*د. أبوبكر الصديق محمد صالح بابكر

 

 تحياتي لكم أيها القراء الاكارم. أعلم أنكم مشغولون و على عجلة من أمركم و ليس لديكم من الوقت الكثير، لقراءة المقالات الطويلة. لكن أرجو أن تستثنوا هذا المقال. أعدكم ان تجدوا فيه ما يفيد فى توضيح الرؤية لما يجرى فى السودان هذه الايام‫.

 

 تجربة العصيان المدني الذى نُفذ يوم 27 نوفمبر مثلت علامة مضيئة و فارقة فى طريق المقاومة الشعبية لنظام الانقاذ. فقد إعتبرها كثير من المتابعين و المحللين أول عمل سياسي بدرجة عالية من الإجماع الشعبي طوال 27 عاماً مُرّة، هى عمر هذا النظام الاجرامي. نجاح هذا العمل خلق طاقة من الحماس و الأمل بإمكانية إنجاز التغيير الديمقراطي فى السودان فى المستقبل المنظور. منبع هذا الحماس هو أن الناس تشعر الآن، بأنها إمتلكت واحدة من أدوات المقاومة، الفعّاله و القابلة للإستمرارية. فنحن قد جربنا من قبل مختلف الوسائل من إضرابات فئوية أو المظاهرات الطلابية و الشبابية فى الشوارع أو أعمال مقاومة عسكرية و كذلك خيار التفاوض المباشر مع النظام. كل هذه الوسائل آنفة الذكر وصلت إلى طريق مسدود فى بعض الحالات أو تم ضربها بقسوة و عنف فى حالات أخر. أما العصيان المدني بشكله الحالي فهو أداة جديدة و مختلفه، لانها تُجرّد الحكومة من أسلحتها المُعدّة لضرب المواطنيين. فالحكومة أعدت لشعبها المليشيات و البمبان و الرصاص. لكن ماذا تفعل مع من يجلس فى بيته؟ ليس فى يدها الكثير لتفعله‫.

 

رغم نجاح العصيان المدني فى تجربته الأولى إلا أنه أيضاً خلق العديد من الاسئلة فى أذهان الجماهير التى تنفذه. فبالنسبة للكثيرين إن الهدف النهائي هو إسقاط النظام. لكنهم يتسألون: كيف نتمكن من إسقاط النظام بواسطة العصيان المدني؟ الصورة ليست واضحه فى أذهان الجماهير أو حتى لدى دعاة العصيان أنفسهم. هذا شئ طبيعي و مفهوم. ففى كل الثورات و الهبّات الشعبية فى تاريخ السودان السياسي أو فى تجارب الشعوب الأخرى من حولنا، لم تكن الصورة واضحة  تماماً  منذ البداية حول الكيفية التى سوف يسقط و يتهاوى بها النظام  السياسي المستهدف‫. اذا استخدمنا لغة أهل الرياضيات يمكننا ان نقول ان عدم الوضح هذا سببه وجود مجاهيل ‫(unknowns) فى المعادلة‫. مثلاً غياب معلومات دقيقة عن مواقف بعض القوى المؤثرة فى المسرح السياسي مثل القوات المسلحة و الشرطة و القوات النظامية الاخرى‫. كذلك عدم قدرتنا على الجزم بمستوى الإستجابة الشعبية لنداء العصيان المدني ذات نفسه. كل هذه العوامل و غيرها تساهم فى عدم وضوح الرؤية لخط النهاية. لكن كل هذا شئ طبيعي كما أسلفت و لا يجب أن يزعجنا كثيراً لأن النتائج النهائية تحددها فقط قدرة الناس و رغبتهم فى إحداث التغيير فى السودان. إذا تأكدت الرغبة لدى الناس و عملوا لها بصدق و عزم سوف يتم إنجاز التغيير بلا شك. يجب ان نخطط جيداً لعملنا و نتحرك جميعا فى تنفيذ الخطة الموضوعه و نقيّم النتائج فى النهاية ثم نسد الثغرات. علي سبيل المثال، العصيان السابق تم الإعلان له فى يوم 24 نوفمبر لتكون بدايته فى يوم 27 نوفمبر، أي مدة ثلاثة أيام فقط للتحضر و التعبئة و الإعلام. مع ذلك  نجح، مستفيداً من موجة السخط الشعبي العارمة ضد النظام. تلك كانت مغامرة، لكن تفاديناها هذه المرة و تم الإعلان عن عصيان 19 ديسمبر منذ ما يزيد عن أسبوعين. و هى مدة كافية للتحضير و الإعلام و التعبئة له‫. ‫.

