رشا عوض
بعد نجاح تجربة “العصيان المدني” في 27 نوفمبر الماضي وتكرار هذه التجربة الرائدة في 19 ديسمبر 2016 ، تعالت أصوات الأبواق الحكومية في مختلف المنابر رافعة “فزاعات الفوضى” وانهيار الأمن والحرب الشاملة في وجه مواطنين لم يفعلوا شيئا سوى أنهم عبروا عن احتجاجهم السياسي بأكثر الوسائل سلمية على الإطلاق وهي البقاء في منازلهم!!

الهستريا التي تعامل بها النظام مع العصيان تؤكد مجددا عدم قابليته للإصلاح إذ ان برنامجه الوحيد هو حبس الشعب السوداني في خانة “الاستسلام المستدام للاستبداد والفساد” واحتمال تبعاته من الفقر والقهر والمذلة والحرمان من الحقوق الأساسية ونهب موارد البلاد وتدمير حاضرها ومستقبلها وبيعها في مزادات “خفية” لا “علنية” واقتسام ثمنها!

وطبعا مثل هذا البرنامج الإذلالي المشين للشعب السوداني لا يمكن الدفاع عنه إلا بوسائل “البلطجة السياسية” ممثلة في التخويف من مصير سوريا وليبيا واليمن التي انحدرت الى حروب أهلية شاملة تنذر بتفتيتها إلى دويلات!! وهذا اعتراف ضمني من النظام بأنه في سبيل البقاء في السلطة”التي اغتصبها بانقلاب عسكري” مستعد للإسراف في قتل المدنيين العزل لدرجة إجبارهم على حمل السلاح داخل الخرطوم ومدني وعطبرة بدلا من الهتاف وحمل اللافتات! ومن ثم الانزلاق لحرب أهلية شاملة لا تبقي ولا تذر! وبالتالي فعلينا ان نقبل خانعين بمقايضة الحرية والكرامة والحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشيء واحد فقط هو العيش في مدن لا يقصفها الطيران والمدافع الثقيلة!

يظن النظام -وبعض الظن إثم- انه بمثل هذا الابتزاز الرخيص سينجح في إعدام “إرادة التغيير” وتزهيد السودانيين في كرامتهم وحريتهم، في تجريد الرجال من رجولتهم، وتجريد النساء من نسويتهم، وتجريد الجميع من إنسانيتهم وتحويلهم إلى حيوانات أليفة قانعة بما يفعله فيها عمر البشير وعصابته، في حين تتولى كتائبه من الإعلاميين والصحفيين المرتزقة و من أهل “الجهاد الإلكتروني” أو بالأحرى “الجداد الالكتروني” عملية التلويح المستمر بفزاعة اسمها “المصير السوري و الليبي واليمني” استكمالا لإرهاب الشعب السوداني عبر أحقر جريمة “بلطجة سياسية”!

 ولكن هؤلاء “البلطجية الصغار”  ومن ورائهم رئيسهم غفلوا أو تغافلوا عن حقيقة في غاية الأهمية وهي أن مصيرليبيا وسوريا إن كان المقصود به حالة الحرب وموت المدنيين بالآلاف وعذابهم تحت قصف الطائرات ثم الحصار والجوع واللجوء والنزوح فإن هذه الويلات يكابدها مئات الآلاف بل ملايين السودانيين في جنوب كردفان والنيل الأزرق و قبل ذلك دارفور التي كانت منذ عام 2003 مسرحا لحرب ضروس مصحوبة بجرائم حرب بلغت حد الإبادة الجماعية واستخدام السلاح الكيماوي!

وهذا يعني أن مصير ليبيا وسوريا هو حالة ماثلة في أجزاء من السودان يكابد سكانها الرعب والجوع والتشرد وكل صنوف المآسي في صمت وتجاهل ولا “قناة جزيرة” لهم!

وبالتالي فإن تصوير أي حراك يطالب بالتغيير على انه حرب على الاستقرار ومؤامرة لجرجرة البلاد الى الحالة السورية او الليبية هو محض تضليل واحتيال، لسببين : الأول ان الهدف من التغيير هو “التخلص من الحالة السورية والليبية” الموجودة أصلا في أجزاء من السودان إنصافا لأهل هذه المناطق أولا، ثم “وقف زحف هذه الحالة السورية” إلى باقي الوطن! لأنها حتما ستزحف(دون أن تستأذن أحدا)  إذا لم نطيح بالنظام المتسبب فيها والذي ما زال يغذيها بل ويفرض على المواطنين في الوسط والشمال الصمت عليها ، بل يعاقب أشد العقاب كل من سلط الضوء على جرائمه ضد المدنيين العزل ومؤامراته لتفتيت البلاد !

