عيسى إبراهيم *

 

* في فصل د. شوقي الثامن الذي تضمن: “تَأْوِيلُ ظَاهِرِ الأَحَادِيثِ إِلِى تَأْوِيلاَتٍ لاَ تُعْقَلُ”، اتهم د. شوقي الجمهوريين أن مرادهم من ذلك هو ابطال الشريعة، وهذا قول مجافٍ للحقيقة تماماً، فما رمى الجمهوريون قط إلى مثل هذا القول المجحف غير المسنود بأمثلة من مرادهم الذي ذهب إليه د. شوقي – كعادته – بلا دليل، صحيح أن الجمهوريين نادوا بتطوير التشريع الاسلامي من نص في القرآن خدم غرضه حتى استنفده إلى نص في القرآن مدخر لحياة الناس اليوم، وهم يعنون بذلك أن الشريعة كانت ولن تنفك هي مخاطبة الناس على قدر عقولهم – طاقتهم ومقدرتهم والأمثلة التي قدمها الجمهوريون في ذلك فائضة ومقتنعة لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد – وهم حين رموا إلى ذلك لم يقولوا بابطال الشريعة، فتطوير التشريع لا يعني الابطال وإنما يعني الدخول أكثر في التكليف، وضربنا أمثلة لذلك، فإذا كانت الزكاة ذات المقادير قد خدمت غرض الناس في القرن السابع الميلادي وما يليه، فإن الانتقال من الزكاة ذات المقادير “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها…” إلى آية الزكاة الكبرى “…ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو…”، إنما هو انتقال لتحقيق غرض الانسان الحالي في خدمة كرامته وكرامة من معه، فليس يكفي أن تكون للانسان صدقة وإنما ينبغي أن يكون له حق في المال لا صدقة، وتأكيد كرامته وانسانيته، وهو أمر لم يكن ممكناً في القرن السابع وما يليه لعدم اكتشاف الآلة بعدُ، وتحقيق وفرة الانتاج، ليكفي الجميع كما هو متوقع الآن، وإشارة النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى ذلك واردة، فقد عف آل بيته من أكل مال الصدقة، وأخرجها من فم الحسين وقال له: كخٍ كخٍ أو ما علمت أنها لا تجوز لمحمد ولا لآل محمد، وقال في حقها: “الصدقة أوساخ الناس وإنها لا تجوز لمحمد ولا لآل محمد”، وقال القرآن عنها: “…تطهرهم وتزكيهم بها…”، والتطهير يكون من الأوساخ!، ولو كان في امكانه آنذاك لعف الناس جميعاً عنها وهو القائل: “لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيِه مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ” وقوله حق، وفي ما أوردنا الحكمة كل الحكمة في الانتقال من آية خدمت غرضها حتى استنفدته إلى آية تخدم غرض الانسان الكوكبي المعاصر بصورة أكثر كفاءة وقدرة فالغاية الانسان!.

* وواصل شوقي اتهامه للجمهوريين فقال: “وقد ساروا (يعني الجمهوريين) في هذه المسألة على طريق الثنوية والدهرية والإباحية من المنكرين للنبوة والشرائع والحشر والجنة والنار والملائكة والربوبية”، فهل ينطبق على الجمهوريين ما ينطبق على “الثنوية والدهرية والإباحية”، الذين وصفهم شوقي بأنهم من “المنكرين للنبوة والشرائع والحشر والجنة والنار والملائكة والربوبية”، فأين أنكر الجمهوريون النبوة؟، وأين أنكروا الشرائع والحشر والجنة والنار والملائكة والربوبية؟!، إن هذا قول من شوقي منكر وليس له عليه دليل وهو القول يلقى على عواهنه بلا دليل، بلا علم، بلا هدى، بلا كتاب منير، ومن قوله الذي أورده – في معرض رده على الجمهوريين – ما يدلل على إيمان الجمهوريين بالربوبية “الذات المطلقة”، أورد شوقي: ” قال الجمهوريون: “ وكل الأحاديث النبوية التي تتحدث عن رؤية الله يوم القيامة، وهي أحاديث كثيرة، إنما تتحدث عن مقام الاسم، وليس عن الذات المطلقة، وذلك لأن القيامة زمان ومكان، والذات المطلقة لا يحويها الزمان والمكان .. ولأن الرؤية لا تكون إلا لمحدود، والذات المطلقة تتعالى أن تراها البصائر أو الأبصار”، فإن كان غمض عليه أن يفهم الفرق بين الذات المطلقة ومقام الاسم، فليس ذلك ذنب الجمهوريين، وإنما هو قصور في فهم شوقي، يوضع عند عتبته وحسب، فالجمهوريون أفاضوا في شرح الفرق بين الذات الحادثة (الخلق)، والذات المطلقة (الخالق)، وكتبوا الكتب، وحاضروا المحاضرات، وعقدوا الندوات للشرح والتبيين، وأقاموا موقعهم الالكتروني على الشبكة العنكبوتية (www.alfukra.org) الذي يضم كتبهم ومحاضراتهم وكافة أنواع مناشطهم، وبنقرة من أصبع على “ذر” موبايل يمكنك أن تدخل هذا الموقع؛ تقرأ إن شئت، تستمع إن شئت، تنزل ما تشاء من كتب مجاناً، فهل بعد ذلك حجة لمحتج، خاصة إذا كان هذا الشخص يحمل درجة الدكتوراة في العلم المادي التجريبي تؤهله ليكون باحثاً بجد، لا متهماً الناس بما ليس فيهم!.

