الباقر العفيف  

لو كنت مكان البشير لفهمت الرسالة التي أرسلها لي الشعب بعصيانه في يوم ٢٧ نوفمبر. ولما قلّلت من شأن الشوارع الخالية والمتاجر المغلقة. ولما غالطت حول حجم العصيان وأثره. ولما أحوجت الشعب لإردافه بعصيان ثان يحمل رسالة أخرى.  فاللبيب بالإشارة يفهم. وحكمة الشيخ النابلسي تقول”لا يكن طرفك أعمى عن تناويع الأشاير“. 

لو كنتُ مكانه لتصرفتُ وفق تلك الإشارة. كنتُ سأشكر الشعب على تنبيهي بهذه الطريقة المتحضرة اللطيفة. ولرددتُ عليه التحية بأحسن منها. كنتُ سأقول للشعب أنني بالفعل عندما حضرتُ يوم ٢٧ نوفمبر ولم أجده، ارتديتُ بزتي العسكرية بكامل نجومها ونياشينها. وتوجهتُ فورا لمبنى التلفزيون القومي أُعلنُ فيه عن انقلابي الرابع ضد نفسي هذه المرة، رافعا شعار بيدي لا بيد عمرو. ولاعترفت له بفشلي الذريع، وقدمت اعتذاري عن ضياع عمر بحاله في التجارب الفطيرة البلهاء. ولأعلنتُ عن عزمي على التقاط قِطَع الوطن المتناثرة على الأرض. وسوف لن يفوتني إبداء ملاحظة عرضية ولكنها مهمة وهي أنني استخدمت هذا التعبير المستمد من الأصل الإنجليزي  picking up the pieces عمدا، وذلك تفاديا لاستخدام العبارة العربية ”إنقاذ ما يمكن إنقاذه“ مراعاة لشعور الشعب، ونفوره الطبيعي من هذه الكلمة التي صَيَّرتُها مُقَزِّزة بالنسبة له. ولأعلنتُ عن حل الحكومة. وإيقاف الحرب. والسماح بتوصيل المساعدات الإنسانية لشعب النوبة والنيل الأزرق ودارفور، دون شروط، ومن أي مكان في الكون. ولأطلقتُ سراح المعتقلين والمحكومين السياسيين. ولأعلنتُ عن اطلاق الحريات الصحفية. والقبول بخارطة الطريق وجميع ما تطالب به المعارضة السياسية لتنضم للحوار الوطني. ولأعلنتُ عن عزمي على تكوين حكومة قومية انتقالية، يُمثَّل فيها الشباب المخلص الغيور الذي قاد هذه الحملة، لتُنْجِزَ مهام الإنتقال، وتُهيِّيء البلاد لأول انتخابات حقيقية. ولأعلنتُ موافقتي على تكوين لجنة قومية للحقيقة والمصالحة، يقوم عليها أُناسٌ لم تلَوَّثهم الانقاذ بِرَوَثِها، تعمل على كشف المظالم، وإبراء الجراح، وإنصاف المظاليم وما أكثرهم. 

ولأعلنتُ للشعب صادقا هذه المرة بأنني سوف أتقاعد وأرحل طوعا واختيارا إلى مكة المكرمة لأقضي بقية حياتي مجاورا البيت الحرام عسى الله أن يرحمني ويغفر لي.

 

فبهذا سوف أحقق مكاسب لا تحصى. وعلى رأس تلك المكاسب الآتي: 

أولا، كسر وإضعاف وحدة الشعب الصماء ضدي، إذ من المؤكد أن الرأي العام سينقسم بين موافق  على انقلابي وبين رافض ومتشكك. وعلى أقل تقدير فإن انقلابي سوف يبعث الحياة في أعضاء حزبي الذين بدأ الموات يتسرب إلى أطرافهم. وسيبعث الأمل في حلفائي من أعضاء حوار القاعة قبل أن تتضعضع إرادتهم، وينتابهم اليأس من قطاري المتوقف في الخلاء، فيقفزوا منه إلى أقرب ”فنقس فنقس“. وسيبعث الطمأنينة في جيوش المنتفعين مني ويمنعهم من حزم حقائبهم، وزوجاتهم، وركوب الطائرات للّحاق بأموالهم في ماليزيا.  

ثانيا، تجنيب البلاد مخاطر أمنية كثيرة يحملها انفراط عقد السُّلطة مع انتشار السلاح وكثرة الغباين. 

ثالثا، المحافظة على حياتي وحياة أهلي والمحافظة على أكبر قدر من مكاسبنا المالية بعد التحلل.

رابعا، المحافظة على الكثير من المكاسب المادية التي راكَمَتْها عضوية الحركة الإسلامية طيلة العقود الماضية بعد التحلل والتسويات.

خامسا، ضمان بقاء الحركة الاسلامية لاعبا سياسيا رئيسيا في البلاد.

سادسا، فتح الباب لإعمال القانون من أجل استرداد أموال الشعب المنهوبة، واستعادة الحقوق المسلوبة، ورد المظالم المتراكمة، وذلك بدل العدالة الثورية، أو الانتقامات الفردية خارج إطار القانون. وبهذا أكون ضمنتُ معاملة كريمة للجيوش الجرارة من الوزراء التجار، والولاة المستثمرين، والمعتمدين اللصوص، الذين مكنتُ لهم في الأرض، فأفسدوا فيها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة.   

ولكن يقيني أن البشير لن يفعل هذا أبدا. 

