوري وحافلة ركاب) بين العاشرة والحادية عشرة صباحاً، والذي راح ضحيته (للدقة المؤكدة من جهتنا لأننا أصحاب “وجعة”) خمسة أنفس (زينب ابنة عمي – هي والدة المخرج النابه الابن الأنور محمد صالح -، وعبدالمنعم زوج ابنتها، وسميرة زوجة ابنها، وحفيدتها أفراح لابنها التجاني، والعريس عبدالله زوج حفيدتها ريفاندا)، وإصابات الكسور (خمس عشرة حالة توزعت على عدة مستشفيات – إبراهيم مالك، والأكاديمي، ومستشفى الشرطة، ومستشفى بحري، والمستشفى الصيني، و”بست” كير، ومستشفى الأطباء، ومستشفى الشريف، ودار العلاج)، أكتب لأن الحادثة كشفت عن اختلالات كبيرة في ممارساتنا، على مستوى الدولة، وعلى مستوى الصحافة السودانية، وعلى مستوى الأخلاق السودانية وتدهورها في بعض الجوانب، ومع ذلك (بحمد الله) فانها لا تطعن بعمق في الشخصية السودانية التي مازالت تحتفظ وتحافظ على أصالتها في النجدة والمواساة والشهامة والكرم الفياض!، وأنا أكتب في ما أكتب بلغني الآن وفاة ابنتنا (يرحمها الله) هويدا عبد القادر الحسن – من ضمن منكوبي الحادث – ابنة أخي لعمتي كما أن أمها ابنة عمي (إنا لله وإنا إليه راجعون)، وهي أم لبنات وأبناء كثر (حفظهم الله وصبَّرهم على مصابهم الجلل، وصبَّر والدهم المكلوم عبدالفتاح)!!..

اختلالات الصحافة السودانية

* اطلعت على عدد من الصحف السودانية الصادرة صباح الأحد 27 نوفمبر وبحكم صلتنا بالمأساة ولمتابعتنا اللصيقة بنتائج الحادث ومعرفتنا بالضحايا اكتشفت عجلة وعدم دقة الصحف السودانية وتتلخص في تحويلها بعض الأحياء إلى أموات وارتكابها أخطاء في أسماء الضحايا وأعمارهم وإن كنت مازلت عذاراً لصحفنا (سعر الصحيفة 5 جنيهات عند الباعة الجائلين) التي تكابد الأمرين للاستمرار في تقديم الخدمة المستحيلة، وسط انصراف القراء عنها لغلاء سعرها، وملاحقات الأمن، وعرقلته صدورها، وتقديم صحفييها وصحفياتها للقضاء، وعدم قيام مجلس الصحافة والمطبوعات بالدفاع عنها، ومتابعة تدريب وتأهيل صحفييها (كان هناك مشروع لتقديم الصحفي المتكامل الذي يعرف فنيات الخبر وقدسيته، وامتلاكه تقنيات الارسال والاستقبال الاليكتروني، واجادته الطباعة والتصوير، وقد أصبح الآن حلماً بعيد المنال، كان من الممكن أن يفيد صحافتنا في سوداننا مترامي الأطراف هذا)!..

إستثمارات في النكبات والكوارث

* فوجئت بعدد كبير من عربات الاسعاف – قطاع خاص – تعمل في نقل المرضى بالأجر،  والاسعاف لا يسع أكثر من مريض واحد، وبالكاد بعض مرافقيه، والأجرة من الحصاحيصا إلى الخرطوم تتجاوز الـ (1.200 جنيه سوداني و”كاش”، أخبرني الابن “الأنور” الذي يتابع الحالات بالحصاحيصا أن بعض الاسعافات طالبت بـ 1.500 وآخرين أصروا على 2.000 وأخيراً كإمتياز له حصل على سعر 800 جنيه لاسعافات حكومية) ومن مستشفى إبراهيم مالك إلى الأكاديمي (فركة كعب) بـ (120 جنيهاً)، (عربات الاسعاف الحالية تنعدم فيها المواصفات القياسية المطلوبة من ممارس متمرن مرافق، أو سستر، تستطيع أن تقدم الاسعافات الأولية المطلوبة لاصابات الحوادث، مع خدمات الأكسوجين وخلافها من المطلوبات الضرورية في الحال)، أخبرني من أثق في شهادته أن الدفارات والبكاسي تتنافس بعد وقوع الأحداث لتقديم خدماتها مدفوعة الأجر بلا رحمة إلى أصحاب الوجعة ومرافقيهم!، هذا المسلك يتنافى تماماً مع الثقافة السودانية الحميمية!، ولا يغيب عن أذهاننا اختراع الانقاذيين للحج “المميز” لمزيد من الكسب المادي!..