بين الذات المطلقة والذات الحادثة

* يقول شوقي: “يميل الجمهوريون إلى تأويل ظاهر الأحاديث إلى تأويلات لا تعقل“، ويواصل ليقول عن الجمهوريين أنهم يميلون: “إلى تأويل الأحاديث التي تتحدث عن رؤية الله – عَزَّ وَجَلَّ – في الآخرة، ويزعمون أن الله الذي يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام هو الإنسان الكامل. كما يميلون إلى تأويل الأحاديث التي تتحدث عن الصراط والميزان والمعراج”.

ويواصل شوقي مورداً قولاً ينسبه للجمهوريين: “وكل الأحاديث النبوية التي تتحدث عن رؤية الله يوم القيامة، وهي أحاديث كثيرة، إنما تتحدث عن مقام الاسم (الانسان الكامل)، وليس عن الذات المطلقة وذلك لأن القيامة زمان ومكان، والذات المطلقة لا يحويها الزمان والمكان .. ولأن الرؤية لا تكون إلا لمحدود، والذات المطلقة تتعالى أن تراها البصائر أو الأبصار”، وأرجعنا في إيراده هذا لـ “ الإخوان الجمهوريون: عقيدة المسلمين اليوم “: ص 47“، وفي بحثنا في الكتاب المذكور في الصفحة المشار إليها (47)، وجدنا شوقي يخالف نص الكتاب في عدة مواضع (ربما تعزى إلى سوء النقل ليس أكثر)، فقد أورد “والذات المطلقة لا يحويها” والصحيح “والذات مطلقة لا يحويها”، كما أورد “الرؤية لا تكون إلا لمحدود” والصحيح “الرؤية لا تكون إلا للمحدود”، وأخيراً أورد “والذات المطلقة تتعالى”  والصحيح “والذات مطلقة تتعالى”!.

التجسيد ليس حلولاً ولا اتحاداً

الجمهوريون لا يقولون بـ”تجسد” الذات الالهية، وإنما يقولون بتجسيد الانسان للكمالات الالهية، والفرق بين القولين جد كبير، وبالطبع تجسيد الكمالات ليس حلولاً ولا اتحاداً، يقول الأستاذ محمود محمد طه: “والذات الإلهية مثلنا الأعلى في هذا التطور، ولكننا لن نكون جزءاً منها، لأنها لا تتجزأ. ولن نذوب فيها، إلا في معنى أننا نذيب نقائصنا في كمالاتها. ولن نتحد معها، لأنها مطلقة ونحن محدودون.. وإنما أمرنا معها أمر المتطور من بداية الكمال الى نهاية الكمال، لكن هذه النهاية مطلقة، فيصبح حظنا من التطور سرمدياً، مستمراً… فليس لكمال البشر نهاية، لأن نهايتهم الله، وليس لله نهاية.. “وأن الى ربك المنتهى” ولا منتهى.. بإيجاز كمال الإنسان أن يكون الله، ولن يكون لأنه ليس لله نهاية فيبلغها ولا صورة فيكونها وإنما كمال الإنسان، في هذا الباب، أن يكون مستمر التكوين – مستمر التطور من النقص الى الكمال”، (أسئلة وأجوبة –الكتاب الأول، يناير 1970م ص 10- 11 – أنظر موقع الفكرة الجمهورية على النت: www.alfikra.org).

