عيسى إبراهيم *

* تربع مهاتير محمد المفكر الماليزي، ثم الحاكم بعد ذلك (يزور الخرطوم هذه الأيام للمشاركة في منتدى كوالا لامبور في نسخته الثالثة)، على عرش التنمية السريعة والمنضبطة والناجحة باستغلال التنوع لاثراء التجربة، وكان رباناً قديراً للسفينة الماليزية حتى رسا بها في شاطئ الأمان ثم ترجل طائعاً مختاراً عن عرش الحكم،  في عالم تندر فيه الايجابيات وتكثر فيه السلبيات وفي رأيي أن مهاتير “هاتر” حكومة الانقاذ بتؤدة وذكاء وبدبلوماسية فريدة، وأشار بلا مواربة إلى مواطن الخلل في السودان، وفي تجارب الحركات الاسلامية المحيطة، وتجارب الدول العربية التي حولنا، صحيح أنه لم يصادم، كما أنه لم يجامل في فضح مكامن الخلل هنا وهناك، ومن هنا تبدو عظمته، وقاد كل ذلك الصحفي النابه فتح الرحمن شبارقة (له الشكر بما تفضل)..

* النظام الديمقراطي الـ “ما مدغمس” هي الركيزة الأولى التي أشار إليها “مهاتير” الماليزي التي دعمت تجربته الناجحة في قيادة نهضة بلاده من الصفر “المطلق” (كانت مجاميع الماليزيين تائهين في الغابات، يكابدون صيد الأسماك، وزراعة الموز، والمطاط، فحسب) إلى دولة ناهضة في وقت وجيز، يشار إليها بالبنان، ويضرب بها المثل في التنمية النافعة المثمرة (الرأي العام – السبت 19 نوفمبر 2016 صفحة 3 – فتح الرحمن شبارقة)، وذلك – حسب تعبير مهاتير – لأننا احترمنا النظام الديمقراطي؛ لأن الفائز يهناً، والخاسر يرضى بالنتيجة، والمواطنون يدعمون الحكومة الديمقراطية، ولن يخرج المعارضون في تظاهرات احتجاجية، أو يمارسون العنف، أو يقومون بعمليات نهب أو حرق للسيارات، وبالطبع سيبحثون في أسباب فشل حزبهم واصلاح أخطائهم ويدعمونه في الانتخابات القادمة!..

* الركيزة الثانية التي أشار إلى ضرورتها لنهضة السودان – القطر الواسع والذي يملك أراضي خصبة وأنهار (ونضيف: وأمطار وفيرة ومياه جوفية بالكوم – د. عادل خضر خبير المياه والسدود بجامعة الخرطوم كلية الهندسة) يمكنها تغذية هذه المساحات بالمياه، كما أن السودان يملك موارد متنوعة تمكنه من مد العالم بالعديد من المنتجات الزراعية (ليست في شكل مواد خام وانما) تكون مصنعة بشكل نهائي غذائياً – هي أن يقوم بحل نزاعات أطرافه سلماً لا حرباً وعليه استبعاد العنف بجميع أشكاله في حل الخلافات!..

إدارة التنوع بحكمة

* الركيزة الثالثة كمنت في كيفية مقدرة ماليزيا التغلب على التنوع العرقي والديني والثقافي وتحويله من قيم سالبة متصارعة إلى قيم إيجابية  متوافقة بانية، والقاعدة الأساسية الـ “بسيطة” التي أقرتها ماليزيا هي اعتماد حكم القانون الذي يطبق (بلا تحيز ولا مجاملة) على كل من يتجاوزه وبذلك استُبعد العنف والقتال (ليست لدى ماليزيا – بفضل تجربتها الديمقراطية المتوازنة – اغتيالات سياسية) فالذي يرتكب جرماً يتولى علاجه القانون، يقول مهاتير – النمر الآسيوي الحصبف -: طالما أن العديد من خبراء العالم يأتون لماليزيا لتقييم تجربتنا في التغلب على التنوع وسوقه إيجاباً نحو البناء فقد أنشأنا مكتباً يحوي تقييداً كاملاً لتجربة التنمية الماليزية من قرارات وتصريحات ومقالات وبحوث واتخاذ قرارات تعلقت بهذه التجربة للاستفادة منها!..

مهاتير “زول نصيحة”

* نصيحته لشعوب السودان ولحكوماته أن يعمل الجميع لتنعم البلاد بالأمن والاستقرار والسلام لأن غياب هذه الأمور يجعل المناخ السائد غير جاذب للاستثمار العالمي أو الداخلي، كما أن الاستثمار الخاص لا يمكن أن يقدُم على ضخ أمواله في ظل انفلات أمني وعنف مستشري وحروب طواحن وفساد “عائر” بلا ضابط !..

عقلية الرجل

* مهاتير قبل أن يعتلي كرسي وزارة التعليم في 1974، ورئاسة الوزراء في 1981، في ماليزيا، كان ضيف شرف في احتفالية مدرسية، وأفاد أن له مسابقة بجائزة ليتنافس فيها المعلمون لا الطلبة، وملخص المنافسة، أن يحصل كل متسابق من المعلمين على بالونة منفوخة ويثبتها في قدمه على مدى المسابقة التي تستغرق دقيقة واحدة، والفائز هو من يحتفظ بالبالونة بحالة جيدة إلى مدى السباق، بدأت المسابقة واهتم كل متسابق باتلاف البالونة التي في قدم الآخر، عند نهاية الزمن المحدد تحدث مهاتير عن التفكير المعوج (وهو أن تنتصر بخسارة الآخر) والتفكير السليم (وهو أن ننتصر جميعاً متآلفين غير متشاكسين وذلك ببساطة أن يقف المتسابق بهدوء محتفظاً ببالونته من غير صراع، ذلك أن مهاتير لم يطلب أكثر من أن يحتفظ المتسابق ببالونته سليمة!)، وهو درسٌ من الرجل الحصيف مفيد!..     

* eisay@hotmail.com