هل تعرفون لماذا؟ 

لأنه ببساطة سكران غائب العقل. فالسُّلطة مُسِكرة. والسُّلطة المطلقة مُسكِرة بصورة مطلقة. وأثر السُّكر بالسُّلطة في تشويه الحقائق داخل العقل أسوأ بكثير من أثر السُّكر بالخمر. فسَكرة السُّلطة توهم الطاغية بأنه خارق. وتجعله يرى الفيل نملة. والشعب جرزان. 

وبينما السَّكران العادي يستعيد توازن عقله بزوال أثر الخمر، أي عندما تَفِك السَّكرة صباح اليوم التالي، فإن سَكران السُّلطة لا يستعيد توازن عقله ما دام متمتعا بها، خصوصا إذا كان جاهلا غشيما لا يقرأ كتب الحكماء الذين سبروا أغوار النفس البشرية وأدركوا قوانين الاجتماع البشىري. فأمثال البشير لا تَفِك سكرتهم إلا بعد أن يجدوا أنفسهم مجردين من السُّلطة ويصبح إسم الواحد منهم ”الرئيس المخلوع“. 

ولعل هذا ما يفسر ليس فقط مواقف حكام مثل صدام حسين والقذافي وقبلهم شاوسيسكو، الذين مشوا إلى قبورهم بأقدامهم مثل العُميان، ولكنه يفسر أيضا مواقف أناس تمتَّعوا بأقدار من السلطة أقل بكثير من هؤلاء، فغمَّت على عقولهم، وأعمتهم، مثل كل أولئك الإنقاذيين الذين لم تنفتح أعينهم على مظالم الإنقاذ إلا عندما استغنت عن خدماتهم ولفظتهم. وقائمة هؤلاء طويلة تمتد من عبد الوهاب الأفندي، مرورا بالترابي نفسه وأعضاء حزبه، وصولا إلى غازي  صلاح الدين، وصلاح قوش، وعلي عثمان محمد طه، وأخيرا مبارك الكودة.

وهناك سبب آخر، متفرع من السبب الرئيسي، يمنع البشير من سلوك هذا الطريق، وهو أنه أصبح أسير خطابه، لأنه ما إن وجد حشودا ليخطب فيها إلا ومثَّل دور الفأر الثًّمل الذي خرج من جرة الخمر يطلب نزال القط. فهو يتصرف مثل صعلوك لديح وعديم مُرُوَّة. تراه دائم الغضب، دائم الهياج، يرغى ويزبد، يسب ويلعن، يهدد ويتوعد، يتحدى ويستفز، و”يطالع شعبه الخلاء“. 

والحق يقال أنني باديء الأمر كنت أفهم سلوكه هذا كنوع من ”الفَتْوَنَة والهَمْبَتَة“. ولكني وجدته  أحط من ذلك بكثير.. فهو يفتقد لقيم الفُتُوَّات والهمباتة. فالواحد من هؤلاء ”كاتال في الخلاء وعقبا كريم في البيت“ بينما البشير نقيضهم تماما، جبان فرَّارٌ في الخلاء وعقبا لئيم في البيت. يستأسد على شعبه بينما ينبطح أمام الأمريكان لدرجة تسليمهم إخوانه المجاهدين العرب على طبق من ذهب. ”يَتنبَّر“ علينا و”يَضَّرَّع“ فينا بينما يهرب، وهو يرخي ذيله بين رجليه، أمام زحف القوات الأثيوبية وهي تحتل الفشقة، والقوات المصرية وهي تضم حلايب وشلاتين. يدعونا أن  ”نمرق ليهُ  بَرَّه“ ليذيقنا العذاب ولحس الكوع، ويذكرنا بأننا ”ضقنا يده قبال كده“ ولا يفتح الله عليه بكلمة  عندما تنتهك طائرات إسرائيل وصواريخها أجواء البلاد، وتضربه في عقر داره. يلوذ هو بالصمت  الذليل بينما يخرج علينا وزير دفاعه”الدّلاهة“ بأعذار تضحك الطفل الغرير. ويطمئننا بأنه نصب منظومة حديثة للدفاع الجوي، إسمها الدفاع بالنظر.   

ألا ترون أن الفُتُوَّة عندما يتحدى خصومه، والهمباتي عندما يسلب ضحاياه، إنما يفعلان ذلك اعتمادا على قوتهما البدنية ومهاراتهما القتالية (زول  قصاد زول) مثل نزال فرسان الحقيقيين، بينما البشير يتحدى شعبه الأعزل اعتمادا على ميلشيات من القتلة المحترفين. ومع ذلك فهو لا يتقدمهم في الميدان بنفسه، وإنما يرسلهم للقتل من مأمنه، وهو قابع في قصره، وسط حُرًّاسه الساهرين على حمايته. يريدنا أن نخرج إلى الشوارع لتقتلنا مليشياته بدم بارد، كما فعلت في سبتمبر ٢٠١٣، ثم يمضي لممارسة حياته العادية، فيأكل ويشرب ويتجشأ ويخرأ، وكأنه أباد ذبابا. فأين هذا المسخ من نخوة الهمباتة ورجولتهم؟   

خلاصة القول أن البشير  أصبح أسير عنترياته مما يقطع عليه طريق الرُّجْعَى والتصالح مع شعبه. وله في صدام  والقذافي أسوة وسابقة. وعلى ذلك يبدو السيناريو الذي بدأنا به هذا المقال بعيد كل البعد عن التَّحَقُّق. بيد أنّا يجب أن لا نستبعد أن يفكر فيه ويقوم بتنفيذه بعضُ أعوانه. وهذا ما يعرف في أدبيات السياسة بإنقلاب القصر. حقا المكتولة ما بتسمع الصيحة.