عيسى إبراهيم 

* في فصله الخامس ” عَدَمُ الاِعْتِمَادِ عَلَى السُنَّةِ فِي فَهْمِ القُرْآنِ “، يكيل د. شوقي للجمهوريين بمكاييل لا يأتي عليها ببرهان، ولا يرهق عقله ولا يحمل قلمه لضرب أمثال على ما يقول، ذكر أولاً أن الجمهوريين يعتمدون في فهمهم ” للأحاديث النبوية وللآيات القرآنية على فهم زعيمهم محمود لها “، ونقول له: “ماذا يضير في ذلك؟، طالما أنهم تتلمذوا على يديه؟، وماذا في فهم زعيمهم من خلل للأحاديث النبوية وللآيات القرآنية حتى لا يعتمدوا على فهم أستاذهم؟!، “، ثم قال عن الجمهوريين: ” مع أنهم لا يعرفون العربية كما يفهمها الصحابة – رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ – ومن سار على دربهم من علماء القرآن وعلوم الحديث “، وكعادته ينسرب بلا حجة ولا مثال يدلل به على اتهامه!، وقال (يعني الجمهوريين): ” لا يعتمدون على السُنَّةِ في فهم القرآن الكريم، (كيف؟..لا يجيب!) ولا يعتبرونها مُفَصِّلَة وَمُبَيِّنَة وَمُوَضِّحَة له (كيف ذلك؟..لا يجيب!) ، بل يعتمدون على ما استحسنه عقل شيخهم حتى إنهم لم يعترضوا على حديثه عن انتقال التحريم من الأعيان المحسوسة إلى صور السلوك المعنوية اعتمادًا على تفسير شيخهم للآيات القرآنية – كما نرىومن أمثلة ذلك تفسير محمود لقوله تعالى: “لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا”، ونسأل شوقي: “لماذا لا يعتمدون على ما استحسنه عقل شيخهم؟!”، و”لماذا يعترضون على حديث “شيخهم” في انتقال التحريم من الأعيان المحسوسة إلى صور السلوك المعنوية؟! “، و”ما الخلل الذي لمسته يا شوقي أو تبينته في ما ذكرت من حديث شيخنا؟!”، ويستمر شوقي في هروبه غير الذكي حين يلقي اتهاماته على الجمهوريين بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير، ونقول لشوقي (في مفتتح ردنا عليه): إن الأستاذ محمود نفى عن نفسه أن يكون شيخاً للجمهوريين، وقال عن نفسه: أنا مجرد سالك سابق في الطريق النبوي، ودعا الجمهوريين ليكون شيخهم هو النبي (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم)، وهم – حقاً وصدقاً – كذلك!.

بيان القرآن على الله وليس على النبي

بيَّن النبي (صلى الله عليه وسلم) القدر من القرآن الذي يطيقه الناس ويحتاجونه لعباداتهم ومعاملاتهم في مستوى رسالته، وليس على مستوى نبوته أو ولايته وقال: “نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم”، يعني طاقتهم ومقدرتهم، وقال: “إنما أنا قاسم والله يعطي ومن يرد به الله خيراً يفقهه في الدين” (عند الأستاذ محمود هناك أحاديث رسالة وهي ما صدر من النبي لأمته في القرن السابع يبين لهم فيها أمور دينهم ودنياهم، وهناك أحاديث نبوة، كما هناك أحاديث ولاية تنم عن حالة قلب النبي مع ربه)، وبيان القرآن بنص القرآن على الله، قال تعالى: “لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبعه قرآنه ثم إن علينا بيانه”، وقال تعالى: “واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيئٍ عليم”!.