 

الآن نأتى للسؤال المهم: كيف يساهم العصيان فى اٍسقاط النظام؟

العصيان المدني يساهم أول ما يساهم فى توحيد الشعب السوداني حول هدف واحد هو إسقاط النظام و إقامة البديل الديمقراطي. و توحيد الناس هذه المرة ليست مجرد حديث عابر ينصرف بعده كل فرد لشؤونه اليوميه المعتادة. أنما هو مطلب مُلح تعمل الناس على إنجازه بشكل جماعي. والمطرودة ملحوقة ”  كما تقول الحكمة الشعبية السودانية. إتفاقنا و عملنا

 الجماعي من أجل هذا الهدف يقوم بفعل مهم جداً و هو عزل نظام المؤتمر الوطني من أي دعم شعبي مؤثر ليصبح النظام بقليل من مؤيديه المغيّبين بجهة و كل الشعب السوداني بجهة أخرى. و هنا تكمن كارثة أي نظام سياسي. أى عندما يصبح عار من أي سند شعبي (هو فى الأصل نظام أقليه و الجديد الآن هو اٍسطفاف الشعب و توحّده ضدهم). تعرية النظام من السند الشعبي تفتح جبهتين للهجوم عليه. جبهة الانتفاضة الشعبية الكاسحة من جهة و جبهة إنحياز القوات النظامية للشعب‫. هذا سيناريو متكرر فى كل التغييرات السياسية التى حدثت فى السودان أو فى دول الاقليم. قد تجد من يزعم أن الجيش و القوات النظامية موالية للكيزان، لكنني لست يائس من جيش بلادي. لن نعدم الوطنيين من العسكريين الذين سوف يختارون جانب أهلهم ضد جانب الجلاد الذى فقد عقله و أصبح يهدد الشعب بالموت من على رؤوس المنابر و يحتفل بقتل الايفاع العُزّل فى سبتمبر 2013. هو نفسه يعرف هذه الحقيقة، لذلك يهرع هذه الايام بين الفينة و الأخرى، للحديث لضباط القوات المسلحة، يتملّقهم و يشكى لهم. لكن ضباط الجيش ليسوا جنود فى رقعة شطرنج ليحركهم كيفما يشاء. هؤلاء أناس لهم عقول تعى ما يدور من حولها و حتى شاراتهم العسكرية تذّكرهم كل ساعة بأنهم قوات الشعب المسلحة. قوات للشعب و ليس للجلاد. ما يمنعهم من الحركة الآن هو قيود القوانين العسكرية، لكن عندما تتوحد كلمة الشعب، تختلف المعادلة تماماً و تصبح رغبة الشعب و مطالبه هى القانون الحاكم. لذلك فالواجب علينا الآن هو أن نعمل من أجل تطوير العصيان المدني الي أكبر موجة وحدة شعبية عرفها تاريخ السودان. هذا واجبنا نحن كقوى مدنية (مواطنين و أحزاب و منظمات مجتمع مدني و أنديه ثقافية و رياضية و طرق صوفيةالخ). اذا انجزنا هذا الهدف، فالباقىبجي مع

البياضكما يقول البنائيين‫.

 

بجانب التعبئه و الاعلام عن عصيان يوم الاثنين 19 ديسمبر، يجب أن ندعو الناس لتكوين لجان العصيان فى الأحياء و فى أماكن العمل. الناس لم يتمكنوا من اٍزالة هذا النظام من قبل الا بسبب عدم التنظيم. هذا النظام فاقد لأي نوع من المشروعية الاخلاقية و السياسية و الفكرية. فقد جبنوا و تخاذلوا عن الدفاع عن أراضي السودان عندما أحتلتها الدول الأخرى. و قاموا بتخريب الوحدة الوطنية بالحرب الدينية مما أدى لانفصال الجنوب و أحرقوا دارفور أرض الناس المسالمين و خربوا الخدمة المدنية و مشروع الجزيرة و كل المؤسسات الإنتاجية فى البلاد و نهبوا المال العام فى وضح النهار و يبيعون كل يوم أخضب الاراضي السودانية للجهات الاجنبية. إرتكبوا كل هذه الموبقات و مع ذلك لم نتمكن من إزالتهم من السلطة بسبب أننا لم نكن منظمين. فى السابق كانت النقابات هى الأجسام التى يتوحدها حولها الشعب. لكنهم دمروا هذه النقابات المهنية عن بكرة أبيها. الحل أن ننتج بدائل أخرى تساعد الناس على المقاومة. لذلك نقترح على الناس تكوين هذه اللجان فى أحياءهم و أماكن عملهم. و اللجنة هذى ليست جسم جامد و ملئ بالتفاصيل التنظيمية المملة. كل ما هو مطلوب أن يبادر كل شخص للإتصال بمن يثق فيهم من زملاء العمل أو سكان الحي ليتفقوا على أن يتحركوا بشكل موحّد للمشاركة فى العصيان. مثلاً إتفق مع عدد من زملاء العمل على الدخول جميعاً فى العصيان. بهذه الطريقة لن تكن فرداً إنما أنت ضمن جماعة تساندك. و قديماً قيلتأبى الرماح اذا أجتمعن تكسراً و اذا افترقنا تكسرت أحادا‫”.

