النور حمد

سأحاول، في هذه الحلقة الخاتمة، تقديم تلخيصٍ موجزٍ لهذه الأطروحة التي أسميتها “في تشريح العقل الرعوي”. وبطبيعة الحال، لم تستقص هذه الحلقات موضوعها كما يجب، وما كان ينبغي لها. فقد أحاطت بها قيود الكتابة الصحفية الأسبوعية الراتبة. ومع ذلك فقد رسمت، بصورة مطولة، ملامح مخطط بحثي، نقدي، سبق أن أشرت، في بداية هذه المقالات، إلى أنني أنوي  تطويره، سعةً وعمقًا، إضافةً إلى إجراء مزيدٍ من البحث في الأدبيات المتعلقة به، من أجل دعمه بمزيد من الأفكار والمراجع، ثم إخراجه في كتاب، في نهاية المطاف.

أثارت هذه المقالات، الكثير من الجدل، في ما وصلني من ردود فعلٍ حولها، على بريدي الالكتروني، ومما قرأته في المواقع الإلكترونية، ومما تفضل بنقله إليّ بعض الأصدقاء، حول ما جرى بشأنها من حوار في مجموعات النقاش المختلفة، التي تزخر بها وسائط التواصل الاجتماعي. احتفى كثيرون بهذه المقالات، ومن بين هؤلاء ثلةٌ ممن أعرف سعة معرفتهم، وشعورهم العميق بالحاجة إلى البحث في جذور الأزمة السودانية المستفحلة، والمتطاولة. وقد فاق احتفاء هؤلاء بالمقالات، كل توقعاتي. وقد شد ذلك عضدي، خاصةً أنني تجرأت بالخوض في شأنٍ شائكٍ، وحساسٍ، فعلا، وهو، بمنحاه الناقد للثقافة السائدة، لا يجد لدى الكثيرين، قبولاً.

أما من الجهة الأخرى، فقد انتاشت المقالات سهامٌ عدة، من زوايا مختلفة. اتسم بعضها بالموضوعية، واتسم البعض الآخر باللاموضوعية. وكل تلك أمورٌ طبيعية، في اعتقادي. فالنقد الموضوعي يعين على إعادة النظر، وضبط الطرح، وعلى التطوير. أما غير الموضوعي فيُترك جانبًا، ولا ينبغي أصلاً أن يُؤبه له. فهو من جنس الغوغائية التي طالما وسمت مجالاتنا الفكرية، والثقافية، والصحفية، والسياسية، منذ قرابة القرن من الزمان. وهذا القرن المنصرم، من الزمان، يمثّل، تقريبًا، كل عمر أمتنا في ممارسة الكتابة، في تمثُّلاتها الحديثة. وهو عمرٌ جد قصير في أعمار ثقافات الأمم، التي أخذت بأسباب الحداثة.

نحن لا نزال بعيدين، عن التعاطي مع الاختلاف كشيءٍ طبيعي، بل وكشيءٍ ضروري؛ مهم، ومفيد. وقليلون منا من يجرون المساجلات الكتابية، بعيدًا عن التشنج، وإنشابٍ الأظافر في رقبة شخص الكاتب، كأن ما بينهم وبينه خلافٌ على ميراثٍ. فالمستوى المتحضر من الحوار، الذي حطت في رحالها الأمم التي محصتها التجارب الطويلة، والانتاج الفكري الضخم، وساعدتها في صقله المؤسسات الأكاديمية المستقلة ، التي وصلت أعمارها إلى قرون عدة، فنحن منه جد بعيدين. فلدى بنية العقل الرعوي، كل الأمور واضحة، ولا حاجة إلى التساؤلات أصلا؛ فإما أن تنسجم مع بنية العقل السائد، وإما أن تُحَطَّم. فالتفكير النمطي المتكرر، والابتسار، والعجلة، والاستقواء بالجهلاء ضد العلماء، واستهداف الشخص، بدلا من استهداف مواضع الخلل في فكرته، كلها خلالٌ  رعوية، آن لها أن تترجل.