الحث على تدبر القرآن

قال عز من قائل: “أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها”، وقال: “وأنزلنا إليك الذكر (كل القرآن) لتبين للناس ما نزِّل إليهم (القدر من القرآن الذي يطيقونه على مستوى رسالته لهم) ولعلهم يتفكرون” (قال “ما نُزِّل إليهم” ولم يقل “ما أنزل” وهناك فرق بين التنزيل (نزَّل ينزِّل تنزيلا) والانزال (أنزل ينزل إنزالا))! وفي اللغة العربية كل زيادة في المبنى تقود إلى زيادة في المعنى!.

علي بن أبي طالب وأحسن الوجوه

قال باب مدينة العلم سيدنا علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه): “القرآن حمَّال أوجه فاحملوه على أحسن الوجوه”!.

اللغة العربية وحدها لا تعطي معاني القرآن

“أمبارح نحن قلنا إن كلام الله، في بعض مراتبه، هو المعاني العليا.. هذه المعاني العليا ربنا تلطف، وأودعها، في قوالب التعبير العربية، لكن اللغة العربية وحدها لا تعطي معاني القرآن.. وقلنا المثل فيها.. برضو نقوله مرة ثانية، وأحب أن يكون دا واضح للناس إذا كان يمشوا فيهو.. “وأنزلنا إليك الذكر” القبيل قلناها.. “وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون..” الناس البياخدوا معاني القرآن من اللغة العربية وحدها عندهم أنو النبي مأمور بأن يبين للناس القرآن كله لأنك أنت لما تقول : “وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم..” معنى “ما” هنا “الذي”.. فيصبح المعنى: وأنزلنا إليك القرآن لتبينه للناس، لأنه هو “الذي” نزل إليهم.. دا ببساطة معنى “ما” في اللغة.. لكن التوحيد يقول: لا!! التوحيد يقول أن القرآن لا يمكن أن يبين كله، إطلاقا، ذلك لأن أوله عندنا في اللغة العربية – في ظاهر نص الآيات المحكمة، مثلا، وآخره عند الله، في إطلاق ذاته.. “وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم..” ومن أجل دا فإن تبيينه لا يمكن أن يقع الفراغ منه، لا في الدنيا، ولا في البرزخ، ولا في الآخرة.. والسير في معاني القرآن في مراقي القرب سير سرمدي.. ويبين القرآن الله كل لحظة.. “كل يوم هو في شأن”، هذه هي الصفة الواردة في حق ربنا.. وشأن ربنا إنما هو إبداء ذاته لعباده ليعرفوه.. “كل يوم هو في شأن”، شأنه تعالى أن يعلمنا.. شأنه أن يتجلى لينا، ويظهر لينا.. “ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء”، علمه المطلق دا، كل مرة، هو يكشف لينا بمشيئته، وبرحمته، منه شيء نتعلمه، وما يحجب عنا بالنسبة لما يكشف لنا زي ما تشيل الإبرة من المحيط.. لكن العلم مطلق، ونحن سايرين إلى الله، في إطلاق ذاته، في السرمد”، (المصدر: كتاب الدعوة الإسلامية الجديدة للأستاذ محمود محمد طه – أنظر موقع الفكرة على النت: www.alfikra.org)..

