التغيير : الخرطوم 

على عكس ما حدث في الدعوة وتنفيذ العصيان المدني في نوفمبر الماضي من عدم تنسيق بين من دعوا له ، يبدو أن من يقفون وراء دعوة عصيان 19 ديسمبر الحالي نسقوا  مواقفهم وطريقة عملهم بشكل مختلف هذه المرة. 

فقبل حلول موعد العصيان المدني والمحدد له  يوم واحد وهو التاسع عشر من الشهر الجاري بأسبوع ، استمرت عملية التعبئة والحشد للمواطنين للتجاوب مع الفكرة حتى تحقق غرضها وهو الاحتجاج بطريقة سلمية على سياسات النظام الحاكم الاقتصادية والتي أدت الى زيادات كبيرة وغير مسبوقة في أسعار المواد الاساسية والدواء والوقود. 

وللمرة الاولى ، تتحرك اللجان الشبابية والحزبية على الارض وتقوم بتنوير المواطنين بجدوى العصيان وضرورة المشاركة فيه سواء عبر مخاطبات جماهيرية مباشرة او توزيع ملصقات تحض على المشاركة. 

ورصدت ” التغيير الالكترونية ” استغلال هؤلاء الشباب لكل المناشط الجماهيرية للدعوة الي العصيان : ففي ساحات الاحتفال بمولد الرسول الكريم في امدرمان والخرطوم وبحري كان هنالك مندوبون يقومون بتوزيع الملصقات الداعية الى المشاركة في العصيان .. كما فعلوا ذات الشيء في الحفل الجماهيري الكبير الذي أقامته فرقة عقد الجلاد الغنائية مساء السبت  في الحديقة النباتية بالخرطوم بمناسبة ختام فعاليات معرض الزهور السنوي. 

 

كما تنوعت وسائل التحريض على الدعوة والتي كانت محصورة فقط   في وسائل التواصل الاجتماعي. فقد دعا المنظمون المواطنين الى كتابة ” عصيان 19 ديسمبر ” على العملات الورقية ومن ثم تداولها ، فاستجابت فئات كثيرة للفكرة ، الامر الذي اجبر البنك المركزي على إصدار بيان يحذر فيه البنوك والصرافات والمتعاملين بالعملة الورقية المكتوب عليها هذه العبارة بعد ان اعتبرها غير مبرئة للذمة. 

 

وايضاً حض الواقفون خلف العصيان الموظفين في الدولة بضرورة الاحتجاج بشكل جماعي على تأخر المرتبات والزيادات فيها والتي تم الاعلان عنته بواسطة وزارة المالية الشهر الماضي ولكنها لم تنفذ حتى الان.  

 

الأكثر من ذلك ، فان كل الاحزاب السياسية المعارضة ، قررت هذه المرة  ، وخلافا للمرة السابقة ، تأييد العصيان بل ودعت عناصرها للانخراط فيه وبمساعدة لجان التنسيق التي تعمل في الأحياء.

فقدت أصدرت أحزاب الامة القومي والشيوعي والمؤتمر السوداني وحزب البعث والحركة الشعبية – قطاع الشمال ، والحركات المسلحة في دارفور بيانات متتالية خلال الفترة الماضية أيدت فيها ، وبشكل مباشر وصريح ، العصيان. وكان بعضها قد اتخذ مواقف اعتبرها بعض المراقبين  ضبابية. 

من جانبها ساندت التشكيلات النقابية الموازية العصيان المدني بعدد من البيانات القوية، فالتحالف الديمقراطي للمحامين دعا في بيانه لتصعيد العصيان والإضراب فيما أعلنت مجموعة من الدراميين انحيازها لهذا الحراك، فيما اتخذت “مبادرة استعادة نقابة المهندسين” و”تجمع المعلمين السودانيين” مواقف داعمة ومؤيدة للعصيان عبر بيانات رسمية.

