فتحي الضَّو

تعلمُون أن المُغرمين بمشاهدة الأفلام السينمائية في دُورِها أو (الفن السابع) كما يُقال عنه، درجُوا على متابعة لقطات مختارة من أفلام ستُعرض لاحقاً من باب الترويج الجاذب لها، وتلك عادةً ما تتم في البداية، أي قبل أن يُعرض الفيلم الأساسي. وهي طريقة دعائية أطلقت عليها المُخَيّلة الشعبية السودانية مصطلح (المناظر) وذلك بالطبع كان عندما كانت للسينما دُور، يؤمها الناس مساءً للترويح ولتثقيف أنفسهم. وذلك بالطبع عندما كانت الخرطوم نفسها عاصمة تُعرَّض في دورها السينمائية الأفلام ذات الصِيت العالمي، مثلها مثل لندن ونيويورك وروما وباريس والقاهرة وبيروت. وبعبارة أخرى أكثر أيلاماً كان ذلك هو الواقع قبل أن يهبط (الجراد الصحراوي) على أرض السودان ويجعلها صعيداً جُرزاً!

تبعاً لذلك بدأ الناس يتداولون المصطلح المذكور (المناظر) في سياق وصف حدث جلل ألمْ بشخص ما أو جماعة، كنمط من أنماط التبشير بمزيد من عذاب واقع. وطبقاً لذلك فقد عنَّ لي اِستعارة مُصطلح (المناظر) لأخلعه على حدث (العصيان المدني) الذي جرت وقائعه في الأيام الثلاثة الأوائل (27/28/29) من الأسبوع المنصرم. وذلك كأصدق تعبير نستلهمه من الواقع

فالذي حدث هو في حقيقته مناظر تنبيء بقدوم الطامة الكبرى، تلك التي انتظرها الناس طويلاً، وعملوا من أجلها كثيراً، بغية الخلاص من نظام عصبة (فاقوا سوء الظن) كما وصفهم شهيد الفكر الأستاذ محمود محمد طه، وهو من الصادقين.

ولمَّا كان العصيان المدني الذي انتظم العاصمة المثلثة حدثاً استثنائياً داوياً، يكون الواجب المأمول أن نحيطه بقراءة متأنية ونظرة فاحصة تسبر أغواره، لا سيَّما، وأن تداعياته ما تزال تترى على الساحة، بل من المتوقع أن تنداح أكثر لتضع سيناريوهات النهاية كما خطط لها الطامحون. وبالرغم من أن كثيرين انبروا يحللون ويرصدون كل شاردة وواردة، إلا أنني في هذه المساحة أود أن استعرض (مناظر) ما بعد المناظر، منها ما لازم الحدث، ومنها ما تمخض عنه، ومنها ما ينتظر حدوثه، وجميعها من المتوقع عرضها قريباً على شاشة الوطن الصابر أهله!

أولاً: على الرغم من أن المخاض كان عنيفاً لجنين تخلَّق على مدى أكثر من ربع قرن بتراكمات يصعب حصرها في هذا الحيز المحدود، إلا أن عبقرية الشعب السوداني تجلَّت في عنصر المباغتة التي أعيت جلاوزة الأجهزة الأمنية بكل عدتها وعتادها، حيث ظنوا أنها مثل سائر الدعوات التي كانت تطلق من حين لآخر، وتناسوا غفلة أم عمداً أن هذا الخيار عصف بأعتى الأنظمة الديكتاتورية والشعب السوداني نفسه به قمين!

ثانياً: تمثلت المفاجأة الكبرى التي أخرصت أصوات المرجفين، في أن الذين صنعوا الحدث هم شباب واعد، بل من المفارقات ذات الوقع السيء على عصبة النظام، إنهم نفس الشباب الذين استهدفوهم بشعارهم النازي (إعادة صياغة الإنسان السوداني) وموارة لفشلهم في استقطابهم، لم يكتفوا بمحاربتهم بكل أسلحة الدمار الأخلاقي الشامل، بل كانوا يُشيِّعون عبارات فقدان الأمل والرجاء في من بقي محاصراً تحت قبضتهم، وبنفس القدر فتح أبواب الهجرة المشروعة وغير المشروعة للفارين من الجحيم. ونزيد في عناصر المفاجأة، تسجيل الشابات بل المرأة السودانية بشكل عام مواقف بطولية رائعة. ونعلم جميعاً مرارات استهدافهم للمرأة السودانية، وتفننهم في إذلالها وإهانتها حد القتل!