الكلمة إناء وإنما يأخذ محتواه من التجربة

يواصل الأستاذ محمود ليقول: “لا بد أن نختم كلامنا دا لنعطي الفرصة للإخوان ليناقشوا.. ونحب أن يكون النقاش قائما على موضوعية.. دعوتي للأخوان المناقشين هي أن القرآن علم الله صب في آنية التعبير العربية، والتوحيد وحده هو البيعطي الآنية دي محتواها.. كلما انت وحَّدت كلما بقت الكلمات بتحمل ليك معاني أكثر مما بتحمل لغيرك.. الحقيقة نحن برضو بنضرب مثل بسيط للمسألة دي، فإني أنا أحبها أن تتوكد أن الكلمات نفسها ما بتعطيك أي معنى إلا مع التجربة.. يعني، مثلا، كلمة “جمل”.. كلمة جمل دي إذا انت قلتها لطفل في الخرطوم، مثلا، في الامتداد، في الخرطوم، يجوز لا يعرف عنها أي شيء.. يجوز ينبعث في ذهنه، من كلمة “جمل”، شكل جمل واحد، بصورة معينة، شايل حطب، وماشي في الشارع.. كلمة “جمل” تكون مقيدة في تجربته بالصورة دي.. قد يكون ما شاف حتى جمل الحطب، ولا يعرفه، وكلمة “جمل” لا تعطيه إذن أي معنى.. في ذهنه ما ينبعث شيء إذا تكلمت انت بكلمة “جمل”، بينما انك إذا قلتها في بادية الكبابيش، الطفل القدر طفل الخرطوم، قد ينبعث في ذهنه صور عديدة جدا من الجمال – ألوانها، وأحجامها، وأشكالها، وأنواعها، من جمل عربي، أو جمل هجين، أو جمل أصهب، إلى آخر صور عديدة – لأن تجربته في الناحية دي واسعة.. اللغة العربية بتعطينا كلمات القرآن ولكن محتواها الحقيقي إنما يملأ بفضل ممارسة التوحيد، لأن التوحيد ممارسة.. فانت كلما وحَّدت كلما الكلمة دي تنزلت ليك بمعاني أكثر – معاني قد تفيض فيضا لا حد له.. ودا إنما يجيئك من تعليم الله ليك.. بالصورة دي يجيك العلم، لأن الإنسان إذا جرب، ومارس، وجود التجربة والممارسة في التوحيد يتفضل الله بتعليمه، والقاعدة العامة هي قوله تعالى: “واتقوا الله ويعلمكم الله..”..

فأنا إذن بحب إنو الأخوان يعرفوا أن القرآن نزل باللغة العربية، لكن اللغة العربية ما بتدي كل معانيه، أكثر من ذلك ، فإن اللغة قد تضلل عن معانيه .. زي ما قلنا: “وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم” الناس الواقفين على التفكير من اللغة وحدها بيفتكروا أن النبي مأمور بأن يبلغ القرآن ويبين القرآن.. ودا التوحيد ياباه.. من هنا يجيء المعنى البيهو لازم يكون التوحيد هو رائدنا، ودليلنا، في الفهم.. بدون التوحيد لا يمكن أن يكون في فهم للقرآن”.. (المصدر السابق)..