 

 من المأخذ التى يتناقلها بعض المحللين حول تجربة العصيان المدني هذى أنها بلا قيادة واضحة و مركز موحّد. هذا ربما يكون جانب قصور، اذا قسته بتجارب الانتفاضات الشعبية السابقة. لكنه أيضا جانب قوة اذا نظرت له فى سياق الظروف الراهنة. فالدكتاتوريات السابقة لم تُفحش و تفجُر فى عنفها و قسوتها ضد الشعب و مؤسساته بالشكل الذى نراه الان. إذا وجد أي مركز موحد لمثل هذا العمل فهو بالتأكيد سوف يكون عرضة للهجوم الأمني من قبل النظام. لكن أجهزة الأمن الآن فى حالة من الحيرة و الذهول و العجز‫. لا يوجد شخص أو اشخاص لتعتقلهم أو دار معينة لتغلقها. لذلك إذا تمكنا من تكوين لجان العصيان وسط الاحياء و أماكن العمل فأننا نكسب مرتين. المرة الاولى بتكوين أشكال تنظيمية قاعدية توحّد جهود الناس و تعينهم على الصمود و المقاومة، و المرة الثانية تفادينا الضربات الأمنية التى يمكن أن تحدُث لمركز قيادة وحيد. فنحن نعمل من خلال تنظيم مسطح منتشر وسط المجتمع ولا توجد له قيادة معينة ليتم ضربها و مع ذلك نتحرك كجماعة كبيرة من خلال التنسيق بمختلف وسائل الاتصال المتاحه‫.

 

فكما ترى عزيزي القارئ الكريم، كل هذه التجربة تضرب مثلاً على العقلية المُبدعة التى يتمتع بها هذا الشعب الكريم. لانها تُقدّم أروع السُبل فى العمل المقاوم الذى يتكيّف مع الشروط السياسية و العسكرية الدقيقه التى تحيط بالبلاد و بالشعب السوداني فى هذه المرحلة. نمشى بشويش و بحذق، فوق صراط رقيق، لنُخرج بلادنا و أهلنا من فك هذه العصابة المجرمة. فنحن لا نخرج أهلنا فى مظاهرات لنمكّن الجلاد من قتلهم و سفك دمائهم مثلما فعل فى سبتمبر 2013. و هو الآن يتلمظ، عطشا لمزيد من دمائنا، كما جاء فى هرجه فى مدينة كسلا شرقى السودان يوم أمس. و نحن لا نعمل من خلال مركز قيادة وحيد ليذهب و يضربه و يفتك باعضاءه و مع ذلك نبتدع من الأشكال التنظيمية، الخفيفة و المرنة، ما يعيننا على العمل المشترك و

التعاون و التنسيق بين كل فئات المجتمع. مافيش أروع من كده و منتصرين بأذن الله‫.

 

 

‫—————

‫*  أبوبكر الصديق محمد صالح بابكر، كاتب سوداني تخرج فى جامعة الخرطوم، كلية العلوم قسم الفيزياء فى العام 2003 و أكمل عدد من برامج الدراسات فوق الجامعية داخل السودان و خارجه‫. حصل على الدكتوراة مؤخراً من جامعة استوكهولم، قسم علوم المناخ و المحيطات بمجموعة دراسات عن  التغييرات المناخية فى توزيعات أمطار السودان و مصادر الرطوبة المسببه لها‫. له عدد من الاوراق العلمية المنشورة فى الدوريات الاكاديمية‫. الكاتب ناشط فى العمل السياسي منذ أيام الدراسة الثانوية‫.