صالح عمار

إنتصر سلاح “العصيان” بلاشك، وليس هناك أكبر دليلاً من الهلع الذى أصاب الطاغية وأعوانه وهم يبحثون عن معارضيهم ليسفكوا دمهم (فلايجدونهم)، ويستجدوا الناس للخروج من منازلهم والذهاب إلى مواقع العمل (فيخذلونهم).

ليس ذلك فحسب، بل إن الإنتصار الاكبر من كشف عورة النظام هو صناعة وجدان مشترك بين السودانيين بكل تنوعهم خلف غاية ووسيلة واحدة، وعودة طلاب وطالبات الثانويات والجامعات والشابات للمشاركة بفعالية فى تقرير مصير بلدهم.

وبنهاية اليوم (19 ديسمبر) أعتقد أن الشباب والشابات يجب أن يتخذوا قرارات سريعة بشأن المرحلة القادمة، والإجابة على سؤال : ثم ماذا بعد؟. الهدف محدد بدقة من حسن الحظ (إسقاط النظام)، أما الطرق والوسائل فهى ملئية بالالغام، وتحتاج للجراة والشجاعة فى التفكير وإعلاء روح النقد، تماماً كما هى مطلوبة الشجاعة فى ميدان المواجهة.

حسب رؤيتى المتواضعة، أعتقد أن قوى (التغيير) عليها التعامل مع هذه القضايا الشائكة :

1 – “العصيان” وسيلة سلمية، غاية فى التحضر، وهى سلاح جاء فى الوقت المناسب تماماً. والصحيح أن نتمسك به وبكل ادوات النضال السلمى التى ستوصلنا بلاشك إلى بر الامان. وعلينا تجنب الإستجابة إلى استفزازات عمر البشير واجهزة أمنه إلى المواجهات التى يتعطش الطاغية عبرها إلى مصَ الدماء، هوايته التى لطالما برع فيها. المواجهات المباشرة والخروج إلى الشوارع لاشك أن ساعتها تقترب ولكن اللحظة حالياً لإرباك النظام بالعصيان والوسائل المشابهة له.

2 – يظل السؤال : ثم ماذا بعد (19 ديسمبر)؟ مشروعاً ويجب على الجميع الإجتهاد فى إستشراف المستقبل وتقديم الإجابات العاجلة.

تنويع الاسلحة وميادين المعارك مهم للغاية. معارك صغيرة فى كل الانحاء تنهك طاقات النظام إلى حين ان تلوح ساعة المعركة الكبرى. من الخطأ حشد الطاقات فى مواقع محددة، فالنظام المتسلح بكل إمكانات الدولة من مصلحته جرنا إلى المعارك الكبرى والحاسمة. بينما تكتيك (حروب العصابات) والمعارك الصغيرة المتفرقة هو الاجدى. العصيان مثلا سلاح ناجح ويمكن تجريبه مرة أخرى خلال الايام القادمة مصحوباً بمجهود إعلامى مكثف.

3 – السعى إلى تشكيل تيار عريض لقوى (التغيير) غير المنتمية حزبياً والتى يشكل الشباب والشابات عمادها يجب أن تكون على راس الاولويات، ويكون الهدف النهائي تأسيس (الكتلة الثالثة) التى تمثل الشعب بحق وحقيقة، فى مواجهة كتلة المؤتمر الوطنى، ولتتحالف مع كتلة الاحزاب السياسية المعارضة متى ما التزمت هذه الاحزاب بالمشروع الوطنى.

إن تكوين (الكتلة الثالثة) العريضة التى تدك سلطة المؤتمر الوطنى وتحالفاته السياسية والإجتماعية، وتحفظ لنفسها المسافة من تحالفات المعارضات الحزبية لهى حتمية لابد منها إذا اردنا للتغيير القادم ان يحقق اهدافه. وامامنا نموذج ثورات الدول التى حولنا وبينها مصر التى اختفى شبابها الثائر حالياً من مسرح الاحداث لانهم لم ينظموا انفسهم فى كيانات واجسام تعبر عن طموحاتهم ومصالحهم فعادت القوى القديمة للمسرح من جديد. التحالفات الحزبية الحالية (نداء السودان، قوى الاجماع) لايمكن تجاوزها ومن الضرورى التنسيق والعمل معها ولكن من موقع “الند” والإنتباه لتضارب مصالح هذه الجماعات والتغييرات التى تصاحب مواقفها حتى تجاه قضايا جوهرية مثل الديمقراطية والتعامل مع الشموليات. من مصلحة العمل المعارض فى سياق التحالفات عقد مؤتمر دولى يشترك فيه الجميع ويكون فيه (للكتلة الثالثة) غير الحزبية موقع الصدارة. 