اللغة حجاب في المعاني

“حجاب اللغة، الذي أشرنا إليه في صدر هذا الحديث، ظاهر في العبارة المنسوبة للإمام محمد عبده، فأنت، حين تسمعه يقول.. “هذا القرآن المكتوب من حروف هجائية، التي ينطق بها كل إنسان، وأنها مادية، بشرية”، تشعر بأن كل شيء معروف بداهة، ولكن إذا أمعنت النظر، وسألت نفسك.. ما هي الحروف الهجائية؟ أو ما هي المادة؟ لوجدت أنك تعرف المظهر فقط، وتجهل الحقيقة التي وراء المظهر، وبذلك تكون خرجت بحيرة، بدلاً من العلم الذي ضللتك العبارة عنه، وأوهمتك أنك تملكه، من قبيل البداهة، وأخونا طه الكردي أورد في بحثه طرفاً من الآية حين أورد.. “إنا جعلناه قرآناً عربياً” ولو أورد كل الآية.. ثم أورد الآية السابقة لها، والآية اللاحقة، لأعانه ذلك كثيراً.. فلنوردها نحن، ولنلفت نظره إليها، فلعله يحدث فهماً جديداً لموقفه.. قال تعالى: “حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآناً، عربياً، لعلكم تعقلون * وإنه، في أم الكتاب لدينا، لعلي حكيم” أوردنا هذه الآيات ليتفكر فيها الأخ السيد طه، لا ليكتفي منها بأن يذهب ليدلل على أن كلمة “جعل” تعني كلمة “خلق” فإن “الجعل” و”الخلق” كيفهما مجهول، وإن خيل إليه أنه يعرفه، والله تعالى يقول “حم” وهي آية تمثل قمة القرآن، وما من مفسر للقرآن إلا يقول عنها “الله أعلم بمراده”.. ثم يقول تعالى “إنا جعلناه قرآناً، عربياً، لعلكم تعقلون” فيفهم الفاهمون أن الله صب معاني القرآن في قوالب التعبير العربي، فحملت منه ما أطاقت. وذلك الصنيع إنما جرى بفضل الله علينا لعلنا نعقل عنه.. ثم قال تعالى عن القرآن وإنه في، أم الكتاب لدينا، لعلي حكيم” فعرفنا أيضاً أن القرآن أصله عند الله.. و”لدينا” هذه لا تشير إلى المكان، كما جرت العادة بها في اللغة العربية، وهي لا تشير إلى المكان، لأن الله تبارك وتعالى، لا يشمله المكان، وإنما هي تشير إلى التناهي في الكمال، حتى تنتهي إلى الذات العلية.. فالقرآن في حقيقته هو الله.. هو ذات الله تنزلت في المستويات المختلفة. لماذا تنزلت؟ الجواب “لعلكم تعقلون” .. وهذا يذكرنا بالحديث القدسي الذي وردت الإشارة إليه .. “كنت كنزاً مخفياً، فأردت أن أُعرف، فخلقت الخلق، فتعرفت إليهم، فبي عرفوني”. (المصدر: أسئلة وأجوبة – الكتاب الأول، أنظر موقع الفكرة على النت)..

التشريع في الفكرة الجمهورية: دخول أكثر في التكليف!

الفكرة الجمهورية تحدثت عن تطوير التشريع بالانتقال من نص فرعي في القرآن خدم غرضه حتى استنفده إلى نص أصلي مدخر في القرآن لحياة الناس اليوم، وقالت الحكمة من النسخ أنه ارجاء وليس الغاء، وبسبب من ختم النبوة أراد الله أن ينزل أحسن ما في ديننا، فلما تبين عملياً عدم طاقة الناس به في القرن السابع، نسخه الله بما يطيقون، حتى يأتى أوان طاقة الناس بأحسن ما في ديننا، الذي أظلنا أوانه الآن.. وحديث الأستاذ محمود يبقي تشريعات الاسلام في قمة ليس لها ضريب، فمن ذلك الدخول الأكثر في التكليف أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به نفوسها ما لم تقل أو تفعل”، يشير بذلك إلى الآية القرآنية: “وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله”، معنى ذلك أن الأمة تحاسب فقط على القول والفعل لا على الخواطر المستقرة في السريرة، أما في الرسالة الثانية من الاسلام – وهو ما كان عليه النبي (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) – فالمكلف محاسب على القول والفعل والمخفي المستكن في نفسه، وهذا دخول أكثر في التكليف وليس تنصلاً عنه!..

التشريع الإلهي بين الغلظة والجفوة واللطف والانسانية

“ومما لا شك فيه ان التشريع، سواء كان تشريع عادة، أو تشريع عبادة، إنما هو منهاج تربوي يرتفع، بالمجتمعات وبالأفراد، من الغلظة، والجفوة إلى اللطف والإنسانية، وكلما كان الناس غلاظ الأكباد، بليدي الحس، كلما شدد عليهم في التشريع، وكبلوا بالقيود والأثقال” . “وقد تحدثنا عن التشديد على الفرد عند نشأة المجتمع البشري في سحيق الآماد بما يكفي، فإذا جئنا إلى العصور الحديثة، عصور الديانات الكتابية التي نعرفها، نجد أن القاعدة تطرد ولا تتخلف، فهذا القرآن يحدثنا عن اليهود فيقول “فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهـم طيبات أحلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيرا، وأخذهم الربا، وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما”،  

“فلغلظة أكبادهم، وبلادة حسهم، شدد عليهم، فحرمت عليهم الطيبات، وفرض عليهم، في التـوبة، أن يقتلوا أنفسهم قتلا حسيا، وهو بسبيل مما تحدثنا عنه في أمر التضحية بالفرد البشري على مذابح العبادة في أول النشأة” .