ظهرت بدايات هذا الطرح، أول ما ظهرت، في كتابي “مهارب المبدعين: قراءة في السير والنصوص السودانية”، الذي صدر عن دار مدارك للنشر، في الخرطوم، عام 2010. كما ظهرت في أوراقٍ أكاديميةٍ متناثرة، نشرتها، في السنوات الأخيرة. ومما ورد في كتاب، “مهارب المبدعين”، مما له صلة بهذه المقالات، هو زعمي أن انقلابًا حدث في العقل والوجدان السوداني. فقد سبق أن قلت في ذلك الكتاب، إن سبب ذلك الانقلاب هو دخول المؤسسة الدينية الرسمية الخديوية العثمانية إلى الساحة السودانية، في بداية الغزو الخديوي للسودان. بعبارةٍ أخرى، حدث ذلك الانقلاب العقلي والوجداني، عندما أصبح للدين مؤسسة حكومية، رسمية، مهمتها أن تكون ذراعًا تستخدمه السلطة في السودان، لتكريس الاستبداد الفكري والديني، والسياسي. ولست بغافلٍ عن ضرورة تقديم بعضٍ من الاحتراز هنا؛ فبيوت التصوف السودانية، كانت، هي الأخرى، تعتمد الفقه في جانبٍ من ممارستها التعليمية التربوية. غير أن تركيزها كان على التربية والتهذيب، بأكثر مما كان على استظهار المتون وحفظها، من غير أن يكون لما يُحفظ من نصوص تأثيرٌ يذكر على الأخلاق، كما هو الحال لدى الفقهاء. قامت بعض بيوت التصوف في الحقبة السنارية، بتدريس “مختصر خليل” و”الرسالة”، لأبي زيد القيرواني، وغيرها من كتب الفقه. ومع ذلك، بقي المتصوفة مدركين أن دراسة الفقه القائمة على الحفظ والاستظهار، قاصرة عن تحقيق مراد الدين، وهو التربية والترشيد. وعلى سبيل المثال، رُوي عن الشيخ حمد ود الترابي، الذي بدأ حياته الدينية بتدريس مختصر خليل، أنه حين نوى بدء نهج التصوف والرياضات الروحية، ودخول الخلوة، رمى بمختصر خليل جانبًا، وقال: “تركناك يا خليل ومسكنا درب الجليل”. وكما هو معروف فإن محمد ود ضيف الله، صاحب كتاب الطبقات كان يذكر في مقدمة سيرة من يورد من الأولياء، أنه أخذ العلم على فلان؛ أي تفقّه عليه، وأخذ التصوف وتبع طريق القوم، على يد فلان. (راجع أبو سليم، بحوث في تاريخ السودان).

أحضر الخديويون عند بدء غزوهم للسودان عام 1821، ثلاثة من الفقها؛ شافعي، وحنفي، ومالكي. ومن هنا أخذ التدين المؤسسي يأخذ وضعه في السودان. في تلك النقطة في الربع الأول من القرن التاسع عشر جاءنا التدين العثماني، الأزهري، المظهري، الداعم للاستبداد، ولأحادية التفكير، وللطهرانية. وبطبيعة الحال كان السودانيون، في الحقبة السنارية، يذهبون لتلقي العلوم الدينية في رواق السنارية في الأزهر، لكنهم كانوا يعودون ليعلِّموا الناس الفقه الضروري، الذي لا تصح العبادة إلا به. وعمومًا، كان المهتمون بالدين، من السودانيين آنذاك، قليلين، وكانوا ملتفين حول بقاع التصوف. أما بوادي السودان المحيطة بمجرى النيل فقد بقيت صلتها بالدين، ضعيفة جدًا. وتاريخ سلطنة سنار يحكي عن ذلك أفضل حكاية. بعبارةٍ أخرى، لم يكن الفقه سوى أرضية استخدمها المتصوفة لتعريف الناس بالعبادة الصحيحة، في هيئتها المظهرية، أما تركيزهم الأساس فقد كان منصبًا على التربية، والترشيد، وتعليم أصول الأخلاق. فالفقه يُبقي البدو على بداوتهم، أما التصوف فيهذب، ويعلم عبر ما يسميه المتصوفة “السلوك” قواعد الأخلاق.