ثالثاً: اتصالاً مع أعلاه، إن عنصر المفاجأة الأكثر إظلاماً على عصبة النظام وأجهزته الأمنية، فشلهم في الوصول للجهة التي خططت وعملت وتابعت العصيان المدني. فلم يكن أمامها سوى (نبح الشجرة الخطأ) كما يقول مثل من المجتمع الغربي. إذ قاموا بحملة اعتقالات عشوائية لناشطين من قوى سياسية مختلفة. صحيح أن هؤلاء هم من أسهم بصورة أو أخرى في صناعة الحدث، وذلك من خلال نشاط يومي تراكمي معلن. ولكنهم لم يدَّعوا ريادة أو قيادة ما حدث. وكما ذكرنا لعل الاستفهامات قد كبرت بعد أن اتضح أن القادة هم شباب آمنوا بقضية وطنهم، ونذروا لها أنفسهم، بصبر ومثابرة منذ فترة ليست بالقصيرة، واستطاعوا تكوين شبكة واسعة أعدوا لها كافة وسائل التأمين، بدليل أنه لم تستطع أجهزة أمن النظام لها اختراقاً!

رابعاً: لقد أثبت الشباب أنهم رقم لا يمكن تجاوزه، وأنهم بالفعل يشكلون نصف الحاضر وكل المستقبل. كما أن مواكبتهم للغة العصر المتمثلة في التعامل مع وسائل التقنية الحديثة، قد أظهرت ابداعاتهم في كيفية الوصول إلى الناس. هذا الظهور الباهر أعطى أملاً وقناعة أن السودانيين ينبغي ألا يخافوا أو يحزنوا أو يقلقوا من مستقبل بلادهم طالما أن فيهم شباباً يسدون عين الشمس. وذلك يشمل الذين داخل البلاد وكذا الذين خارجها، وقد تزودوا بالمعرفة، وترسخت ثقافاتهم بالاحتكاك والتفاعل مع ثقافات دول المهجر.

خامساً: بمقاربة واقعية، يمكن القول كذلك إن الوجود الكثيف للشباب في حدث العصيان المدني، أفرز أسئلة واستفهامات كثيرة في أوساط القوى المعارضة بشقيها المدني والعسكري، لا سيَّما، وأن كلا القطاعين خلت أجندتهما التنظيمية من إيلاء قطاع الشباب الاهتمام الأكبر، هذا إن لم نقل أن نصيبهم تجاوز النسيان وعدم الاهتمام إلى صنع العثرات وسد الطرق حتى يحولوا بينهم وقمم الهرم التنظيمي، وتلك لعمري واحدة من الأمراض المزمنة في النشاط السياسي السوداني بصورة عامة، ولكن لا أظن أنها ستقوى على الصمود بأكثر مما حدث. أي في ظل المعطيات الجديدة التي أوجدها الواقع الراهن بعد العصيان المدني الأخير. وبنفس القدر لا ينبغي النظر إليها كجذر منفصلة عن بعضها البعض، فالوصول للهدف يستوجب التعاضد والتكاتف والتوحد

سادساً: لعل من الأشياء التي لم تلفت انتباه المراقبين كثيراً رغم أهميتها في الحراك السوداني، هي ملاحظة غياب بعض الأسئلة التي كان يثيرها سدنة النظام أو من جاورهم من المستيئسين، مثل من هو البديل؟ أو التخويف الذي يرددونه دائماً باحتمال حدوث فلتان أمني، يماثل ما حصل في سوريا والعراق وليبيا واليمن. وهي تجارب طالما مثلت فزَّاعة للنظام وعصبته ويلقون بها في وجه كل من يتحدث عن إسقاط النظام، لكأنما الحال الذي يرزح تحت وطأته السودانيون الآن، يعد أفضل من حال شعوب تلك الدول. لكن على كلٍ، لقد أثبتت تجربة العصيان أن بعض تلك الأسئلة ما هي إلا محض ترهات تثيرها عصبة النظام، إما للإفلات من المقصلة أو خشية السقوط الذي يتبعه الحسم الثوري المحتوم!   

سابعاً: على الرغم من أن المراقبين لم يكونوا في حاجة للاستدلال على ضعف النظام، إلا أن تجربة الثلاثة أيام كشفت للموالين للنظام ذلك الضعف البيَّن. وأن النظام يتكيء فقط على منسأة سليمان التي ستهوى به على الأرض حالما أقدمت يد الثوار على هزها. ولا شك أن البعض تساءل أين اختفى الذين كانوا يحاكون انتفاخاً صولة الأسد؟ أين ذهب الذين تبرأت منهم ألسنتهم بعد أن سلخوا بها جسد أهل السودان تقريعاً واستهزاءاً وسخرية. بل حتى بعد انجلاء أيام العصيان الثلاثة، ليس ثمة مدافع عن النظام سوى ربيع عبد العاطي وأحمد بلال وخالد المبارك، وبغض النظر عن انتهازيتهم المقيتة، فجميعهم ممن قالت فيه الأعراب مثلها الشائع (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه)!