4 – من الصعب الإتفاق حالياً على لجنة موحدة تقود (العصيان) ومسيرة التغيير، لان هذا سيؤدى بلاشك لمنزلقات متوقعة ومعروفة. ولكن من الضرورى جداً الإتفاق منذ الآن على مبادئ وخطوط عامة لعل من اهمها أن اى قيادة او حكومة قادمة تشكل يجب أن تتكون بالكامل من أشخاص عرف عنهم الحياد الكامل تجاه الاحزاب والمجموعات ذات الصبغة السياسية او القريبة منها، وأشتهروا بين الناس بمبادراتهم البناءة وإنحيازهم لشعبهم، وبتمثيلهم للتنوع السودانى العريض.

5 – “العصيان” و “التغيير” القادم ملك لبنات وأبناء الشعب السودانى أسهموا فيه جميعا بكافة ألوان طيفهم، وهى نتاج وتراكم عشرات السنين من النضال ضد الشمولية. وليس هناك مجال فى هذه الحالة، لظهور “وائل غنيم” او “جيفارا” جديد ليكون فى شخصه رمزاً للإنتصار او تسليط الاضواء، بل الصحيح ان كل بنات وابناء هذا الشعب هم (جيفارا). وينطبق الامر بصورة أكبر على كافة الحركات والاحزاب والمجموعات المرحب بها بكل حفاوة فى سياقِ العطاء لخدمة شعبها، والمرفوض رفضاً باتاَ اى محاولة منها لخطف نضالات الشباب، بإستغلال إمكاناتها وخبراتها وقدراتها التنظيمية.

ولكن لاتعنى الإشارة السالبة تجاه هذه الاحزاب اى دعوة لإقصائها من المشهد فهذا مطلب لايتسق مع الديمقراطية، ومن حق الاحزاب والحركات المشاركة بفعالية فى حراك ماقبل ومابعد (التغيير)، ولكن التحفظ يتمثل فى سعى بعضها إلى قيادة حراك جماهيرى لاتشكل ثقله، والتحفظ ممتدُ كذلك إلى أى محاولة للتفاوض بإسم الجماهير لمصلحتها الذاتية أوالمشاركة فى اى حكومة إنتقالية تاتى، وبعد ذلك فالفيصل والحكم هو صناديق الاقتراع.

6 – الهدف الاول والاخير “للعصيان” وللتغيير هو إسقاط النظام والقضاء عليه من جذوره، ولامجال لاى تفاوض مالم يكن حول ذلك. وفيما عدا الحاملين للسلاح المشروع لهم اخلاقيا التفاوض لإيقاف الحرب، يجب التعامل بحزم مع اى مجموعة كانت فى السابق او تفكر مستقبلا فى التواجد على طاولة التفاوض مع النظام. ليس من المنطق أن ندعى ونطالب بإسقاط النظام ثم نهرول فيما بعد إلى طاولة التفاوض! دون حتى ان يبدر من هذا النظام مايدل على تراجعه عن خطه وسياساته “الإجرامية”.

الحذر البالغ فى هذا السياق واجب حتى من بعض ممن هم فى الصف المعارض حالياً، فعقلية البعض هولاء من الساسة الحزبيين واحدة ومتوارثة وسلوكهم مكرور، ولاشك ان هذا الصنف من الزعماء يتابع الحراك الحالى محاولاً مجاراته عسى ولعل يتمكن فى اقرب فرصة من تجييره لمصلحته الحزبية الضيقة وتسجيل نقاط على طاولة المفاوضات مع النظام لاحقاً (وبين ظهرانينا هذه الايام السيد امبيكى).

7 – ينطلق الحراك الحالى من منصة الانترنت ويقوده شباب احبوا وطنهم بكل صدق ويسعون لحريته، ولكن فى الإتجاه الآخر يوجد ملايين السودانيين الذين هم خارج مسرح الفعل تماماً لظروف معلومة بينها الحروب، الفقر، الامية وهذه الشرائح تمثل قطاعات واسعة ولاتشارك حالياً إما بالكامل او لاتشارك بفعالية. ولهذه القطاعات المتواجدة فى المعسكرات والهوامش وأطراف المدن والرعاة ..الخ يجب أن نبعث رسائل تقدير وإطمئنان بان حقها محفوظ، كشركاء فى الوطن، دون تمييز ضد احد مشاركاً كان فى “العصيان” بفعالية، او لم يسمع به من الاساس وهو يعانى من ويلات الحروب او تبعاتها ويقضى يومه بحثاً عن الماء فى أرياف كسلا او يجمع الحطب على أطراف المعسكرات بدارفور.