بدخول الخديوية بدأ التضييق على التصوف، (راجع: أبو سليم، بحوث في تاريخ السودان، ص 33). والتضييق على التصوف ظاهرة وسمت كل التاريخ الإسلامي، كما سلفت الإشارة. فالتصوف كما يقول هادي العلوي مثّل، في عدد من منعطفات التاريخ الإسلامي، القوة الاجتماعية الناقدة لتجاوزات الحكام وفسادهم، والتذكير بما كان عليه النبي وكبار الأصحاب من الزهد والاستقامة. والفقه المدرسي، الذي يظنه الناس اليوم دينًا، ليس سوى مؤسسةً سلطانية، صنعها حكام فاسدين ومفسدين، فارقوا جوهر الرسالة، واستخدموا قوة الفتوى وفرمانات التكفير في مواجهة معارضات المتصوفة، وغيرهم من الفرق المعارضة. ومن هنا كانت ظاهرة قتل المتصوفة، وغيرهم، من هؤلاء المعارضين، سمة بارزة من سمات التاريخ الإسلامي. ومن ينظر إلى علماء الأزهر، وإلى فتاوى علماء السودان، طيلة فترة حكم الانقاذ الحالية، يمكنه أن يلاحظ انحياز هذه المؤسسة الثابت للسلطة. باختصارٍ شديد، لم يكن السودان جزءًا من المنظومة العربية المشرقية السنية، بصورتها المؤسسية السلطوية، إلا بعد وصول الخديويين. بدخول الخديوية تهمّش التصوف، وجرى إدخالنا، قسرًا، في السيرورة التاريخية العربية المشرقية، وسرديتها الممتدة منذ عصر الأمويين، إلى عصر العثمانيين. ويمثل هذا المدى الزمني، في جملته، الإطار الذي ضم حكم المستبدين، الذين جعلوا من الدين، في صيغته الفقهية المدرسية، ومن رجال الدين أداةً لترسيخ الاستبداد وحراسته.

كان ذلك، ما تضمنه كتابي مهارب المبدعين، الذي جرى نشره قبل ست سنوات. ولكن، ما بين صدور مهارب المبدعين، وما أثاره من جدل، استجدّ جديدٌ في تفكيري. فلقد واصلت البحث والقراءة، في كل الأمور المتعلقة بما طرحته في “مهارب المبدعين”، خاصةً الجوانب التاريخية. واتضح لي أن الانقلاب في الفكر والوجدان السوداني، ومن ثم في الهوية السودانية، جرى على مرحلتين. بدأت المرحلة الأولى، حين قضى الأعراب الرعاة الذين قدموا من الشمال، من مصر، في موجاتٍ متتابعة، عبر بضع قرون، على مملكة المقرة في القرن الرابع عشر، ثم على مملكة علوة في بداية القرن السادس عشر. في تلك المرحلة جرى هدم قيم الاستقرار التي رسختها الحضارة النوبية الكوشية الممتدة من كرمة ونبتة ومروي إلى فترة الممالك المسيحية، وهي قيم الانصياع لحكم القانون، واحترام ملكيات الغير، والقبول بمنظومة الدولة كجهاز منظم للعلاقات بين الناس. يقول ويليام آدمز، “خلافا للعرب الحقيقيين ما كان النوبيون أبدًا شعبًا بدويًّا، ومنذ الزمن الذي تقلدوا فيه حضارة الفراعنة، حتى مجي العرب، لم يكونوا شعبًا قبليا. كان مبدأ القرابة لديهم قد فتح الطريق زمنًا طويلا لمبدأ الإذعان للحكومات المركزية. بيد أنهم حين احتضنوا نظام العصبية العربي، من أجل هوية إسلامية، احتضنوا إلى جانب ذلك، بالضرورة، نظام العصبية القبلية”، (ويليام آدمز، النوبة رواق إفريقيا، ترجمة ، محدوب التجاني، (بدون اسم ناشر)، القاهرة، 2010، ص 497).

بسلب الأعراب مُلك النوبة جرى التحول في منظومة القيم؛ من الانسية النسبية المتوارثة من التراث الكوشي القديم، إلى التوحش، أو قل إلى “البربرية”، أو إلى حالة من حالاتها. وهو ما يمكن أن نصفه بنزعة عدم الانصياع للنظم، وإهمال العقد الاجتماعي، والتعاطي مع الدولة والسلطة كـموردٍ يمكن احتكاره، ومالٍ سائبٍ، يمكن وسرقته. فتحالف الفونج والعبدلاب، لم يكن، في حقيقة أمره، سوى تحالفٍ رعوي قح، تأسس لنهب ثروات سوبا، وانتزاع الملك من ملوكها، وهذا ثابتٌ تاريخيًا. ورغم أن الإسلام كان حاضرًا في ذلك الصراع، الذي انتهى بخراب سوبا، إلا أن حضوره كان حضورًا مساعدًا فقط، ولغرض الحشد، والتعبئة، وإثارة الكراهية، وليس حضورًا قيميًا جوهريًا. استخدم العبدلاب والفونج الإسلام لتجييش الرعاة المحيطين بوادي النيل، من أجل الهجوم على مملكة سوبا، خاصة بعد أن تكاثروا حولها وتفوقوا عليها، عددًا، وعدة، ومن ثم، الاستيلاء على ثرواتها الكبيرة التي كانت أعين هؤلاء الأعراب أصلا مصوبة عليها، منذ مدة ليست بالقصيرة.