حوادث المستشفيات: ربحية لا خدمية

     هي لافتات بلا خدمات مجانية، كل شيء “بي تمنو”، الدفع من لحظة الوصول إلى لحظة النقل إلى مكان آخر، وتكون محظوظاً إذا انتقلت إلى الأمجاد السماوية حيث الراحة الأبدية، فحوصات تتجاوز الـ 700 جنيه، والعمليات مليونية، وعليك تحمل جميع المطلوبات بالكاش الذي يقلل النقاش، وكان الله في عون مستشفى إبراهيم مالك الذي أصبح هو مركز استقبال الحوادث والذي يستقبل أكثر من 700 حالة يومياً بامكانيات ضئيلة، يليه الأكاديمي، وإذا كنت من أهل المال تتجه نحو المستشفيات الخاصة، وكلُّو “بي تمنو”!..

بيروقراطية الشرطة

* الابن “الأنور” المتابع لحالات الموتى والمصابين بالحصاحيصا وترحيلهم والقيام بالواجب تجاه كلٍ، اتصل بالشرطة المختصة بموقع الحدث، وطلب منهم أن يحصل على بطاقات تأمين الجرحى والمصابين الموجودة بحوزتهم كأمانات، فقالوا له: “هناك ذهب، وموبايلات، ومتعلقات شخصية أخرى”، فقال لهم: “يهمني من بين كل ذلك – في هذه اللحظة – بطاقات التأمين، لمتابعة علاج المصابين جراء الحادث”، فاعتذروا له بعدم استطاعتهم تسليم الأمانات جزئياً والتسليم الجزئي يدخلهم في حرج!، (فتأملوا أعانكم الله)!..  

أكثر من مئة مليون جنيه

* من المتوقع، وحسب الرصد الجاري، والمتابعة اللصيقة، أن هذه الأسرة المنكوبة دفعت، وستدفع أكثر من 100.000 جنيه سوداني لمعالجة جراحاتها، وتطبيب منكوبيها، بجهدها الخاص وبجهد أبنائها وامتداداتها في المنافي الاختيارية في دول الاغتراب، الذين هبُّوا جميعاً يلبون واجب النجدة والشهامة والكرم المعهود، إذ أن (المصائب يجمعن المصابينا)، وكمثال بسيط عملية جبر كسر في الرأس وعملية تجميل تكلف مبلغ 33.000 جنيه لمريض واحد، وربنا يستر، ويجيب العواقب سليمة!..

متنفذو الانقاذ لا يواسون

من طرائف عهد الزعيم الأزهري (يرحمه الله) أنه كان يواسي الناس في مصاباتهم ويعزيهم، ومن ما سُجِّل عن طريق الكاريكاتير، أن أحد سائقي مواتر التشريف المصاحبة يسأل أحد المارة: “بيت البكا بي وين؟!”، لم نر أحد متنفذي الانقاذ في المستوى الأعلى أو المتوسط أو الداني، يترجَّل ويهتم بأهل الكوارث والمصابات، من ما يعتبر خيانة للثقافة السودانية!، ونستثني من كل أولئك زملاء الأنور في المجال الثقافي الذين تابعوا وواسوا وساهموا ومازالوا يتابعون ويفعلون أكثر من استطاعتهم!.. 

* eisay@hotmail.com