مقام الاسم (الله) والذات

 لا إله إلا الله

“أول ما تجب الإشارة اليه هو أن (لا إله إلا الله) ليست أعظم ما في القرآن ، وانما هي خير ما في القرآن ، وذلك لقيمتها “التسليكية” وانما أعظم ما في القرآن “الله” .. ولكن الله ليس اليه من سبيل ، إلا سبيل (لا إله إلا الله) .. وهذا ما عنيناه بقولنا “لقيمتها التسليكية” .. وقول الله تعالى: (قل الله ، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) أعظم من (لا إله إلا الله) .. و “قل” هنا معناها “كن” ..

فهو قد قال “كن الله” وليس لله ، تبارك ، وتعالى ، صورة ، فيكونها ، ولا غاية ، فيبلغها ، وانما حظ العبد من ذلك ان يكون مستمر التكوين ، وذلك بتجديد حياة فكره ، وحياة شعوره ، تخلقا بأخلاق الله ، تبارك ، وتعالى” .. (المصدر: كتاب: لا إله إلا الله – مقدمة الطبعة الثانية – أنظر موقع الفكرة الجمهورية على النت)

الله

“هذا هو الاسم الذي به قامت الأسماء ، والصفات والافعال .. وهو علم على الذات ، وليس معنى هذا انه اسم لها ، وانما معناه انه إشارة اليها .. ذلك بأن الذات الساذج ، الصرفة ، في حقيقتها أكبر من أن تسمى ، وأن توصف ، وتقصر عن شأوها حتى الإشارة ، وان كان شأن الإشارة معها أعظم من شأن الاسم ، وشأن الصفة .. ثم ان الله ، تبارك وتعالى ، تأذن ان يعرفه خلقه ، فقيد ذاته ، بمحض الفضل ، فكان الاسم ، وكانت الصفة .. ولولا أنه قيد ذاته في مرتبة الاسم بالاسم ، وفى مرتبة الصفة بالصفة ، وفى مرتبة الفعل بالحركة ، لما عرف .. ولقد جاء الاسم (الله) في مرتبة أول القيد .. ثم جاء يتلوه القيد في مرتبة الصفة ، فكانت (الأحدية) من صفة (الأحد) .. ثم جاء يتلوها القيد في مرتبة الفعل فكانت (الواحدية) ، من صفة (الواحد)” ..(المصدر السابق – أنظر موقع الفكرة الجمهورية على النت).

الله والأسماء

“الذي يهمنا في هذا المقام ان الاسم (الله) هو متعلق أسماء الله، وأسماء الله لا يحصيها إلا الله، لفرط كثرتها .. وتلك كثرة مطلقة .. وهي، من الناحية العملية، وفى البداهة المعاشة، تمثل حاجة كل محتاج، وعلى حسب مستوى ذلك المحتاج، وفى كل لحظة من لحظات نومه، أو يقظته، في انفاسه الصاعدة، والهابطة .. وقد لا نكون نحن شاعرين بهذه الحاجة إلا شعورا ضعيفا .. وحتى هذا الشعور الضعيف، انما يكون منا في أحسن حالاتنا الفكرية ولكنه، بمحض فضله، يسلط علينا من المصائب ما يعجز حيلتنا، ويشعرنا بالحاجة اليه بصورة ملحة، وملجئة، نلجأ اليه كل حين، ونلتصق به حيث أمكن، ونسأله، بلسان حالنا وبلسان مقالنا ــــ نسأله بِكُلِّيَتِنا وعندها يستجيب لدعائنا، وتقع منا المعرفة به” ..(المصدر السابق – أنظر موقع الفكرة الجمهورية على النت).