أما السبب الثاني فهو أن النظام عندما يرفع مثل هذه “الفزاعات” يتقمص دور المشفق على مصير البلاد والضامن لسلامتها وهذه أيضا كذبة “بلقاء”! لأنه لو كان كذلك فعلا لاستجاب فورا لنداء العقل والأخلاق والواجب التاريخي وأقر بفشله في إدارة البلاد وحفظ امنها وحماية حدودها وتوفير الحدود الدنيا من احتياجات مواطنيها، وشرع على الفور في تدشين مشروع للانتقال السياسي السلمي الحقيقي بعيدا عن مسرحيات “الحوار الوطني” وأكروبات “الوثبة ” فالنظام بحكم انه مستوطن في كل مفاصل الدولة وهو الذي جيش المليشيات وصنع الجيوش الموازية للجيش السوداني وللشرطة وحتى الجيش والشرطة الاصليين اعمل فيهما سياسات التمكين، وبحكم الامتيازات المالية والاعلامية التي سلبها لنفسه بالقوة، لديه القدرة العملية على المساهمة باقتدار في منع انزلاق البلاد إلى الفوضى لانه هو من زرع ألغام “الفوضى” واحتفظ لنفسه بخرائطها! ولديه القدرة على نزع بعضها وإبطال مفعول البعض الآخر إن كان جادا فعلا في أن يكتفي بهذا القدر من التخريب للوطن!

ولكنه  بدلا من ذلك يريد ابتزاز الشعب السوداني بكرت “الفوضى وانهيار الدولة” وهذا يدل على بؤس مريع ليس فقط على صعيد الضمير الأخلاقي والحس الإنساني، بل حتى على مستوى البراغماتية السياسية وحسابات المصالح العملية! لأن الذي يكبح جماح الفوضى ويحفظ كيانات الدول من الانهيار هو التدابير العملية الواقعية “مدفوعة الاستحقاقات” التي تفتح أمام الشعوب آفاقا جديدة للعمل على استرداد حقوقهم وحل أزماتهم بوسائل سلمية، أما التخويف أو “الابتزاز بالفوضى” فلن يجدي من الناحية العملية في منعها، لأن تراكمات الظلم والقهر والفساد في ظل أنظمة قامعة فاقدة للشرعية بأي معيار، ودول تعاني من هشاشة حادة في مؤسساتها المدنية والعسكرية وفي اقتصادها وقبل ذلك في نسيجها الاجتماعي، لا بد ان تقود في لحظة ما لسيناريو المواجهة الشاملة والانهيار، لا سيما في ظل وجود محفزات داخلية وخارجية للعنف وللتفتيت، فمن كان يخشى على البلاد من الفوضى والانهيار فعليه بالعمل الجاد في ميدان “التغيير” أو “الإصلاح” – حسب طاقته الثورية- لكي يستبق سناريو “الفوضى والانهيار” بعملية واقعية لنزع فتيل الانفجار، وهي بالضرورة عملية انتقال إلى حكم راشد قوامه السلام العادل، المصالحة الوطنية على أساس العدالة الانتقالية، المشاركة السياسية التي تستوعب تعدديات البلاد المختلفة في مناخ ديمقراطي يكفل حرية التعبير والتنظيم وسيادة حكم القانون، أي باختصار تجفيف منابع العنف عبر توسيع فرص العمل السلمي ومن ثم تمكين الناس من تحقيق مصالحهم ونيل حقوقهم المشروعة سلما لا حربا.

وتأسيسا على كل ذلك فإن سيناريو الفوضى والانهيار إن وقعت واقعته في السودان سوف يكون النظام الحاكم هو المسؤول الأول بل الوحيد عنه لانه وبحكم كونه حاكما متسلطا منذ 27 عاما ومنفردا بحيازة مفاتيح الدولة بما في ذلك “مفاتيح الفوضى” فإنه الأقدر على الاخذ بزمام المبادرة في مجال “الانتقال السياسي الآمن”بشرط التضحية بامتياز احتكار السلطة.

أما إذا اختار النظام ان يستغل وضعيته هذه في “البلطجة السياسية” وابتزاز الشعب وتخويفه من التغيير فلن يكون هذا النظام أوفر حظا من امثاله البلطجية في هذه المنطقة، وسوف يباغته زلزال التغيير لا محالة، لأن سنن التاريخ والاجتماع السياسي لا تجامل ولا تستثني أحدا! وقد اخبرتنا هذه السنن ان الأنظمة فاقدة الصلاحية ساقطة لا محالة.    

جميعنا لا نريد بل يفزعنا فزعا ان تتحول الخرطوم أو أي مدينة سودانية إلى حلب او سرت أو صعدا ولكن حماية مدننا من هذا المصير غير ممكنة إلا إذا تخلصنا من نظام البشير الذي بطبيعته غير مؤهل لقيادتنا إلا إلى مثل هذا المصير المظلم والبائس.

ولكن خطة العمل المطلوبة من “قوى التغيير” لتفادي ذلك المصير يجب ان تضبط بوصلتها في اتجاه بناء التحالفات السياسية الذكية والإبداع باستمرار في تنظيم المقاومة وتنويع صورها وأشكالها، واستنفار كل العقول السودانية المؤهلة لتصميم خطط واقعية للانتقال السياسي الآمن  والسياسات البديلة لسودان المستقبل.

نعم لحماية وطننا من الفوضى والانهيار الشامل، وفي ذات الوقت نعم لان نجعل هذا الوطن عاصيا للطغيان، وعصيا على الإذلال، ومستعليا على الابتزاز!