يطرح هذا المبحث النقدي مقترحًا بضرورة إعادة النظر في السلطنة الزرقاء، وموضعتها، بناءً على حقيقة أمرها، في السيرورة التاريخية السودانية الكبرى، الممتدة منذ العصور الكوشية، لا على ما أفاء عليها به مخيال بعض المعاصرين منا. كما يقترح أيضًا، مراجعة الحقبة المهدوية، نقديا. فهؤلاء الذين جاءوا في القرن العشرين، ألصقوا الاسلام الصاقًا بذلك التحول السناري، من منطلقٍ استعاديٍّ، رغبوي، في محاولةٍ لخلق سردية متماسكة تصبح مرتكزاً لهويتنا. ولربما أمكن القول، إن الإسلام الذي استولى به العبدلاب والفونج على ملك سوبا، لا يختلف، جوهريًا، عن الاسلام الرعوي، الذي استولى به الوهابيون على سائر أرجاء الجزيرة العربية، (راجع: على الوردي، قصة الأشراف وابن سعود، الفرات للنشر، 2007، ص 221-225). كما لا يختلف عن الإسلام الذي حاول به أحمد بن إبراهيم الأعسر، الاستيلاء على الإمبراطورية الحبشية. كما لا يختلف عن الاسلام المهدوي الذي زعم لنفسه الكلمة الخاتمة، في شأن الإسلام، وأعطى نفسه حق حمل السيف، وشن الحرب على مصر وغيرها. اعتمدت كل هذه الحركات، التي انطلقت من البوادي الطرفية في الجزيرة العربية، والقرن الإفريقي، ووادي النيل الأوسط، على قوة عسكرية قوامها خليطٌ من تسطيحٍ تبسيطيٍّ للدين، وشراسةٍ بدوية فالتة، ونفوس وأيدٍ يشعل طاقاتها، إلى أقصى مدى، الحصول على المغانم، وتلهب مشاعرها دراما السلب والنهب، الممجدة أصلاً في أدبياتها.

لم يكن المتصوفة جزءًا أصيلاً من السلطة السنارية، ولم يكونوا مؤسسة تابعة لها، بالمعنى المؤسسي، وما أكثر ما دار بين المتصوفة وبين سلاطين الفونج، من مواجهات. (راجع: كتاب “الطبقات”: سيرة الشيخ إدريس ود الأرباب اورفضه قبول هدية السلطان السناري له، من أرض المحس المغصوبة. وراجع سيرة الشيخ حمد ود الترابي الذي احتمت به قبائل شرق النيل الأزرق، حين هاجمهم القائد السناري، ود التُمام، مستهدفًا سلب قطعانهم). عاش المتصوفة في بقع صغيرة، أقرب ما تكون إلى دويلات، بالغة الصغر، متناثرة عبر مساحة السلطنة. وكان المجرمون يحتمون بهذه البقع من العقوبات، لأن سلاطين الفونج كانوا لا يلاحقون المجرم الذي يلوذ بشيخ من شيوخ التصوف.

كانت بقع التصوف جزرًا صغيرة متناثرة، يحيط بها بحرٌ بدويٌّ شاسعٌ، بالغ الشراسة. وقد نجح انتشار الخرافة، والإيمان بالقدرات الخارقة، التي أُشيع أن شيوخ التصوف يمتلكونها، في كبح غلواء الحكام. وهنا تكمن قوة الأسطورة، ويظهر أثرها الحسن في مجريات التاريخ. ومع ذلك، ظلت الأمور بين سلاطين الفونج وشيوخ التصوف، في شد وجذب، إلى أن أكلت سنار نفسها بنفسها، واجتاحتها الخديوية المصرية. وبدخول الخديويون إلى السودان، بدأت المرحلة الثانية من غياب الوعي بالذات السودانية، وأخذ خرق الابتعاد عن الجذر الكوشي يزداد اتساعًا، فتحول السودان من قطرٍ ذي جذور موغلة في الكوشية، تصل إلى أكثر من ألفي سنة قبل الميلاد، إلى قطر هامشيٍّ، مهملٍ في حواشي المشرق العربي.