الله والانسان الكامل

“لقد أشرنا آنفا الى أن ذات الله أكبر من ان تسمى، وان توصف  وان تعرف .. ولولا أنها تقيدت لما عرفت، وهي، اذ تقيدت، انما تقيدت بمدارك عقولنا نحن .. ومن ههنا قامت قرينة الشبه بيننا وبينه، فنحن نشبهه، ولولا هذا الشبه لما عرفناه .. قال المعصوم (ان الله خلق آدم على صورته) .. والمهم هنا ليس الصورة الحسية، وانما المقصود ان الله حي، وعالم، ومريد، وقادر، وسميع، وبصير، ومتكلم .. وكذلك خلق آدم حيا، وعالما، ومريدا، وقادرا، وسميعا، وبصيرا  ومتكلما .. فصفاتنا صفاته، غير أن صفاته في مطلق الكمال، وصفاتنا في طرف النقص .. وانما شرعت الشرائع ، وفرضت الفرائض، لتكون لنا منهاجا للسير اليه، والقرب منه، ولملاقاته .. وليس سيرنا الى الله بقطع المسافات، وانما هو بتقريب الصفات من الصفات .. هذا هو معنى قول المعصوم: (تخلقوا بأخلاق الله ، ان ربى على سراط مستقيم) .. لقد كانت الذات في الاطلاق، ولم يكن لها من سبيل .. فلما ارادت ان تعرف تقيدت، وانما كان أدنى منازل تقيدها من منزلة الاطلاق مرتبة الاسم (الله)، كما سلفت الى ذلك الإشارة .. ومعنى تقيدها في مرتبة الاسم ظهور أول قابل لتجلى المطلق .. وهذا هو (الحقيقة المحمدية) .. والحقيقة المحمدية هي مرتبة (الولاية الاحمدية) ..وهذه فوق مرتبة (النبوة الاحمدية) .. فالولاية (الاحمدية) مرتبة الذات الحديثة، في مقابلة الذات القديمة .. وهي مقام (الوسيلة) الذي يقوم بين الذات الساذج، وبين جميع المخلوقات، وليس بينه وبين الذات أحد وهذا انما هو الانسان الكامل ، وجميع إسماء الله الحسنى، وصفاته، في حقه هو، بالمكان الاول، وهي لا تكون في حق الذات الساذج إلا بمقام الإشارة ، وذلك بعد أن تنقطع العبارة، وتنبهم المعاني، وبعد أن يقع عجز العقول عن الادراك” ..(المصدر السابق – أنظر موقع الفكرة الجمهورية على النت).

الإله

“قولك (الله) ليس كقولك (الإله) .. فالله واحد لكن (الإله) ليس واحدا، وانما الآلهة كثر، وهذا ما جعل بعض العلماء يقولون في معنى (لا إله إلا الله): (لا معبود بحق إلا الله) وهذا القول يحوي في عبارته معنى ان هناك آلهة كثيرة تعبد من دون الله، ومع الله، ولكن عبادتها باطلة، وليس هناك معبود بحق غير (الله) .. ولدى الدقة في النظر الى القيمة (السلوكية) في الكلمة: (لا إله إلا الله) فان هذا المعنى المألوف ، المتداول بين علماء الدين ، لا قيمة له ..

فما هو المعنى الذي يكفل تمام القيمة (السلوكية) ، اذن ؟؟ اسمعوا !! (الإله) هو تنزل (الله) الى مرتبة (الفعل) وهي المرتبة (الثالثة) من الثالوث الأسمائي .. ولقد سلفت الإشارة الى ذلك في هذه المقدمة .. فاذا كان الثالوث الأسمائي المعتبر هو (الله، الرحمن، الرحيم) فأن (الإله) في مرتبة (الرحيم) .. وإذا كان الثالوث الأسمائي هو (العالم، المريد، القادر) فإن (الإله) في مرتبة (القادر) .. وإذا كان الثالوث الأسمائي هو (الخالق، البارئ، المصور) فإن (الإله) في مرتبة (المصور) ..هذا في الوقت الذي لا يكون فيه (الله) إلا في المرتبة (الأولى) من أي من ثلاث التشكيلات اعتبرت” .. (المصدر السابق – أنظر موقع الفكرة الجمهورية على النت).

لا إله إلا الله

“قلنا ان (لا إله إلا الله) تعنى لا فاعل، لكبير الاشياء، ولا صغيرها، غير الله .. تعنى ان الذي خلق السموات، والأرض، هو، نفسه، الذي يرزق عباده في السموات، والأرض، ويرزقهم بغير أسباب، إذا جودوا التخلق بلا إله إلا الله ..(المصدر السابق – أنظر موقع الفكرة الجمهورية على النت).

* eisay@hotmail.com