“ولما تقدم الفرد البشري هوناً ما، وأصبح لا يحتاج كل ذلك التشديد ليتربى، خفف عنه، فجاء التشريع في حق الأمة المحمدية يقول “قل لا أجد فيما أوحي إلى محرماً على طاعم يطعمه، إلا أن يكون ميتة، أو دما مسفوحا، أو لحم خنزير، فإنه رجس، أو فسقا أهل لغير الله به، فمن اضطر غير باغ ولا عاد، فإن ربك غفور رحيم” وقال في حقهم أيضا، “يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة، عن تراض منكم، ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما”  .

فضاقت دائرة المحرمات في التشريع الأخير، واختصرت إلى أربعة، كلها خبيث، ثم تجاوز حتى عن هذه الأربعة للمضطر، إذا لم يكن باغيا، ولا عاديا على أحد “، (المصدر: الرسالة الثانية من الاسلام – الشريعة في خدمة الحرية الفدية المطلقة، أنظر موقع الفكرة على النت).

انتقال التحريم من الأعيان الحسية إلى صور السلوك المعنوية

“وتواصل القاعدة اطرادها في المزيد من التخفيف على الناس كلما أصبحوا من رهافة الحس بحيث لا يحتاجون الشدة ليتعلموا .. ويبلغ من أمر هذا التخفيف أن ينتقل التحريم من الأعيان الحسية إلى صور السلوك المعنوية، فاسمع القرآن الكريم يحدثنا فيقول : “يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا، ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين * قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ؟ قل هي للذين آمنوا، في الحياة الدنيا، خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون * قل إنما حرم ربي الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، والإثم، والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون”  .