يتحدث الأكاديميون عن ضرورة تفكيك التركة الاستعمارية، أو محو آثار الاستعمار decolonization، ولكن لم نر في السودان عملاً واحدًا تناول بعمق، وبادراك حقيقي، آثار الاستعمار الخديوي للسودان، الذي امتد من 1821 إلى 1885، وتأثيراته الضارة، التي طالت واقعنا حتى اليوم. ولا حتى عملا كبيرًا، شاملا، ناقش حقبة الاستعمار البريطاني. لقد ضرب الخديويون ضربة البداية في تمصير وعي السودانيين. أُنسي المصريون السودانيين تاريخهم الكوشي العتيد، فأخذوا، يصنعون لأنفسهم، في انقياد أعمى تاريخًا يعود إلى جزيرة العرب. وقد أوضح أحمد ألياس حسين “فبركة” المصريين لعروبة السودان، بما يكفي. خرج المصريون، لكنهم أبقوا مناهج تعليميهم وروايتهم للتاريخ، فبقينا رغم استقلالنا، مستعمرين مصريًا؛ دينيًا وثقافيًا، وسياسيا.

هذا الاستعمار الثقافي، الاستتباعي، هو ما ظل المصريون يعملون له منذ حكم الأسر في العالم القديم، وأخذ صورًا حداثيةً على يد محمد علي، واستمر كما هو في فترات عبدالناصر والسادات، ومبارك، وإلى اليوم. جرى استتباع النخب السودانية مصريًا، فانغلق الطريق أمام الجمهور السوداني ليعي ذات وتاريخه وثقافته. ولا غرابة إذن، أن أصبحنا منشغلين بقضايا العرب أكثر من انشغالنا بقضايانا. نهتم بآلام ومقاساة غزة، وسوريا، أكثر مما نهتم بآلام ومقاساة دارفور، أو جبال النوبة، أو حتى شرق السودان. فنحن نعيش حالة فصامٍ معيبة، لها جذور تاريخية لم تناقش بعد. ولكن كثيرين منا، لا يرون الفيل “البمبي” في الغرفة.

انطلقت هذه المحاولة البحثية النقدية من مراقبة الواقع السوداني الذي استعصى على التمدين، وقدمت في ذلك شواهد أولية. فالعقلية التي جعلتنا نفقد حتى التحديث القليل الذي انجزه البريطانيون، وننحدر لنصبح في ذيل دول العالم في كل شيء، هي ذات العقلية السنارية، التي لم تترك، رغم بقاءها في الحكم، لثلاثة قرون، ثقافة عينية أو معنوية، تذكر. فالثقافة العينية هي ما تتركه الحضارات المقتدرة، عادة، وتتمثل في الفنون الحرفية المختلفة، artifacts. لم تترك سنار عمرانًا يذكر، ولا فنونًا بصرية، ولا فنونًا حرفية، ولا زيًا، ولا طعامًا مميزًا، ولا فكرًا ولا أدبًا ذا قيمة. ولو قارنا ما انجزته سنار بما أنجزته نبتة، أو مروي، أو حتى سوبا، في كل ما تقدم ذكره، لاتضح لنا الفرق. ومن يرد أن يتيقن من هذا، فما عليه سوى زيارة متاحفنا، ومتاحف العالم، ليرى أين هي سنار، من نبتة، ومروي، وسوبا. لقد انتكسنا، دون أدنى ريب، من حالة حضارية، لها آثارها العينية، الماثلة إلى الآن، إلى حالة رعوية، تسبب فيها الاستعراب الذي فشا فينا، فسطا قبيل منا، أقل تحضرا، على قبيل من أكثر تحضرًا، باسم الاسلام، فخرَّب حضارته وسوى، ما استطاع تسويته منها، بالأرض. فواقعنا الماثل اليوم، هو امتداد لرعوية الحقبتين السنارية والمهدوية، فهو منبت الصلة بحضارتنا الكوشية الباذخة.

