التغيير: الخرطوم

ربما أبلغ وصف لميزانية الحكومة السودانية للعام 2017 هو المقولة التي صدرت من احدى نائبات البرلمان حين عرض عليهم وزير المالية بدر الدين محمود الموازنة لإجازتها عندما قالت: ” ان العام 2017 سيكون عام الرمادة“.

فالميزانية التي تمت  إحالتها  للبرلمان في وقت متأخر نسبيا قبل مطلع العام الجديد بلحظات وتمت مصادقتها  من قبل اعضاء البرلمان بدون  جلسات متعددة ودراسة كافية  – كما جرت العادة – تعتبر من الميزانيات التي يمكن ان تنهار في لحظة لعدم اعتمادها على موارد حقيقية كما يقول العديد من الخبراء الاقتصاديين.   وطبقا لارقام الميزانية فان العجز   فيها يبلغ 18.5 مليار جنيه  أي ما يعادل نحو 2.1 % من الناتج المحلي الإجمالي. وبلغت إيرادات الموازنة 77.7 مليار جنيه  بينما بلغت المصروفات 96.2 مليار جنيه.

وبنظرة اكثر عمقا فان  اكثر من ثلاثة ارباع بنود صرف الميزانية ذهبت لمصروفات الدفاع  فقد خصصت  مبلغ 29 مليار و 122 مليون جنيه لقطاع الأمن والدفاع ، في حين منحت  555 مليون جنيه للقطاع الصحي، و 828 مليون فقط  جنيه للتعليم العام والعالي.

وفي هذا الصدد يقول الخبير الاقتصادي محمد الجاك ان ميزانية هذا العام تعتبر كارثية بامتياز خاصة وانها جاءت بعد ايام من اجراءات تقشفية أدت الى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الضرورية وزيادة معدلات التضخم  وزاد ” كان من المتوقع ان يتم النظر بنوع من الجدية لوضعية المواطن في هذه الميزانية خاصة وانه مازال يكتوي بنيران الزيادات الاخيرة ولكنه سيكتوي بنيران اخرى بعد ان ذهبت معظم الميزانية للامن والدفاع ولم تذهب لقطاعات الصحة والتعليم كما وعد الوزير سابقا“. .

وتستهدف الموازنة إبقاء معدل التضخم في حدود 17 %، مع معدل نمو بنسبة 5.3 % من الناتح المحلي الإجمالي مقارنة بنسبة 4.9 % في العام 2016. وقال وزير المالية خلال مؤتمر صحافي عقده بعد اجازة الموازنة “انها ميزانية جيدة وانه يتوقع ان تحقق نتائج إيجابية لتحسين الاقتصاد السوداني.

غير انه وبعد ايام قلائل من حديث الوزير اصدر صندوق النقد الدولي تقريرا حول الاقتصاد السوداني الذي وصفه بالهش. وتوقع الصندوق ان تستمر ارقام معدلات التضخم في الازدياد. وأضاف التقرير: “عام 2017 وما بعده، توقع الخبراء أن يظل معدل النمو عند مستوي 3.5% ويعتمد بشكل كبير على الزراعة، نظراً لأن انخفاض المدخرات المحلية والعقوبات ومحدودية الحصول على التمويل الخارجي تؤثر على الاستثمار، كذلك سيؤثر سعر الصرف الرسمي المبالغ في قيمته وقيود النقد الأجنبي على النشاط التجاري والاقتصادي على الرغم من الاستثمار الأجنبي المباشر المتوقع في قطاع الزراعة. وقال انه “من  المرجح أن يظل التضخم مرتفعاً نظراً لأن التصحيح غير الكافي في الأوضاع المالية العامة سيستمر في إضعاف الرقابة النقدية.

وكان معدل التضخم قد شهد ارتفاعا قياسيا في شهر نوفمبر الماضي حيث سجل ارتفاعا لنحو 9 نقاط كاملة ليسجل المعدل 29% بعد شهر من الاجراءات الاقتصادية والتي أدت الى ارتفاع أسعار الوقود والادوية وغيرها من السلع.  

وعدد صندوق النقد عددا من الأسباب التي أدت الى هشاشة الاقتصاد السوداني وعدم وجود اي مردود متوقع من الموازنة الجديدة  بقوله  ” إلى جانب ضعف السياسات، والصراعات الداخلية، والعقوبات المفروضة من الولايات المتحدة، لم تتحقق بعد الثمار المرجوة من الجهود المحلية والدولية لإنهاء الصراعات الداخلية، ولا تزال الحالة الإنسانية صعبة واتسعت الاختلالات الخارجية بسبب انخفاض أسعار صادرات السلع الأولية، والسياسات التوسعية، وعدم كفاية تعديل سعر الصرف“.

ومن الملاحظات الجديرة بالتوقف عندها ان الميزانية تعتمد بشكل كبير على الضرائب والجبايات ، حيث تعتمد علي 75 % منها على الضرائب والتي تقررت زيادتها بدءا من ضرائب الاتصالات والتي شهدت زيادة وصلت الى 5%. كما تخطط السلطات – بحسب وزير المالية السابق علي محمود – بالتوسع الأفقي في الضرائب وادخال شرائح جديدة تشمل فئات غير معروفة.  

وفعليا ، امر وزير المالية خلال اليومين الماضيين ديوان الضرائب بإعداد خطة عملية للعام الجاري لزيادة تحصيل الضرائب المباشرة، بتوسيع المظلة الضريبية بغرض تحسين إسهام الضرائب في الناتج المحلي الإجمالي “بما يرفع الدخل القومي ويضمن عدالة توزيعه بين المواطنين” . وهو ما يعضد ما ذهب اليه الوزير السابق الاتجاه الذي تفكر فيه الحكومة السودانية.

ويقول الجاك ان ” الحكومة اعتمدت تماما على الحائط القصير وهو المواطن من اجل سد العجز في الموازنة.. وانا أتوقع ان يتم الاعلان في وقت لاحق عن زيادات في الضرائب من خلال تعديل الموازنة او تمريرها“.  

واضاف ” ميزانية العام 2017 هي من أسوأ الميزانيات التي مرت على البلاد ولا أتوقع لها الصمود امام الصعوبات التي ستواجهها خاصة وان الحكومة ستقوم بتشكيل حكومة جديدة من وزراء جدد وأعضاء جدد في البرلمان والمجالس التشريعية وهذا معناه مخصصات مالية إضافية وصرف بذخي وعلى المواطن ان يتوقع الأسوأ خلال الفترة المقبلة“.