8 – الممارسات والمفاهيم (العنصرية) و (التمييز) والمرتبطة بشكل عام بأزمة الهوية فى السودان، تشكل قضية مركزية يجب أن تكون محور الإهتمام دائما، ويتم التعامل معها بحساسية عالية. وعلى قوى التغيير اليقظة و الإنتباه لتجنب نفسها الوقوع فى افخاخ قد تعيد عقارب الساعة إلى الوراء. وأمامنا نموذجا الاوصاف العنصرية الصريحة التى طالت الايام الماضية مواطنين من ولاية كسلا أستقبلوا الطاغية فى ولايتهم، فبدلاً من التعامل بالحكمة والنظر إلى تاريخ الشموليات وقدرتها على الحشد (ترغيباً وترهيباً) إندفع البعض إلى محاولة البحث عن شماعات وتبريرات إستبطنت مفاهيم مستقرة اساسا فى (وعى ولاوعى) البعض من ابناء المركز النيلى عن تحول كسلا إلى ولاية أجنبية ومخططات لاحتلالها (المثير للدهشة ان من يكتب عن ذلك بصفة راتبة منذ سنوات هو اسحاق احمد فضل الله)، بينما الحقيقة أن كل السودان الآن مستباح للاجانب وحدوده ومطاراته مفتوحة للناس من كل حدب وصوب. والحقيقة أن البشير حشد من قبل فى كل مدن وقرى السودان، ودونكم حشد مدنى قبل ايام الذى يفوق حشد كسلا ويساويه على اسوأ الفروض ولم نسمع اى اوصاف بعدها عن اجانب مدنى ولزم الجمع الصمت. لو كنا منصفين لقلنا على أقل تقدير إن السودان بخير مادام أن الاهالى فى أرياف الشرق القصية باتوا يعرفون اسم رئيس السودان ويعرفون انهم ضمن هذه الدولة (حيث حتى عهود قريبة لايعرف بعض أهل السودان اسم رئيسهم ومعنى ومفهوم الدولة من الاساس ولنا نماذج وقصص لاحصر لها من سكان جبال وتلال الشرق وجبال النوبة وجنوب السودان فى سابق العهود).

9 – إن ماذكر اعلاه مفيد فى القول كذلك إنه من مصلحة معركة (التغيير) إجتناب الخطاب المهاتر بشكل عام، والتركيز على إقناع العامة بما هو إيجابى وشرح وفضح جرائم واخطاء النظام بلغة موضوعية، وتقديم قوى التغيير لنفسها كبديل موضوعى وجاد ومحترم.

وفى هذا السياق، اعتقد انه من الحكمة تقليل التركيز العالى أحياناً على شخصية البشير وبعضاً من اعوانه، لان هذا يصرف التركيز عن القضايا المهمة مثل اسعار الدواء، الحرب، الإضرابات..الخ، وقد يصيب البعض من الشباب المتحمسين بالإحباط عندما يشاهد جماهيراً تستقبل الطاغية وأعوانه، لان التعبئة الخاطئة على مواقع التواصل ترسخ لفكرة ان البشير لن يجد احداً يستقبله، بينما البشير يجند مرتزقة لاحصر لهم ويرتبط وجودهم بحكمه.

10 – من الضرورى بعث رسائل إيجابية للاسلاميين والانقاذيين المعارضين حالياً للبشير او البين بين ممن يمكن ان يخرجوا عليه فى اى لحظة لينجوا بأنفسهم، الحركة الاسلامية شكلت الدولة بكوادرها وباختياراتها ومن الصعب الحديث عن إقصاء اعضاءها من المشهد كلياً. الصحيح ان الجرائم لاتسقط بالتقادم وكل من لديه تضرر او مظلمة مثبتة رفعها للقضاء حالما يحدث التغيير السياسى، ويكون الفصل فيها لحكم القضاء. اما الافراد والجماعات الذين كانوا ذات يوم ضمن هذا النظام وغادروه – او من هم فى طريقهم الى المغادرة – فليس من الذكاء إستعداءهم، بل إن كل من ينوى القفز من سفينة الطاغية يجب الترحيب به وقد يكون ذلك حافزاً لقوى مهمة للتخلى عن النظام. وكما اسلفت فالحق فى القصاص لايسقط ويجب ان يتم بالقانون.