سؤالي المركزي في هذا المبحث، هو: كيف ولماذا انتكسنا حضاريًا، وكيف ولماذا عجزنا عن الإمساك بأسباب الحداثة، مثل بقية الأمم؟ والتساؤل حول إمساك البداوة ببنية العقل العربي، والحؤول بينه وبين الامساك بجوهر الحداثة، ليس جديدًا. فالسؤال الشهير: “لماذا تقدموا، وتخلفنا؟”، سؤالٌ قديمٌ ظل يُطرح منذ بدايات ما سُمي بـ “النهضة العربية”. يقول عالم الاجتماع، على الوردي، إن المجتمع العربي هو أكبر مَعينٍ للبداوة في العالم، وإن التناقض بين الحضارة والبداوة كبير؛ فإما أن نكون متحضرين، أو نعود إلى الصحراء. فلا انتقاء، ولا توافق، ولا انسجام بين قيم الحضارة والبداوة. فسمات البداوة هي القبيلة – الغزو – التَّفضُّل، (الذي يشمل الكرم والسخاء والنخوة وغيرها). أما الحضارة فهي على العكس من ذلك تمامًا، فهي الدولة، والعمل اليدوي، وعدم الاعتماد على قيم التفضُّل. فعلى الرغم من  تزايد المدن وعدد سكانها، ظلت قيم البداوة تعيش في دواخلنا، إلى حدٍّ كبير. (من مقدمة ماجد شبر لترجمة كتاب المستشرق الألماني أوبنهايم، البدو، دار الوراق للنشر، لندن، 2007، ص 11).

إن مشكلتنا في السودان، كما في غيره من الدول المشابهة لنا، مشكلة “سياسات” policies، وليست مشكلة “سياسة” politics. نحن نعتقد أن السياسة سوف تحل مشاكلنا، فننخرط بكثرة في الناشطية السياسية، ونهمل التفكير، ونغرق في النزاع غير المنتج. وقد ظللنا نمارس هذه الناشطية السياسية منذ الاستقلال. لكن، لم يمر علينا، على الاطلاق، يومٌ كان أفضل من سابقه، منذ الاستقلال. ورغم هذه الحقيقية الصادمة، لا نتوقف لنفكر، أو لنعيد النظر في تاريخنا المكتوب، أو لننظر لحالتنا من حيث قلة الكسب، وقلة القدرة على الحفاظ على ما تحقق في مضمار الاستقرار، والبناء، والتقدم، والتمدن، والصقل، والتهذيب. فحالتنا من حيث التراجع المضطرد، حالة نادرة، بل وربما منعدمة الشبيه، ولابد أن وراءها علة. وهذا الطرح يمثل في مرحلته هذه مجرد عصفٍ ذهنيٍّ لتلمس جذر الأزمة.

لكي نخطط لتعليمٍ جديد، مفيد، وحافز للتطور، لابد أن ننظر في تاريخنا على خلاف ما درسونا. فالنتائج الكارثية لما جرى تدريسه لنا، تتحدث عن نفسها. نحن بحاجة لمعرفة أصل العلل الاجتماعية، والنفسية، المُقعدة، التي نود معالجتها. هذه المعرفة هي التي تحدد كيف نرسم مناهجنا الدراسية، وكيف نصوغ رسالتنا الإعلامية، وكيف نوظف خطابنا الديني، وغير ذلك من وسائط التثقيف والتهذيب. فالأمم لا تهبط في صورة موائد تنزل من السماء، وإنما تُبنى لبنةً، لبنة، بالفكر الحر، وبرسم السياسات الصحيحة، وإتباعها بالتطبيق الحرفي اليقظ، وحراستها من ارتدادات الرعوية. والشعوب تتعلم، حين تجد أمامها قادةً معلِّمين ملهمين؛ مثال: غاندي، ونهرو، ومانديلا، ومهاتير، وغيرهم. نحن بحاجة إلى انقلاب فكري، تتبعه ثورة ثقافية، ولسنا بحاجة لتجريب المجرّب، مرة أخرى. بهذا أنهي هذا الطرح الابتدائي، وإلى اللقاء مع الطرح المكتمل في الكتاب الموسع الذي سأنشره تحت العنوان الأصلي، الذي بدأت به هذه المقالات، مع إضافة صغيرة، ولسوف يكون: “التغيير وقيد العقل الرعوي: حالة السودان”.