ثامناً: منحت تجربة العصيان بأيامه الثلاثة الثقة في النفوس، وارتفعت المعنويات بعد أن عملت آليات النظام لسنين عددا في ضخ الأكاذيب وإشاعة التثبيط والتيئيس والتخذيل بين الناس. والمؤسي أنه مع تطاول سنوات النظام، باتت تلك (الموشحات) تجد أذناً صاغية، فجاءت تجربة العصيان كترياق ضد اليأس والخنوع والقنوط، ولن نبالغ إذا ما قلنا إن تجربة العصيان كانت بمثابة السهل الممتنع، والتي أكدت لمن يجهلون أمرها، أن تكلفة إسقاط النظام أيسر مما يظنون!

تاسعاً: في مقابل ذلك اتضح أن النظام الذي كان يشيَّع الفلتان الأمني بين الناس في حال سقوطه ووصول المعارضة المسلحة، هو في الأصل يكشف عن طبيعته الإجرامية، كنظام عرف في الأجندة السودانية بالقتل والتنكيل والإبادة الجماعية وكل مفسدات الأنظمة الشمولية. وللتدليل على ذلك فقد نشرت بعض الصحف إعلاناً صادراً من رئاسة قوات الدعم السريع تدعو المعاشيين الذين تركوا الخدمة في القوات المسلحة، من عدة أفرع بما فيها الطيران، للتقديم لوظائف شاغرة. ذلك هو الأمر الذي لا يحتاج لتأكيد انطلاقاً مما ذكرناه مراراً عن تهميش القوات المسلحة، وعن ما تتردد في شعور الذل والهوان والاجحاف الذي بات يسيطر على منسوبيها. وتلك روايات تعني لأي مراقب، أن ثمة وميض نار يوشك أن يكون له ضرام، وبالطبع لن يضير النظام شيئاً إن أضاف طابقاً آخر لأوزاره!

عاشراً: لقد أكد العصيان ما ظللنا نردده بأن الأزمة التي بدأت كأزمة سياسية بعد الانقلاب في العام 1989 صارت بعد أن وقفنا على أقوال وأفعال أصحاب الأيادي المتوضئة والأفواه المتمضمضة، أزمة أخلاقية بامتياز. وعلى الرغم من أن لدينا أطناناً من الأدلة والبراهين، إلا أن ما حدث خلال أيام العصيان الثلاثة، كان بمثابة قمة تضعضع جبل الكرامة السودانية التي يعتز بها أي سوداني ممن يمشون على الأرض هوناً

فقد شاء الرئيس “الضرورة” أن يستمر في مسلسل “الشحدة” المذلة واستجدائه دول الخليج (السعودية، قطر، الأمارات) دون طائل. وفي هذا الإطار وتزامناً مع الأزمة، استبقى نفسه في دولة الإمارات خمسة أيام لحضور سباق سيارات الفورميلا (1) وذلك يعد رقماً قياسياً حتى بين الرؤساء عاطلي المواهب مثله

والأنكى ما حدث من ملابسات صاحبت الزيارة وتبادلتها الأسافير. بل شاهده الجميع وهو يجلس متوسطاً غلاماً صغيراً من الأسرة الحاكمة ووالده، الذي كان بدوره منصرفاً عنه لشأن يغنيه. وتلك الصورة الفوتوغرافية تطأطأت من جرائها رؤوس كثير من السودانيين، ليس من بينهم رؤوس العصبة. وللأسف فقد عصفت بالكرامة السودانية – قبل البروتوكلات الرسمية – إلى درك سحيق. والغريب في الأمر أن المفعول به هو ذاته الذي طالما ضُربت له الدفوف وظل يرقص لسنين عدداً على ألحان (النار ولِعها وأتوطأ فوق جمرها)!  

عوداً على بدء، يمكن الاستمرار في حصر دروس الأيام الثلاثة بأكثر مما فعلنا، ولكننا نكتفي بهذه النذر من المناظر التي ينتظر أن تسفر عن نفسها بعرض فيلم كامل في القريب العاجل

ويقيني أن العصبة باتت تدرك تماماً أن أيامها معدودات في السلطة، وأن أياماً عصيبة تقبل عليهم مجرجرة أذيالها. لسنا ممن يرجمون بالغيب، ولكن الوقائع والدلائل والشواهد تقول إن الذين قَتلوا وعَذبوا باتوا يتحسسون رِقابهم، وأن الذين عاثوا في الأرض فساداً طفقوا يفكرون في كيفية النجاة بجلودهم قبل حلول الطامة الكبرى، وأن الذين جمعوا المال والنساء والبنين، شرعوا يفكرون في وسيلة من وسائل التحايل، التي يمكن أن يستغفلوا بها الشعب السوداني بمثلما دأبوا في العهود الغابرة.

إنها سكرة الموت يا غافل وهذا ما كنتم عنه تحيدون، فأين المفر!!

آخر الكلام: لابد من المحاسبة والديمقراطية وإن طال السفر.