ومع ان كل الترتيبات ، تسير على قدم وساق كما يؤكد المنظمون ، فان هنالك عراقيل وصعوبات  كبيرة تواجه نجاح العصيان المقرر في تحقيق مبتغاه. وأول هذه العراقيل هو الحكومة نفسها ، وحزب المؤتمر الوطني الحاكم الذي يديرها والذي سيفعل كل شي من اجل إفشال العصيان بطبيعة الحال. فبعد ان وصف الرئيس عمر البشير العصيان السابق ” بالفاشل مليون في المية ” عمد الحزب الى وضع جملة من التدابير لإفشال العصيان القادم. وعلمت ” التغيير الالكترونية ” من مصادر متطابقة ان الحزب وبالتنسيق مع الاجهزة الأمنية،  وعلى اعلى مستوياتها، شكل  ” غرفة متابعة ” برئاسة نائب رئيس الحزب ومساعد رئيس الجمهورية ابراهيم محمود وعضوية وزراء الداخلية والامن والإعلام بالاضافة الى قيادات حزبية متخصصة. 

 

وكشف محمود عن جزء من مهام هذه الغرفة عندما كان يتحدث الى عضوية حزبه عندما قال انهم وجهوا بعض عضويتهم لمواجهة “شائعات”  العصيان بعد ان وصفها بالعمل الخيالي ” ما تشغلوا نفسكم كتير بالاعتصام في الواتس اب ديل ناس ما عندهم حاجة”.

لكن واقع الحال يؤكد ان الوطني “شاغل نفسه كثيرا ومهموم بالعصيان وتداعياته” ، فقد طالب عضويته التي تتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي والتي تعرف في الأوساط السودانية  الشعبية ” بالجداد الالكتروني ” في تحوير ساخر لعبارة “الجهاد الإلكتروني”  بالقيام بعمل مضاد ، وبالفعل شرع هؤلاء في التشويش على دعوات العصيان من خلال منشورات وبيانات مفبركة وتدوينات على الفيس بوك تعلن فيه تأجيل العصيان الى اجل غير مسمى او التحذير من من حدوث فوضى وشغب في حال قيامه مرة اخرى. 

وهنالك انواع اخرى من التحديات والتي تواجه الداعين الى العصيان أنفسهم ، فكثيرون يتساءلون : ما هو الهدف الاساسي منه ، هل هو إسقاط النظام ام المطالبة بالتراجع عن القرارات الاقتصادية الاخيرة ، وهل العصيان لمدة يوم واحد هو كاف لإسقاط حكومة عمر البشير. وفي هذا الصدد يقول الأستاذ  كمال الجزولي الكاتب والسياسي والقيادي في المجتمع المدني  انه ومع وقوفه مع فكرة العصيان بحد ذاتها الا انه يرى ضرورة الإجابة على الأسئلة تلك. 

وقال خلال مقال نشره مؤخرا ان الافضل ان ينفذ العصيان بعد اكتمال كافة أساليب العمل الثوري والتغيير مثل الاحتجاجات الجماهيرية وامتلاء الشوارع بالمحتجين ثم تأتي خطوة العصيان والتي تودي الي شلل تام في الحياة. ولكنه عاد ونبه الى ان اي تحرك تجاه التغيير السلمي يصب،  في النهاية ، في بسط الطريق نحو ازاحة النظام الحاكم بالكامل.   

وانتظمت البلاد موجة متصاعدة من أشكال الاحتجاجات بعد قرارات الحكومة الاقتصادية الاخيرة من بينها اضراب الاطباء والصيادلة ، والاحتجاجات الشعبية في عدد من المدن والأحياء بالاضافة الي العصيان المدني ووقفات احتجاجية من قبل مجموعة المحامين وإضراب الصحافيين عن العمل. 

وكانت البلاد قد شهدت احتجاجات  شعبية. هي الأعنف ضد حكومة الرئيس عمر البشير عندما اعلنت قرارها برفع الدعم عن الوقود في سبتمبر 2013 وتصدت لها القوات الامنية بعنف مفرط ما ادى الي مقتل 200 شخص معظمهم من الشباب.