فإذا المحرم حقا، وفي آخر الأمر، هو عيب السلوك، ونقص الأخلاق، وإنما حرم المحسوس من الأعيان المحرمة كوسيلة لشفاء النفوس من عيوب السلوك، ومن نقص الأخلاق، وذلك على القاعدة الحكيمة التي تطالعنا بها هذه الآية الكريمة، “سنريهم آياتنا، في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد ؟” وحين ينسحب التحريم من الصور الحسية الغليظة إلى الصور المعنوية الدقيقة في عيوب السيرة بين الناس، يواصل هذا الانسحاب حتى يصل خفايا السريرة، وما يحوك فيها من خواطر الإثم، وحين قال “وذروا ظاهر الإثم وباطنه” إنما جاء الأمر بترك ظاهر الإثم في مكان الوسيلة، وجاء الأمر بترك باطن الإثم في مكان الغاية . فكأنه قال: أتركوا ظاهر الإثم لتتمكنوا من ترك باطنه، لأنه هو مصدر كل الشرور” .. “فأسلوب القرآن في شفاء النفوس من الخطيئة أسلوب عكسي، يبدأ من الخارج، ويسير إلى الداخل . “قوله “سنريهم آياتنا، في الآفاق، وفي أنفسهم” يعني، في جملة ما يعني، أن السالك في طريق الله، يراقب نفسه، في أول أمره، ويحاسبها، لتترك عيوب العمل، في حين أنها متورطة، في هذه الأثناءة، في عيوب القول، ولكنه يسمح بذلك كنوع من التدريج للنفس، ثم هو، إن استقام له أمر نفسه في ترك عيوب العمل، وكان ذلك منها في سلاسة بينة وانقياد، زحف بها إلى تكليفها ترك عيوب القول، في حين أنها متورطة، في هذه الأثناءة، في عيوب الخواطر، فهي مشوشة الخواطر، كثيرة الثرثرة الباطنية، ولكنه يسمح لها بذلك سياسة لها وتدريجا، إذ كلفها أمرا شاقا في ترك ثرثرة اللسان، ثم هو، إن استقام له أمره على ما يحب في ضبط لسانه، بعد ضبط جوارحه، يكون كل أولئك قد ترك أثرا حميدا في تهذيب الخواطر فيصبح عليه أن يزحف نحوها في ثبات وثقة، يهذبها بعد تشويش، ويسكنها بعد جيشان، فإن هو استقام له أمره على خير ما يحب، وسلم صدره من الوساوس وتنقت السريرة، فقد يبدأ، بصورة جلية، الأسلوب الطردي، بعد أن وصل الأسلوب العكسي إلى هذه المرحلة المتقدمة، ويجئ دور قوله تعالى من الآية السالفة الذكر: “أولم يكف بربك انه على كل شئ شهيد ؟” ويكون أغلب نظر الإنسان بعد ذلك إلى داخله بعد أن كان مشغولا ومهووسا بالخارج. وعند ذلك توشك المطابقة أن تتم بين السيرة والسريرة، فإن نقاء السريرة ينعكس في استقامة السيرة، ويبلغ صاحب هذه السيرة عتبة الحرية الفردية المطلقة. وكلما تنقت السريرة، كلما استقامت السيرة، فضاقت لذلك دائرة المحرمات، وانداحت دائرة المباحات، على قاعدة الآية الكريمة، “ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم، وكان الله شاكرا عليما ؟” فإذا استمر السير بالساير إلى نهايته المرجوة، وهي تمام نقاء السريرة، وكمال استقامة السيرة، عادت جميع الأعيان المحسوسة إلى أصلها من الحل، وانطبقت الآية الكريمة، “ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا، إذا ما اتقـوا، وآمنوا، وعملوا الصالحات، ثم اتقـوا، وآمنوا، ثم اتقـوا، وأحسنوا، والله يحب المحسنين”، (المرجع السابق، أنظر موقع الفكرة على النت: www.alfikra.org).

ضابط الشريعة الفردية

“وصاحبك، هذا العابد، الزاهد، الذي وصفته إنما هو رجل مذهوب العقل: (هو قد غفل عن الخلق فلم يعد يرى إلا الخالق). وهو، من ههنا، قد رفع عنه تكليف الشرع .. هو في حالة فناء .. فإن أفضى به فناؤه إلى البقاء، فإنه يصبح صاحب حقيقة.. ولا بد لصاحب الحقيقة، الباقي، من شريعة..وقد تكون شريعته فردية، فهو يعيش بها فوق مستوى شريعة الجماعة .. ولها ضابط، هذا الضابط هو، دائما، عصمته من أن يخرق شريعة الجماعة، مما يترتب عليه ضرر على أحد.. وخرق شريعة الجماعة، في المعاملات، دائما يترتب عليه ضرر..لأن المعاملة لا تقع إلا بين طرفين، على الأقل”،  (المصدر: القرآن ومصطفى محمود والفهم العصرى – بين الشريعة والحقيقة).

الحرمة الحسية مجاز لتنقية السلوك

“ثم يطرد هذا التفاوت، بين التشديد والتضييق في القاعدة، والترخيص والتوسيع في القمة، حين يبلغ الإسلام بالناس طور رسالة محمد الثانية، وهي قمة الإسلام، ونهاية المطاف، تقريبا، فينتقل التحريم، من الأعيان المحسوسة، إلى صـور السلوك المعنـوية…”. “…فإذا المحرم حقا، وفي آخر الأمر، هو عيب السلوك، ونقص الأخلاق، وإنما حرم المحسوس كوسيلة إلى تحريم عيوب السلوك المعنوية…”. (المصدر: كتاب الاسلام – الحرمة الحسية مجاز لتنقية السلوك، موقع الفكرة على النت).

 

* eisay@hotmail.com